رئيس موريتانيا السابق رفض التحقيق.. ماذا يمسك عبدالعزيز ضد الغزواني؟

رفض رئيس موريتانيا السابق محمد ولد عبد العزيز المثول أمام لجنة التحقيق البرلمانية في جلسة استماع كان مقررا لها أن تعقد يوم 9 يوليو/ تموز 2020، للإدلاء بإفادته في قضايا فساد جرت خلال فترة حكمه (2008-2019).
بعدها أعلنت لجنة التحقيق تأجيل نقاش مشروع تعديل القانون النظامي المنشئ لمحكمة العدل السامية، المختصة بمحاكمة الرئيس السابق.
التأجيل خلق جدلا في الشارع الموريتاني الذي كان ينتظر محاكمة الرئيس السابق، بعد أن أكد في أكثر من مناسبة أنه مستعد للمثول أمام اللجنة، والرد على كل التهم الموجهة له.
لجنة التحقيق
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، دعت أحزاب معارضة إلى التحقيق في ما قالت: إنه "فساد طال مؤسسات حكومية خلال الفترة التي تولى فيها الرئيس السابق السلطة".
وفي يناير/كانون الثاني 2020، صادق البرلمان على مقترح تشكيل لجنة للتحقيق في قضايا فساد خلال فترة حكم ولد عبد العزيز الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 2008.
وفي أبريل/ نيسان 2020، صادق البرلمان، على مقترح توسيع نطاق عمل اللجنة التي شكلها للتحقيق في تسيير عدد من الملفات خلال فترة حكم ولد عبد العزيز.
البرلمان برر توسيع نطاق عمل لجنة التحقيق بالقول: إن الملفات التي تحقق فيها اللجنة "ترتبط ارتباطا وثيقا بملفات أخرى غير مشمولة بمجال تكليفها، وهو ما جعل من المهم توسيع مجال تفويضها، حرصا على مساعدتها على أداء مهمتها على الوجه المطلوب".
مباشرة بعد تشكيل اللجنة وبدء عملها، قال ولد عبد العزيز: "إنه سيلبي الدعوة حال وصولها إليه حرصا على سير مؤسسات الدولة أولا، ولأنه لا يخشى شيئا في مسار إدارته للدولة ثانيا".
الكلام نقلته صحيفة "البديل" المقربة من الرئيس السابق، نقلا عنه، على لسان مصادر قريبة منه. وأضافت مصادر الصحيفة: أن "ولد عبد العزيز مستعد لتحمل مسؤولياته كاملة عن تسيير البلاد خلال 10 سنوات بنجاحاتها وإخفاقاتها".
ونقلت الصحيفة عنه "ارتياحه التام لسلامة وضعه الإداري والقانوني"، مقللا مما وصفه بـ"حملات إعلامية تستهدفه شخصيا يتم إطلاقها من وقت لآخر لأهداف شخصية ليست لها صلة بالمصلحة العامة".
أوراق عبد العزيز
مع تشكيل اللجنة بدأ الحديث عن حصانة ولد عبد العزيز، إذ تنص المادة 93 من الدستور على: "لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسة سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى".
الوزير السابق سيدي محمد ولد محم، وهو أول رئيس لمحكمة العدل السامية، قال: إنه "في ظل المنظومة الدستورية الحالية والنصوص القانونية المطابقة، لا يمكن محاكمة رئيس الجمهورية أو أعضاء الحكومة عن الجرائم المقترفة أثناء ممارستهم لوظائفهم إلا من خلال وبواسطة محكمة العدل السامية ومحكمة العدل السامية فقط، ولا يمكن للقضاء العادي وفق نصوصنا مواجهة الحصانة الرئاسية بأية طريقة والنص الدستوري لا يترك في ذلك مجالا لأي تأويل".
هناك أيضا جدل قانوني كبير بين القانونيين حول من يمكنه محاكمة ولد عبد العزيز، هل محكمة العدل السامية التي ينبغي بموجب الدستور أن تنشأ، وهي معطلة من سنوات، أم أنه وبعد تركه الرئاسة أصبح مثل أي مواطن عادي يمكن أن يحقق معه ويحاكم. هذه التفاصيل قد تبطئ مسار المواجهة بين الرجلين.
الإعلامي حبيب الله أحمد، قال في مقال تحليلي: "الرئيس الغزواني يعرف جيدا صديقه عزيز (ولد عبد العزيز)، ويعرف أنه من ذلك الصنف الذي قد يحاول إغراق الجميع إذا أحاط به الموج".
وأضاف: "التصرفات المافيوية بالسطو تارة على إدارة الميزانية وطورا على مكاتب المحكمة العليا، تؤكد أن السلطات تواجه عصابة غامضة الأطوار قد تفعل كل شيء للإفلات من العقوبة، وما تحريك السلطات لوحدات أمنية لحراسة مواقع ومؤسسات حكومية حساسة إلا وعي من السلطات لاحتمالات سيئة قادمة".
وأضاف حبيب: "لا يحبذ الرئيس الغزواني استخدام القوة ضد رفيق سلاحه سبيلا لإحضاره للإدلاء بشهادته، لكن مسار الأمور بين رجل صاخب ورجل صامت قد يأخذ منعطفا بالغ الخطورة".
حبيب أكد أن "عزيز لديه أوراق كثيرة قد يلعبها، فهو صديق لعدة تنظيمات مسلحة فى صحراء مالي، ويقال إن لديه مصالح وعلاقات قوية مع عصابات تهريب نشطة شمالا وشرقا، وداخليا قد تكون لديه تحالفات مع حركات عرقية عنصرية قد يحتاج إلى إحيائها ضمن مشاغبة للرئيس الغزواني".
نقاط القوة
الأكاديمي والباحث الموريتاني الدكتور إبراهيم الدويري، يرى أن علاقة ولد عبد العزيز بالنظام الحالي علاقة مشتبكة جدا، فمن خلفه في الرئاسة هو صديقه منذ 40 عاما، لدرجة أنه حتى قبل تنصيب الغزواني بأشهر كان هناك حديث بين بعض المحللين السياسيين والمراقبين في موريتانيا، عن أن ولد عبد العزيز مازال هو من يحكم، وأن ولد الغزواني مجرد رئيس صوري.
الحقيقة أن الأمور كشفت أن ولد الغزواني رجل قوي ومتحكم لكنه أيضا يبدو أنه لا يستعجل القضاء على خصومه، أو أن الخصومة التي طرأت بعد تنصيبه لا يريد أن يخوضها بنفسه ضد صديقه، لذلك أنشأت اللجنة وكانت الاستدعاءات من القضاء، وفق الدويري.
الدويري قال لـ"الاستقلال": "طبعا لولد عبد العزيز الكثير من نقاط القوة، بينها ما يزعم خصومه من حصوله على المال طوال السنوات العشر التي حكم فيها، الأخبار المسربة وغيرها تشير إلى أن الرجل جمع بالفعل مالا كثيرا".
كانت عنده أيضا قوة عسكرية، هو الذي كونها، تسمى بالحرس الرئاسي، وإن كان النظام الرئاسي الذي جاء بعده فككها لكن بقي لها حضور وصدى، لأن هذا النوع من التنظيمات صعب القضاء عليها، حسب الدويري.
الدويري أضاف: "النقطة الثالثة، أن الرئيس محمد ولد الغزواني قدم نفسه وبرنامجه وخطابه السياسي، على أنه رئيس غير صدامي، حاول أن يجمع كل الرؤساء ورؤساء الوزراء السابقين في حفل الاستقلال الوطني الكبير، لأول مرة في تاريخ موريتانيا، الذي طبعا قاطعه ولد عبد العزيز، كون ولد الغزواني رجلا هادئا يقدم نفسه كرئيس أخلاقي جامع وغير صدامي وهذا يعطي مساحة لعبد العزيز للتمدد".
لكن نقاط ولد عبد العزيز الحقيقية، بحسب المتحدث، أنه "كان قائدا جمع الكثير من المال، ورجلا من وسط المؤسسة العسكرية، كما أن خلفه لا يحب المواجهة والاصطدام، كما أن علاقاته الإقليمية مشتبكة، فكثير من الأوساط تتحدث عن علاقاته بالأزواديين والنشطين في تلك الصحراء الكبرى".
مضيفا: "هذه العلاقات تشكل بالدرجة الأولى خطرا أمنيا، خصوصا وأن موريتانيا صحراء كبيرة مفتوحة، ولها تجربة قاسية ودموية مع الجماعات الإرهابية، التهديد الأمني يخاف منه الحكام خصوصا إذا كانوا ذوي خلفيات عسكرية".
مواجهة حتمية
خلفية أخرى هي علاقته بالزعيم السياسي بيرام ولد الداه ولد عبيدي، الذي يبدو أن علاقته بولد عبد العزيز وطيدة جدا، وهذا أيضا له شعبية كبيرة جدا في الشارع، كما للرئيس السابق الذي له وسط اجتماعي ينتمي إليه وحضور في الساحة الوطنية.
وعن سر تراجعه عن قراره بالمثول أمام اللجنة، قال الدويري: "ولد عبد العزيز منذ 10 سنوات حين كان رئيسا يقول الكلام لا يبالي بعد ذلك، فالكلام الذي قاله أقرب إلى المماحكة منه إلى الجدية. كان يريد أن يبرئ نفسه ويقول إنه على استعداد للمثول أمام اللجنة، لكن أعتقد حين قالها ما كان يظن أن لدى خلفه والنظام السياسي الذي جاء بعده - وأغلبه كان داعما له - من الجرأة ما يجعلهم يستدعوه للتحقيق.
وتابع: "أعتقد أنه كان يستبعد كليا استدعاءه وأنه كان يريد تبرئة نفسه أمام الشعب الموريتاني. فمن المعروف أن ولد عبد العزيز رجل عنيد جدا".
ولد عبد العزيز صرح في مقابلة مع موقع "تقدمي" أن ما كان بينه وبين ولد الغزواني انتهى كلية، لكن خطورة الأخير أنه لا يصرح بشيء ليس رجل إعلام عكس سلفه الذي كان يجيد الظهور، أيضا المعلومات التي تتسرب من القصر في عهده معلومات ضئيلة جدا، تصرفات ولد الغزواني لا يمكن التنبؤ بها، وأعتقد أن الرئيس الحالي بحسب سياسته يحاول ألا يكون صداميا".
حرب معلنة
الدويري رأى أن ولد عبد العزيز حسم الأمر من نفسه وأعلن الحرب على خلفه، والأخير يسير فعليا في خطوات لذلك، لكنه لم يصرح.
في بداية الأزمة بينهما تداولت أخبار أن هناك بعض الرؤساء السابقين مثل محمد خونا ولد هيدالة حاول إجراء وساطة بينهما باعتباره سلفا لهم جميعا في المؤسسة العسكرية، وأيضا في بعض الأوساط الاجتماعية للرجلين جرى الأمر نفسه.
وزاد قائلا: "لكن أعتقد أن كل المحاولات بائت بالفشل وأن القضية من جهة الرئيس السابق محسومة ومن جهة ولد الغزواني العملية ستتجه نحو الحسم أو قريبا من ذلك إلى اللارجعة، حاليا هناك مناورات".
كثير من أنصار ولد الغزواني الحاليين كانوا من أتباع ولد عبد العزيز في السابق، لكنهم يؤكدون أنهم تفاجؤوا من حجم فساد الرجل (ولد عبدالعزيز) ونظامه ومدى نهبه للثروات، وهذا عامل يمكن أن يسرع بالمواجهة الحتمية بين الرجلين.
المصادر
- موريتانيا.. توسيع صلاحيات لجنة التحقيق بفترة حكم ولد عبدالعزيز
- ولد عبد العزيز: لم تصلني دعوة اللجنة البرلمانية وسأحضر إذا دعيت
- استجواب مطول لأكبر معاوني ولد عبد العزيز: موريتانيا: انشغال بالتحقيق في تسيير الرئيس السابق وجدل حول حصانته
- موريتانيا: جدل قانوني حول الجهة المختصة بمحاكمة الرئيس السابق
- تحقيق في "صفقات فساد" خلال عشرية حكمه.. البرلمان يستدعي الرئيس الموريتاني السابق















