أصوات "الزمن الجميل".. لماذا اختفى قراء القرآن من مصر؟

"قراء زمان"، أو "قراء الزمن الجميل"، كانت هذه العبارة هي الوصف التعريفي لقراء القرآن بمصر في منتصف القرن العشرين.
تميزت فترة الأربعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي في مصر بكوكبة متميزة واستثنائية من قراء القرآن الكريم، دونا عن بقية دول العالم العربي، وكان لتلاوتهم أثر بالغ وانتشار واسع على المستوى المحلي والعربي والإسلامي أيضا.
بدءا من الشيوخ محمد رفعت ثم مصطفى إسماعيل، مرورا بالحصري والمنشاوي، وليس انتهاء بعبدالباسط والطبلاوي، وغيرهم العشرات، ممن عبروا عن الهوية المصرية في تلك العقود، بعد أن ذاع صيتهم حتى وصل إلى الهند وباكستان وماليزيا شرقا، وإلى الجاليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا غربا.
بين "انكسار" المنشاوي و"تحليق" عبدالباسط و"جلال" الحصري، تمكن المستمع من السباحة في سماء تلك التلاوات، ومع أن كثيرين حاولوا تقليدهم إلا أنهم عجزوا عن محاكاتهم أو مجاراتهم، وكان للأصوات الأصلية هيبتها وجلالها في قلوب وأذهان المستمعين.
كان المذياع في تلك الفترة هو نافذة الملايين على العالم، فعرف كثيرون مصر في تلك الفترة من خلال أولئك القراء، عبر إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، ومع أن هؤلاء القراء رحلوا إلا أن أصواتهم بقيت تشنف أسماع الملايين صباح مساء حتى وقتنا الحاضر، وبقيت ذكراهم عالقة في أذهان الكثيرين.
مقامات بالفطرة
قيل مرة للشيخ محمد صديق المنشاوي، إنك تجيد القراءة بكل المقامات، فهل درستها؟ فأجاب: أنه لا يدري ما المقصود بالمقامات، ولم يدرسها، وأنه يقرأ بالتناسب، أي التناسب الموضوعي بين معنى الآية واختيار المقام الصوتي المناسب.
حسب علماء المقامات الصوتية، أو المقامات الموسيقية كما يسميها البعض، فإن النغمات الأساسية هي 7 مقامات، الصبا والنهاوند والعجم والبيات والسيكا والحجاز والرست، وتتفرع منها مقامات فرعية.
كل مقام يمثل حالة نفسية معينة، يدل عليها، فمثلا مقام الصبا أو المقام الحسيني مقام حزين ويتناسب أن يتم قراءته مع آيات النار، ومقام السيكا مقام فرائحي يتناسب أن يقرأ مع آيات الجنة، ومقام البيات مقام فيه شجن.
ومع أن كثيرين من القراء في وقتنا الحالي يحتاجون لتعلم المقامات الصوتية، لمحاولة الإجادة كالأولين، إلا أن قراء مصر في تلك الفترة الزمنية أجادوها بالفطرة، ولم يتلقوها عبر مناهج تعليمية أو دراسات نظامية، كما لم يكن تعليمها شائعا في تلك العقود في أوساط المشايخ والقراء، وكان حكرا على المطربين والملحنين، ومع هذا أجادوا التنقل بين المقامات، وكأنما هم أرباباها.
طفرة ثقافية
في كل حديث عن القراء الزمن الجميل في مصر يقفز سؤال لدى كثيرين: لماذا لم تتكرر تلك الكوكبة، ولماذا اقتصر وجودها على حقبة زمنية معينة، ولماذا وجدت في مصر حصرا بتلك الطفرة، ولم توجد في منطقة جغرافية أخرى؟
وفي محاولة لمعرفة الإجابة، يقول وكيل وزارة الثقافة اليمني عبدالهادي العزعزي، لـ"الاستقلال": "شهدت مصر في وقت مبكر طفرة ثقافية مستندة على حركة إصلاح تعليمي وثقافي بدأ في القرن التاسع عشر، لكنه كان أكثر تجليا ووضوحا في القرن العشرين، خصوصا أن مصر صارت محطة مهمة لجيوش الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذا انعكس في مجمله على المشهد الثقافي مصر، وانسحب بدوره على المدارس القرآنية حينها".
يتابع العزعزي: "بالإضافة إلى ذلك، فإن أمورا قد ساعدت مصر في الوصول إلى ذلك المستوى، منها نضوج حركة الإصلاح التعليمية التي قادها الإمام محمد عبده، وجماعة التنوير وارتباطها بالحركة النهضوية العربية، وبروز حركات سياسية عربية، قومية وإسلامية، اتخذت من مصر مقرا لها".
يضيف وكيل وزارة الثقافة: "كانت مدرسة الألسن هي الأساس لبزوغ حركة ثقافية كبيرة، وفنية أيضا، وهي في الأساس مدرسة اعتمدت على القراءات في القرآن الكريم، وكانت أهم عوامل تطور الأداء في مصر، وحسن الذائقة، لأن القارئ الجيد يعني جمهورا جيدا".
يتابع العزعزي: "أتت تلك الطفرة الثقافية في سياق البحث عن الهوية العربية والدينية، بعد احتلال إنجليزي دام لعقود، وجاءت هذه المدارس والمناشط الثقافية والفنية كردة فعل على الإجراءات البريطانية بحق التعليم في مصر عبر أروين رومل، أو ما عرف بالحكم الثنائي والسيطرة على موارد التعليم في مصر".
ولم تقتصر تلك النهضة على القرآن الكريم فقط، بل على إنعاش التراث العربي والفن الأصيل الغني بقصائد الشعر العربي عامة، والأندلسي خاصة، والذي شكل مادة خام لذلك الانتعاش، وتطلب إنشاء معاهد للموسيقى ومدارس الإرساليات المسيحية".

مدرسة الكتاتيب
يعزو كثيرون الطفرة الثقافية التي شهدتها مصر إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي رافقت تلك المرحلة كأسباب عامة، لكن يبدو أن هناك أسبابا مباشرة كان لها الفضل في بروز هذه الظاهرة بهذا المستوى من الرقي، من تلك الأسباب انتشار الكتاتيب في كافة البلدات والقرى المصرية.
فمن خلال السيرة الذاتية لكبار القراء، يدرك القراء أن الكتاتيب ساهمت بصناعة العديد من رموز المجتمع المصري، الرموز الثقافية والأدبية تحديدا، واستمرت لعقود، وكان لها أثر كبير في وصول قراء مصر إلى ذلك المستوى.
كانت الكتاتيب مركزا للتعليم المكثف، وكان الطلاب ينقطعون للتعلم بشكل كامل، ويتفرغون لطلب العلم، فركزوا على الإتقان في الحفظ و المهارة في الأداء والتلاوة.
ولم يقتصر دور الكتاتيب على تخريج قراء كبار، بل أسهمت أيضا بتخريج أدباء وفنانين كبار ومطربين، من بينهم أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، الذين برعوا في ترتيل القرآن قبل الغناء.
وعلى الصعيد الأدبي والفكري، تخرج من الكتاتيب كل من رفاعة الطهطاوي وأحمد شوقي وإبراهيم ناجي وعميد الأدب العربي طه حسين وأحمد شفيق كامل وعبد الرحمن الأبنودي الذي حكى عن الفترة التي قضاها في كتاب قريته.
يقول الكاتب والباحث عصام القيسي لـ"الاستقلال": "تشكلت في مصر نخبة مميزة، في كافة المجالات في الفكر والأدب والفن، منذ وقت مبكر في بداية القرن العشرين، بل قبل ذلك وتحديدا في عصر محمد علي وما تلاه من عصور".
يتابع القيسي: "بسبب قرب مصر من البحر المتوسط، كانت أول دولة غير أوروبية تستجيب للنهضة الأوربية، واستوردت ما يمكن أن نسميها عناصر الحداثة والنهضة الفكرية والأدبية، وقامت بتوظيفها فانعكست على كافة المجالات".
يضيف القيسي: "أما عن ظهورها في تلك الفترة بالذات، فارتبط ذلك بطبيعة اللحظة الزمنية نفسها، بالنسبة لإنسان خارج من الكهف، إن صح الوصف، حيث كانت استعداداته المعرفية عالية، وذهنه صافيا، ولا يوجد في الحياة ما يلهيه أو يشغله كثيرا، فملاهي الحياة حينها كانت محدودة جدا، وجاء هذا الاستعداد الذهني والروحي مع تفجر المعرفة الأصولية، فتم تلقي العلم من أصول المعرفة، وكانت تلك ذخيرة كبيرة لمن أراد أن يقوم ذائقته اللغوية والفنية".
















