ثلاثة أجنحة.. من يحكم الجزائر خلفا للرئيس المقعد؟

منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تشهد الجزائر منذ أيام حراكاً شعبيا وسياسيا واسعا، بعد إصرار النظام على ترشيح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (81 عاما) لفترة رئاسية خامسة، رغم إصابته بجلطة دماغية أقعدته عن الحركة ومنعته من الظهور إلا مرات قليلة، لم يخاطب فيها الجزائريين منذ أكثر من 6 سنوات.

ترشيح بوتفليقة جعل التساؤلات التي تحوم حوله تعود من جديد، مثل السؤال الجديد القديم في البلاد عن الحاكم الفعلي للجزائر، من الذي يدير خيوط اللعبة ويمتلك سلطة التعيين ويصنع الرؤساء أو يحيلهم على التقاعد؟

الجيش والشعب

فاجأ الشعب الجزائري المتابعين كما النظام بنزوله إلى الشارع بعشرات الآلاف لأول مرة منذ أكثر من 20 عاما، إذ استجاب الجزائريون إلى دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، وشاركوا في ما بات يعرف بـ"حراك 22 فيفري" (فبراير/ شباط)؛ رفضا لترشح بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة. تلتها مظاهرات في عدد من جامعات البلاد يوم الثلاثاء 26 فبراير/ شباط المنقضي، ثم مظاهرات يوم 1 مارس/ أذار الجاري، وُصفت بـ"الأضخم منذ سنوات".

وقدّرت مصادر أمنية جزائرية أعداد المتظاهرين الذين خرجوا في العاصمة وحدها بعشرات الآلاف، وهو التقدير نفسه الذي أورده مراسلون لوكالة "أسوشيتد برس". أما منظمو المظاهرات ووسائل إعلام جزائرية، فتحدثوا عن خروج مئات الآلاف في مختلف أنحاء الجزائر.

التحركات قوبلت بتصريحات من داخل السلطة؛ إذ قال مدير حملة بوتفليقة، عبد المالك سلال: إنّ "من حق أيٍ كان الدفاع عن أي مترشح، أو الاعتراض على أي مترشح كان، لكن الفصل يكون في الصناديق بطريقة سلمية ومتحضرة". وأكد أن أوراق ترشح بوتفليقة ستقدم رسميا يوم 3 مارس/ أذار 2019.  

من جهة أخرى، وفي أول تعليق له على الاحتجاجات وصف نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، دعوات الخروج إلى الشارع بـ"النداءات المشبوهة التي ظاهرها التغني بالديمقراطية". هذه التصريحات أثارت التساؤلات حول الدور الذي يلعبه الجيش في إدارة دفة الحكم في الجزائر.

الذراع الأيمن

لم يكن تصريح قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح مُستغرَبا، فالرجل يعتبر الذراع الأيمن للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ورجله في القوات المسلحة الجزائرية؛ الذي استطاع أن يزيح به خصومه ويثبّت أركان حكمه.

بعد وصول بوتفليقة سنة 1999 إلى قصر المرادية، وفي إطار حملته لتحييد جنرالات سنوات التسعينات، تمّت ترقية قايد صالح قائدًا لأركان الجيش الوطني الشعبي عام 2004 خلفًا للفريق محمد العماري. الذي يعتبر أحد مهندسي انقلاب الجيش سنة 1992 على المسار الانتخابي الذي أدى إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي حظرها النظام لاحقا.

هذه الثقة التي حظي بها قايد صالح؛ مكنته من الجمع بين منصبه العسكري ومنصب سياسي جديد في الحكومة الجزائرية كنائب لوزير الدفاع، أو بالأحرى نائبا لبوتفليقة الذي يدير  الوزارة بالإضافة إلى القيادة العامة للقوات المسلحة.

مصنع الرؤساء

هذا النفوذ لرئيس الأركان وسط الجيش الجزائري، وقدرته على السيطرة على مفاصل الجيش؛ جعله مرشحا للهيمنة على السلطة، تسانده في ذلك المؤسسة العسكرية التي كانت هي مصنع الرؤساء في الجزائر منذ الاستقلال.

تشارك الجزائر غيرها من الجمهوريات العسكرية في الوطن العربي، التي انتصبت مباشرة بعد الاستعمار، في طريقة الحكم والفلسفة نفسها. ويصح فيها القول المتداول الذي يصف الوضع فيها بسخرية "لكل دولة جيشها، إلا في الجزائر: للجيش دولته!". 

فالجيش الذي بلغ تعداد أفراده أكثر من نصف مليون فرد، إضافة إلى جنود الاحتياط. ويستغل 12% من ميزانية البلاد، هو سليل جيش التحرير الجزائري الذي خاض الثورة ضد الاستعمار الفرنسي وحظي بثقة قطاعات واسعة من الشعب، ليلعب بعد الاستقلال دور صانع الرؤساء. فهو الذي جاء برؤساء الجزائر إما بالتدبير والتخطيط أو بالانقلابات العسكرية.

لا تتجه الأنظار في الجزائر إلى صناديق الاقتراع بل إلى الصراعات الدائرة بين جنرالات الجيش، فمن يحكم الجيش يحكم البلاد. ويقول المعارض الجزائري والقيادي في حركة رشاد، العربي زيتوت: إن "الصراع على السلطة في الجزائر تقوده ثلاثة أجنحة هي قيادة أركان الجيش، والرئاسة، والمخابرات، وعندما يكون الرئيس قويا فإنه يُخضِع المخابرات وقيادة الأركان. وهذا ما حدث مع الرئيس الأسبق هواري بومدين. أما عندما تتحالف المخابرات وأركان القيادة فيخضع لها الرئيس. وحاليا، قيادة الأركان هي الطرف الأقوى".

جهاز المخابرات

منذ 1992، حين اتخذ الجيش الجزائري قرار وقف العملية الديمقراطية والانقلاب عليها، وأقال الرئيس الشاذلي بن جديد، وعيّن مجلسا رئاسيا انتقاليا، توسع نفوذ جهاز المخابرات الجزائري تحت قيادة الجنرال محمد مدين أو كما يعرف بالجنرال "توفيق". ولعب هذا النفوذ دورا محوريا في الحرب الأهلية التي تلت هذه الفترة، وقُتل فيها أكثر من 150 ألف شخص.

لم ينتهِ دورها عند ذلك، وتحولت تدريجيا إلى أحد أكبر أجنحة الحكم، إن لم يكن أكبرها، وصار الجنرال توفيق "الرجل الأسطورة"، صاحب السطوة الأكبر والمالك لمفاتيح إدارة الدولة، حتى بات هناك اعتقاد سائد بشكل كبير في الجزائر بأن رئيس المخابرات هو الحاكم الحقيقي للجزائر.

وبقي الجنرال توفيق هو صاحب اليد الطويلة في التعيينات والعزل حتى الولاية الثالثة للرئيس بوتفليقة. لكن هذا الدور تقلص تدريجيا بموازاة استرجاع قيادة الأركان نفوذها منذ العام 2010، وتعزز ذلك بعد حادثة الهجوم على منشأة "تيقنتورين" للغاز، في عين أميناس بداية عام 2013.  

بعد ذلك، تصاعد نفوذ المحيطين بالرئيس بوتفليقة، وفي مقدمتهم شقيقه الأصغر، السعيد بوتفليقة ومجموعة من رؤوس الأموال؛ ليأتي بيان رئيس الجمهورية بإحالة رئيس دائرة الاستعلامات والأمن الفريق محمد مدين على التقاعد.

السعيد والمليارديرات

ويقول العربي زيتوت: إن "الجنرالات ما زالوا يمسكون بزمام الأمور، بالإضافة إلى السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، إلى جانب 15 مليارديرا جزائريا صاروا يلعبون دورا كبيرا في صنع القرار. دون أن ننسى المستعمر القديم فرنسا".

هذا التوصيف يُجمع عليه العديد من المراقبين لأجنحة السلطة في الجزائر، فالأستاذ الجامعي السعيد بوتفليقة صار أحد الأرقام الصعبة في معادلة الحكم والسياسة في البلد.

ومنذ مرافقته لشقيقه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية، بصفته مستشارا برتبة وزير، اقتصر ظهوره على عدد من المناسبات فقط. ولم يحظ بمتابعة إعلامية إلى حين إصابة الرئيس بجلطة دماغية أقعدته عن الحركة؛ ليتداول اسمه كأحد حكام الظل في الجزائر.

وقال الجنرال السابق في الجيش الجزائري حسين بن حديد، في حوار مع إذاعة "المغرب إف إم" الجزائرية: إن "سعيد بوتفليقة هو الحاكم الحقيقي والوحيد في الجزائر، فهو الذي يعطي الأوامر للوزير الأول عبد المالك سلال، ولرئيس ديوان الرئاسة الجمهورية أحمد أويحيى، ونائب وزير الدفاع قايد صالح".

وأضاف أنه "هو الذي كان وراء تنحي مسؤول الاستخبارات الجزائرية الجنرال توفيق؛ بهدف فتح الطريق أمامه لتولي منصب رئيس الجزائر خلفا لأخيه عبد العزيز بوتفليقة".  

ورأى الباحث في الدراسات الأفريقية، جيرمي كينان، من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن، أن "سعيد بوتفليقة هو الذي يدير الحكومة باسم الرئيس لكنه رجل فاسد". وأضاف أنه "باستطاعة سعيد أن يخلق توافقا مع الجيش، الذي يتفشى فيه الفساد بشكل أكبر، من أجل أن يصبح القائد الجديد للجزائر".

الأستاذ البريطاني قال في تصريحه للقناة المغربية الثانية في فبراير/ شباط 2017: إن "الشارع الجزائري من غير المحتمل أن ينأى بنفسه عن هذه الظرفية السياسية، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الجزائري". 

الكلمة للشارع

إن الحراك الذي تعيشه الجزائر منذ أيام، وإن كان يكشف عن غضب شعبي واسع من تمسك النظام الجزائري بالرئيس بوتفليقة رغم وضعه الصحي، فإنه يكشف عن ارتباك لدى السلطة وعدم قدرتها على التفاعل معه.

وبهذا الخصوص، كتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن "الغموض الذي يلف دائرة الحكم بالجزائر يُبعد أي احتمال للتغيير بهذا البلد، كما أن الطريقة التي تنظم بها العملية الانتخابية تغلق الباب أمام أي فرصة للتناوب، وهذا ما دفع الناس للشارع".

وأضافت الصحيفة أن السلطات أمام خيارين، فإما أن "تلجأ لسحق الحراك الحالي والإبقاء على ترشيح بوتفليقة وكأن شيئا لم يكن"، محذرة في الوقت ذاته من أن "إسكات الجزائريين بالقوة لن يكون إلا مؤقتا". أما الخيار الثاني المحتمل فهو أن "تستمع السلطة لرسالة المتظاهرين وتأخذها في الاعتبار قبل أن يتحولوا إلى التطرف". فأي الخيارين سينهجه النظام في الجزائر؟