أزمة سياسية في تركيا إثر فشل زعيم المعارضة في لقاء مسؤول أوروبي.. ما القصة؟

منذ ٩ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثارت تصريحات أكبر أحزاب المعارضة التركية أوزغور أوزيل التي ألقاها خلال مشاركته أخيرا في اجتماع قادة حزب الاشتراكيين الأوروبيين في بروكسل، جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا داخل تركيا.

صحيفة “يني شفق” التركية من جانبها، ذكرت في مقال للكاتب التركي “بولانت أوراك أوغلو”، أن هذا الجدل تجاوز حدود الواقعة نفسها ليصل إلى تساؤلات أعمق تتعلق بخطاب المعارضة ودورها في الخارج. 

أزمة الخمس دقائق

وقال الكاتب التركي: إن رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزيل عبّر عن امتعاضه من عدم تمكنه من عقد لقاء منفرد مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا "ولو لخمس دقائق"، وعد ذلك مؤشرا سلبيا لا يتناسب مع حساسية الملفات المطروحة على جدول الأعمال. 

غير أن هذه العبارة التي صيغت على هيئة تذمّر بروتوكولي، سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية داخلية. وذلك بعدما وُظفت بصفتها دليلا على خلل في طريقة تمثيل المعارضة التركية لنفسها ولبلادها في المحافل الدولية.

وقد أسهم ردّ الرئيس رجب طيب أردوغان في تصعيد هذه الأزمة وتحويلها إلى ساحة مواجهة سياسية واضحة؛ إذ إنّ أردوغان لم يتعامل مع تصريحات أوزيل بوصفها مجرد ملاحظة دبلوماسية عابرة، بل قرأها في إطار أوسع يتعلق بصورة تركيا وهيبتها الخارجية. 

ويرى أن انتقاده الحاد انطلق من منطق أن زعيم حزب المعارضة الرئيس لا يملك ترف الظهور بمظهر الساعي وراء لقاءات قصيرة أو المتذمّر من تجاهل أوروبي، لأن مثل هذا الخطاب لا يسيء إلى صاحبه فحسب، بل ينعكس مباشرة على مكانة الدولة التركية وموقعها التفاوضي.

"منبطحة أمام الغرب"

وقد تجاوز خطاب أردوغان البعد البروتوكولي لينال جوهر الخطاب السياسي للمعارضة، حين وصفها بأنها "منبطحة أمام الغرب" مقابل تشددها وقسوتها في التعامل مع جمهورها الداخلي. 

وهذا الوصف لا يمكن فصله عن السردية التي تتبناها السلطة الحاكمة منذ سنوات، والتي ترى أن جزءا من المعارضة يسعى إلى اكتساب شرعية خارجية عبر المؤسسات الأوروبية، بدلا من بناء قاعدة شرعية داخلية قائمة على التمثيل الشعبي والقدرة على الإقناع السياسي. 

بذلك تحوّلت حادثة "الخمس دقائق" إلى مثال رمزي يُستخدم لتكريس هذا الاتهام وإعادة إنتاجه في الخطاب العام.

ولم يتمثل البعد الأكثر إشكالية في القضية في التصريح ذاته، بقدر ما تجلّى في ما تلاه من تراجع وإنكار. 

فبعد أن أعلن أوزيل استعداده للاستقالة في حال ثبت عدم تمكنه من الاجتماع حتى لخمس دقائق مع أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، تمّ إزالة مقطع الفيديو الذي تضمّن "تذمّره من عدم حصول هذا اللقاء" من صفحة موقع حزب الشعب الجمهوري بشكل متعجل. 

وهذا التصرف فتح المجال أمام تساؤلات جدية حول طبيعة إدارة الخطاب داخل الحزب. وحول ما إذا كان الأمر يتعلق برقابة داخلية تهدف إلى احتواء الضرر، أم بتقلب سياسي يعكس ارتباكا في الموقف وعدم القدرة على تحمّل تبعات التصريحات العلنية.

ويشير هذا التناقض بين القول والفعل إلى أزمة أعمق تتعلق بالمصداقية والثقة. فمحاولة أوزيل لاحقا إعادة صياغة التحدي عبر قوله: "إن أثبتَّ أنني لم أستطع الحصول على موعد من قائد أوروبي، فسأستقيل غداً"، بدت كأنها نقل للنقاش من جوهر المشكلة إلى مسألة تقنية تتعلق بالإثبات والنفي. 

ومع مرور الوقت دون أي استقالة أو توضيح حاسم، ترسّخ الانطباع بأن القضية أُديرت بعقلية دفاعية هدفها احتواء الأزمة إعلامياً، أكثر من كونها محاولة صريحة لتوضيح الموقف للرأي العام.

وتكشف هذه الواقعة عن إشكالية بنيوية في خطاب المعارضة التركية، تتعلق بكيفية تموضعها الخارجي، وحدود الخطاب الذي يمكن اعتماده في الساحة الدولية دون أن يتحول إلى عبء سياسي داخلي. 

كما تُظهر أنّ التفاصيلَ البروتوكولية الصغيرة، حين تُصاغ بلغة غير محسوبة، قد تتحول إلى أدوات صراع سياسي حاد، تُستخدم لتقويض الثقة وتشكيك الجمهور في قدرة المعارضة على تمثيل الدولة بقدر من الاتزان والمسؤولية.

أبعاد داخلية أعمق

وتزامنت أزمة "الخمس دقائق" مع تطورات قضائية حساسة داخل حزب الشعب الجمهوري، حيث قامت محكمة الاستئناف بإرجاع ملف الطعن المتعلق بالمؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب ومؤتمر فرع إسطنبول إلى محكمة الدرجة الأولى لأسباب إجرائية. 

وهذا القرار أعاد إلى الواجهة مخاوف "البطلان المطلق" داخل الحزب، وأثار حالة من القلق في مقره العام.

ورغم محاولات قيادة الحزب التقليل من أهمية القرار، والتأكيد على أنه إجرائي لا يمس جوهر شرعية القيادة الحالية، فإن تحرّك شخصيات مقرّبة من الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو قد أعطى إشارات إلى أن الصراع الداخلي لم يُحسم بعد. 

بذلك، فقد بدت صورة الحزب، باجتماع هذه التطورات القضائية مع الجدل السياسي الخارجي، وكأنه يعيش حالة من عدم الاستقرار على المستويين التنظيمي والخطابي.

وتكشف هذه الأزمة في جوهرها إشكالية أعمق، تتعلق بدور المعارضة التركية في الساحة الداخلية والدولية. 

فبينما تسعى بعض قياداتها إلى بناء علاقات وثيقة مع المؤسسات الأوروبية، وتقديم نفسها بوصفها "البديل المقبول" غربيا، تواجه انتقادات داخلية تتهمها بتغليب رضا الخارج على حساب الكرامة الوطنية. 

وتظهر قضية بروكسل مدى حساسية هذا التوازن؛ إذ يمكن لأي تصريح غير محسوب أن يتحول إلى مادة سياسية داخلية تُستخدم للتشكيك في وطنية المعارضة وخياراتها.

إذ لم تكن قضية “الخمس دقائق” مجرد خلاف بروتوكولي في بروكسل، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لأزمات متعددة داخل المعارضة التركية، بدأت من أزمة الخطاب والمصداقية إلى أزمة القيادة والاستقرار التنظيمي. 

وفي الوقت الذي استثمر فيه أردوغان هذه الواقعة لتعزيز خطابه القائم على السيادة والكرامة الوطنية، وجد حزب الشعب الجمهوري نفسه في موقع دفاعي، يحاول احتواء تداعيات سياسية وإعلامية وقضائية متزامنة.

في المحصلة، تؤكد هذه الواقعة أن السياسة الخارجية حتى في تفاصيلها البروتوكولية الصغيرة، باتت جزءا لا يتجزأ من الصراع السياسي الداخلي في تركيا. وأن أي خطأ في إدارتها يمكن أن تكون كلفته السياسية باهظة، خاصة بالنسبة لمعارضة تسعى إلى إعادة بناء ثقة الشارع بها.