"الوساطة بين تركيا وإسرائيل".. هل مازالت لدى بوتين أوراق ضغط في سوريا؟

انهيار الأسد وخروج إيران أدى لتوسيع أدوار ونفوذ كل من إسرائيل وتركيا
خلال العقد الماضي، أنفقت روسيا كميات أموال هائلة لدعم نظام بشار الأسد، لتصبح بعد انهيار الأخير مجرد "قوة إقليمية"، كما وصفها بازدراء الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
ويتساءل موقع "المونيتور" الأميركي عما إذا تبقى للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أي أوراق ضغط في الساحة السورية، بعد الإطاحة بنظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 على أيدي قوى الثورة.
وقال الموقع في تقرير له، إن الصحفي الأميركي، فريد زكريا، كتب أخيرا في صحيفة "واشنطن بوست" أن أحد دروس سقوط الأسد هو أن روسيا -الراعي الرئيس له- أضعف مما نعتقد.
وأضاف زكريا: "حتى في المنطقة المحيطة بها تدهورت علاقات روسيا مع أرمينيا -الحليف القديم الذي فشلت موسكو في الدفاع عنه- أمام الهجوم الأذربيجاني بسبب انشغالها في أوكرانيا، كما أن القوات الروسية في إفريقيا تواجه ضغوطا متزايدة من مجموعات مسلحة مختلفة".
وتابع: "تشبه روسيا في عهد بوتين الاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن العشرين، فهي لا تزال حازمة وتتدخل في شؤون دول أخرى في الخارج، إلا أن اقتصادها في الداخل ينتقل من ضعف إلى آخر".

التقارب مع ترامب
واستدرك الموقع الأميركي: “بالطبع، لم يكن أحد ليدعي قبل أو بعد سقوط الأسد أن روسيا قوية”.
وذلك بالنظر إلى ما تكبدته من خسائر جراء حرب أوكرانيا والعقوبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، إلى جانب انهيار محور المقاومة الإيراني في غزة ولبنان والآن في سوريا، وفق تعبيره.
وأوضح أن هناك في القصة ما هو أكثر من مجرد "ضعف" روسيا، فبالنسبة لبوتين، فإن تصرفاته في سوريا مرتبطة بما يأمل أن يكون بداية تغيير في العلاقات مع الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، بشأن حرب أوكرانيا وربما إيران.
وأضاف: "في سوريا، كان هناك احتمال، حتى اللحظات الأخيرة إن لم يكن الساعات، أن يلجأ الأسد إلى دمشق ومعاقل العلويين".
وتابع: "كان لدى الأسد عشرات الآلاف من القوات الموالية -غالبيتها من العلويين- الذين كان بإمكانهم مواجهة القوات السنية، بقيادة هيئة تحرير الشام، التي سيطرت على دمشق".
وأوضح أن "القرار بشأن اتخاذ موقف لم يكن في النهاية أو بشكل حصري بيد الأسد أو إيران التي كانت منذ أيام تركض نحو الباب في سوريا.
بل إن مدار الأمر في المعركة الدموية الأخيرة هو القوة الجوية الروسية، وكان ذلك قرار بوتين شخصيا، بحسب تقديره.
وأشار إلى أن "بوتين تمسك بقراره حتى اللحظات الأخيرة الحرجة، ثم أخبر الأسد أن الطائرات الروسية ستظل رابضة، باستثناء تلك التي ستنقله إلى موسكو، وأن اللعبة قد انتهت".

"ليس هزيمة"
ويرى "المونيتور" أن قرار بوتين بعدم التدخل كان "مزيجا من الواقعية والضعف"، وهو عكس ما يراه الرئيس الروسي.
وقال بوتين في 19 ديسمبر إن الإطاحة بالأسد، ليس "هزيمة" لموسكو، مبينا خلال مؤتمره الصحفي السنوي الكبير: "لقد جئنا إلى سوريا قبل 10 سنوات لمنع إنشاء جيب إرهابي فيها، كما في أفغانستان. وبصورة عامة، حققنا هدفنا".
وواصل المونيتور: "صحيح أن الوضع لم يكن كما في عام 2015 عندما أنقذ التدخل الروسي النظام السوري من الهزيمة والانهيار أمام الثوار، فالوقت تغير، والظرف تبدل، وبالتالي القرار اختلف".
وأضاف أن "بوتين عندما اتخذ قراره بشأن الأسد، كانت عيناه على ترامب، فربما كان يأمل أن يُنظر إلى تحركه كإشارة حسن نية للمستقبل، وأن يُظهر من خلاله ما يمكنه فعله بمكالمة أو اثنتين، فقد جعل سوريا أقل فوضوية للإدارة الأميركية القادمة".
ونوه إلى أن "انهيار نظام الأسد وخروج إيران أدى إلى توسيع أدوار ونفوذ كل من إسرائيل وتركيا، اللتين تعملان على تعزيز مواقعهما في البلاد".
وأكد أن "الأمور تعتمد على ما سيحدث لاحقا، حيث قد تظل روسيا جزءا من المشهد، ويبدو أن بوتين يريد أن يُبقي خياراته مفتوحة".
وتابع: "بينما يخفف بوتين من وجود قواته في القاعدة الجوية، فقد يحتفظ بالقاعدة البحرية والميناء (في طرطوس) كورقة لعب لما هو قادم، أو قد يتركهما أيضا، في إطار تعامله مع إدارة ترامب".
وفيما يتعلق بمصير القاعدتين العسكريتين الروسيتين (حميميم الجوية وطرطوس البحرية)، قال بوتين خلال المؤتمر السنوي: "اقترحنا أن يستخدم شركاؤنا قاعدتنا الجوية في سوريا لأغراض إنسانية، وكذلك القاعدة البحرية"، مضيفا: "علينا أن نبحث ما إذا كنا سنحتفظ بهما".

تركيا وإسرائيل
وأخيرا، عرض زعيم هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) على بوتين فرصة لبناء علاقات جديدة.
وقال المونيتور إن "الجولاني يسعى لتجنب الصراع مع إسرائيل، التي دمرت جميع القواعد العسكرية والمعدات التي كانت تحت سيطرة الأسد وهو يتطلع إلى تعزيز علاقات طويلة الأمد مع الدروز والأكراد في سوريا".
وأفاد بأن "خروج الأسد وإيران وحزب الله من سوريا كان خبرا جيدا لإسرائيل، لكن صعود هيئة تحرير الشام يعد مصدر قلق، رغم الكلمات المشجعة التي قالها الجولاني حتى الآن بشأن رغبته في الهدوء مع (تل أبيب) ودعم التسامح مع الأقليات داخل البلاد".
لكن الأيام القليلة الماضية تخبرنا أن القيادة الإسرائيلية أقل ثقة في تحول الجولاني، مقارنة ببعض القادة في الغرب.
وشدد المونيتور على أن "إسرائيل لا توقف نشاطها في سوريا، بل تغير مسارها سريعا، موسعة دائرة نفوذها لكبح جماح هيئة تحرير الشام، أو منع عودة أي قوة معادية محتملة إلى دمشق".
وأضاف أن "تحالف إسرائيل المتوقع مع التنظيمات الكردية يشكل خبرا سيئا بشكل خاص لِمَن يدعم الجولاني، وهو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان".
ورأى أن "هدف أردوغان هو سحق أي آمال للحكم الذاتي الكردي، حيث تحركت قواته بالوكالة في سوريا ضد التنظيمات الكردية بالتنسيق مع سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق".
ويأمل أردوغان في أن يتخلى ترامب عن التنظيمات الكردية، لكن هذا غير مؤكد، إذ إن نهج إسرائيل يُعد بمثابة كابح لطموحات الرئيس التركي.
وأكد أن "كل هذا يشكل سببا آخر لعدم حرق أردوغان والجولاني للجسور مع بوتين، الذي قد يضع نفسه في نهاية المطاف كوسيط فعال بين الرئيس التركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو بشأن سوريا، كما كان في الماضي".
وختم قائلا: "لقد فقد بوتين مصداقيته وواجه إحراجا في كييف، ومن خلال تأمين مغادرة الأسد بسلام، استعاد جزءا من تلك المصداقية، ومعها ربما مقعدا على طاولة التفاوض في القضايا الكبرى المتعلقة بأوكرانيا وإيران، مع ما تحمله من رهانات وعواقب أكبر".
















