الجزر الثلاث على طاولة الكبار.. كيف رجّحت الصين كفة الإمارات؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لا تُعد مطالبة الإمارات بالجزر الثلاث في الخليج العربي المتنازع عليها مع إيران قضية جديدة؛ إلا أن ما زاد من أهمية هذه القضية في السنوات الأخيرة هو اتساع نطاق الدعم الدولي لهذه المطالبات وتنوعه.

فعلى مدى العامين الماضيين اتخذت جهات عديدة، من الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي إلى روسيا والصين، مواقف تشير إلى أن قضية الجزر تتجه تدريجيا من كونها نزاعا ثنائيا إلى مستوى أوسع من التفاعلات السياسية والخطابية.

وفي هذا السياق، يكتسب الموقف الأخير للصين أهمية مضاعفة، ففي بيان صدر عقب لقاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع نظيره الإماراتي في أبوظبي يومي 12 و13 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أكدت بكين مجددا دعمها لـ"الجهود السلمية للإمارات لحل قضية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى عبر الحوار الثنائي".

ويرى  موقع "الدبلوماسية الإيرانية" أن "هذا الموقف يأتي امتدادا للتفاهمات التي نتجت عن لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ مع نظيره الإماراتي محمد بن زايد في مايو/ أيار 2024؛ حيث دعمت بكين، بالتوازي مع تأكيدها على تطوير التعاون الثنائي، رواية الإمارات بشأن (الحل السلمي للخلاف) حول الجزر الثلاث".

في المقابل، شددت الإمارات مجددا على مبدأ "الصين الواحدة" ورفضت أي تدخل خارجي في قضية تايوان؛ ما عدَّه الموقع عملية "تبادل سياسي يتجاوز بوضوح مجرد إعلان موقف رمزي".

وتعقيبا على موقف بكين، يرى الموقع أن "أهمية هذه العملية لا تكمن في محتوى البيانات فحسب، بل في دورها في إعادة تعريف قضية الجزر تدريجيا، وهي عملية يمكن عدّ تغيير السرد فيها بمثابة مقدمة لتغيير الواقع".

قوة السرد

وتطرق التقرير للحديث عن أهمية "قوة السرد في حل النزاعات المختلفة"، وقال: "في الجغرافيا السياسية المعاصرة، لا تحل النزاعات ببساطة في ساحات المعارك العسكرية أو خلف طاولات القضاء، بل تُصاغ مسبقًا في عالم السرديات".

وتابع: "تشير (قوة السرد) إلى قدرة الفاعل على تحديد القضية، ووضع أطر فهمها، وفرض خطاب مهيمن على الرأي العام والمؤسسات الدولية".

في هذا السياق، يعتقد التقرير أن يحظى الطرف القادر على تقديم نفسه كفاعل مسؤول ومحب للسلام وعقلاني بالأفضلية في عملية حل النزاع، حتى قبل اتخاذ أي قرار رسمي".

واستشهد التقرير بـ "تجارب النزاعات المختلفة في النظام الدولي التي تظهر أن تغيير الخطاب غالبا ما يسبق تغيير الواقع".

وقال: "فمن الأزمة الأوكرانية إلى نزاعات بحر الصين الجنوبي، سعت الأطراف الفاعلة الرئيسة إلى ترسيخ خطابها المفضل في صورة مفاهيم مثل (الشرعية) و(الاستقرار الإقليمي) و(التسوية السلمية للنزاعات) قبل اللجوء إلى الأدوات القانونية أو الميدانية".

وأردف: "هذه المفاهيم، رغم حيادها الظاهري، قد تُعيد في الواقع تعريف مواقف أطراف النزاع بطريقة غير متكافئة".

ويقدر أن "المنطق نفسه يتجلى بوضوح في حالة الجزر الإيرانية الثلاث، فتركيز الإمارات على ضرورة (الحوار) و(الحل السلمي للنزاع) دون الإشارة إلى الخلفية القانونية والتاريخية للقضية، يؤدي تدريجيا إلى ترسيخ تصورين أساسيين".

"أولا، أن الأمر يتعلق بخلاف غير محسوم بين طرفين متكافئين، وثانيا، أن الإمارات هي الطرف الذي يظهر في موقع الفاعل السلمي والمنفتح على الحوار، وليس إيران". وفق تحليله.

وشدد التقرير على أن "هذا التصوير ليس مجرد اختيار لغوي عابر، بل هو جزء من عملية تسييس الخطاب، وهي عملية قد تترتب عليها عواقب قانونية ودبلوماسية ملموسة في المراحل اللاحقة".

وبهذا، "تعد قضية الجزر الإيرانية الثلاث مثالا ملموسا على آلية (قوة السرد) نفسها التي تلعب دورا حاسما في الجغرافيا السياسية المعاصرة"، يقول التقرير.

وتابع: "فعندما يُقدّم فاعل أجنبي نفسه بموقف سلمي وعقلاني، مشددا على الحوار والحل السلمي للنزاع، فإنه بذلك يُرسي عمليا إطارا لفهم المشكلة قبل أي إجراء قانوني أو ميداني".

عالي المخاطر

وتناول الموقع علاقة الجزر الثلاث المتنازع عليها بسياسة الصين الخارجية قائلا: "مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السلطة، بدأت مرحلة جديدة في تحولات السياسات الداخلية والخارجية".

وأضاف: "في هذا التصور، يرتبط حل المشكلات الداخلية وتلبية الاحتياجات الوطنية بإقامة علاقات آمنة ومستقرة، قائمة على المصالح الوطنية مع الدول الأخرى".

واستطرد: "علاقات لا تقوم على الأيديولوجيا أو الشعارات، بل على الشفافية والمعاملات التجارية والمخاطر المنخفضة والربحية".

في هذا الإطار، يرى الموقع أن "بوصلة السياسة الخارجية لبكين تتحرك دائما نحو الحفاظ على الوضع القائم وتجنب التوترات في مناطقها الآمنة".

وبحسبه، "يُعد الدور الصيني في الوساطة بين إيران والسعودية نموذجا واضحا لهذا التوجه؛ إذ أسهمت هذه الوساطة، انطلاقا من الرؤية الصينية، في توفير بيئة آمنة لمصالح الطاقة وتعزيز الاستقرار السياسي والإقليمي".

وتابع: "وبينما فسرت إيران هذه الخطوة على أنها مبادرة أخوية قائمة على حسن النية، فإن الصين وضعت جوهرها في تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية وضمان أمن الطاقة".

ويعتقد الموقع أن "هذه السياسة الخارجية القائمة على إدارة المخاطر وتقليل التوترات تتجلى في علاقات الصين مع جميع الدول".

وأردف: "فبكين أثبتت مرارا أن الأيديولوجيا أو مفاهيم مثل (العالم متعدد الأقطاب) أو (مناهضة الهيمنة) لا تشكل ركائز حاسمة في سياستها الخارجية، ولا الشعارات النظرية، بل هي تعمل مع الجميع".

واستطرد: "فالصين تتعامل مع الجميع، وما يهمها بالدرجة الأولى هو أمن واستقرار التجارة، وسلاسة سلاسل إمداد الطاقة، والشفافية، وقابلية التنبؤ الاقتصادي".

"من هذا المنطلق، تبدو الشراكة الإستراتيجية من دون استقرار اقتصادي مفهوما فارغا في الرؤية الصينية، ولذلك تميل بكين، في النزاعات التي قد تضر بسلسلة مصالحها التجارية، إلى الانحياز للطرف الأقل مخاطرة". وفق الموقع.

في هذا السياق، يُفسر التقرير الدعم الصيني الأخير للأطروحة الإماراتية.

فوفقا له، "ترى بكين أن إيران تمثل فاعلا عالي المخاطر ومرتفع الكلفة وأقل شفافية، وأضعف من حيث قابلية التنبؤ، في حين تظهر الإمارات، من خلال إبراز خطاب الحوار والحل السلمي للخلافات، بوصفها خيارا أقل مخاطرة وأكثر إسهاما في الاستقرار".

وبالتالي، خلص الموقع إلى أن "مواقف الصين في المنطقة، لا سيما دعمها للإمارات، ليست مجرد خطوة سياسية منفردة، بل جزء من سياسة خارجية قائمة على الاستقرار والقدرة على التنبؤ وإدارة المخاطر".

واسترسل: "هذا النهج يوضح كيف يقوم الفاعلون الدوليون الكبار بتقييم المخاطر والفرص، وصياغة السرديات، وتهيئة الظروف لتفعيلها عمليا".

تقييم المخاطر

ولفت إلى أن هناك "نقطة عملية أخرى تؤكد هذا التحليل، من خلال مقارنة مقاربة الصين لقضية تايوان بموقفها من ملف الجزر الثلاث".

وتابع موضحا: "فتايوان، من الناحية العملية، كيان مستقل، إلا أن الصين لا تزال، استنادا إلى روايتها التاريخية ومبدأ (الصين الواحدة)، تطالب بها".

واستدرك: "غير أن بكين، في ملف الجزر الثلاث، تسير في اتجاه معاكس لمنطقها التاريخي والإقليمي في قضية تايوان؛ إذ تدعم الموقف الإماراتي، باحثة عن الفاعل الأقل مخاطرة والأكثر إسهاما في الاستقرار".

وبحسب الموقع، "تكشف هذه المقارنة أن السياسة الخارجية الصينية تُعطي الأولوية للأمن والاستقرار الاقتصادي، والقدرة على التنبؤ، وإدارة المخاطر، وليس فقط للمبادئ والتحالفات التاريخية أو الأيديولوجية".

وأضاف أنه "بالنسبة لإيران، يُمكن أن يكون هذا الدرس دليلا للتركيز على إرساء سيطرة عملية، ورواية قانونية، ووجود فعلي في الجزر الثلاث، لتعزيز موقف البلاد في مواجهة الضغوط الخارجية".

وحول موقع إيران والإمارات في ميزان مصالح الصين، قال الموقع: "من منظور بكين، فإن تقييم المخاطر والاستقرار الاقتصادي في العلاقات الإقليمية يمثل الأولوية القصوى".

أما إيران، فيعتقد أنه "بعلاقاتها المتوترة مع الجيران، وتهديداتها المحتملة ضد إسرائيل والقواعد الأميركية، والعقوبات الدولية، والتعاملات الاقتصادية المكلفة، تعد لاعبا عالي المخاطر وأقل قابلية للتوقع".

في المقابل، قدّر الموقع أن "الإمارات نجحت في خلق بيئة اقتصادية آمنة ومستقرة، وتحولت إلى مركز تجاري واقتصادي إقليمي".

واستطرد: "فوجود العديد من التجار من جنسيات مختلفة، والشركات الكبرى، والمستثمرين الكبار هو ما تبحث عنه بكين تحديدا".

واسترسل: "جعلت هذه الظروف من الإمارات خيارا منخفض المخاطر وجذابا للسياسة الخارجية الصينية، فهي جهة فاعلة تضمن مصالح بكين الاقتصادية، وفي الوقت نفسه بعيدة عن التوترات الإقليمية".

وهكذا، خلص الموقع إلى أنه “في ميزان مصالح الصين، لا يتم ترجيح إيران والإمارات على أساس التقارب أو البعد الأيديولوجي فحسب، بل أيضا على أساس مستوى المخاطر والاستقرار الاقتصادي وإمكانية التنبؤ”.

وهو، وفقا له، "اتجاه يوضح مرة أخرى كيف يمكن لقوة السرد وتحليل المخاطر في السياسة الخارجية الصينية أن تحدد مسار التطورات الإقليمية وتمثيل الجهات الفاعلة في الساحة الدولية".

خطوات عملية

من الناحية القانونية، أشار الموقع إلى أنه "رغم أن المحاكم الدولية عادة ما تفتقر إلى صلاحية البتّ في النزاعات الإقليمية، فإن إصرار الإمارات على سرديتها وقبول هذه السردية من قِبل قوى كبرى قد يفضي إلى آليات سياسية دولية مثل الإدانة وقطع العلاقات والضغوط الدبلوماسية، أو حتى العقوبات".

وفي هذا الصدد، يرى أن "دعم مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين للرواية الإماراتية يشكل ضغطا على إيران، ويسهم في إعادة بناء أو ترسيخ نزاع يعود تاريخه إلى عام 1903، أي قبل قيام دولة الإمارات، والذي كرسته بريطانيا في المنطقة".

واستطرد: “يُظهر هذا الوضع أنه في العصر الجيوسياسي للسرديات، لن تكون الأدوات القانونية وحدها قادرة على تعزيز موقف إيران دون مواجهة مجال السرد والتمثيل؛ بل هناك حاجة إلى تدابير عملية، وإنشاء سرديات قانونية قوية، وحضور فعال في الآليات الدبلوماسية والإعلامية”.

"يُظهر هذا الوضع أنه في العصر الجيوسياسي للسرديات، لن تكون أدوات القانون وحدها، من دون مواجهة ميدان السرد وإعادة التمثيل، كافية لتعزيز موقف إيران"، يقول التقرير.

مع ذلك، يرى الموقع الفارسي أن "التجارب العالمية تُظهر أن السيطرة العملية والفعّالة على الأراضي، إلى جانب سردية قانونية وتاريخية، تُعد من أنجع الأدوات لترسيخ السيادة".

وذكر أنه "من الأمثلة الواضحة على ذلك، احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وضمها".

وأوضح مقصده: "فمن خلال الاستشهاد بالسردية التاريخية والأهمية الجيوسياسية للقرم، عزز الروس سيطرتهم الفعلية رغم المعارضة الدولية والعقوبات".

ويعتقد أن "هذه الحالة تقدم درسا مهما لإيران مفاده أن الاكتفاء بإعلان المواقف، دون حضور عملي كافٍ، لا يضمن الأمن والسيادة في مواجهة سرديات مدعومة من قوى خارجية".

بناء عليه، يوصي الموقع إيران باتخاذ التدابير التالية لتحقيق الاستقرار في موقفها من خلال تبني إستراتيجية شاملة ومتعددة الأوجه.

وأول هذه الخطوات تُعنى بجانب "القانون الدولي والسيطرة الفعلية"؛ إذ أكد الموقع على أن "مبدأ الفعالية يبين أن الدولة التي تتمتع بسيادة فعلية ومستمرة على الإقليم لديها فرصة أفضل لإثبات حقها".

ولفت إلى أن هذا هو ما تفعله طهران على أرض الواقع، "فقد مارست إيران سيطرة فعلية على الجزر منذ عام 1971، وتؤكد الوثائق التاريخية والخرائط القديمة هذا الادعاء".

إلى جانب هذا، شدد الموقع على أن "أهمية التنمية الداخلية والحضور الشعبي"، قائلا: "تطوير البنية التحتية، وخلق فرص اقتصادية، وتوسيع الخدمات العامة، وزيادة عدد السكان، إضافة إلى تفعيل الموانئ والمطارات والمشاريع السياحية؛ من شأنه تعزيز الحضور المدني وغير العسكري لإيران، وترسيخ سيطرتها العملية على الجزر".

ثالثا، أبرز أهمية "الدبلوماسية الإقليمية والدولية"؛ حيث يرى أنه "يمكن لإيران تبني مقاربة مزدوجة، تقوم، من جهة، على التأكيد أن مبدأ السيادة غير قابل للتفاوض، ومن جهة أخرى، على إدارة الخلافات غير السيادية".

الأمر الذي يقدر أنه "سيسهم في خفض التوتر وتعزيز موقعها الدولي، بما في ذلك الاستفادة من مؤسسات دولية مثل اليونسكو لتسجيل التراث الطبيعي".

بالإضافة إلى ما سبق، يولى الموقع أهمية كبرى لدور وسائل الإعلام وحرب السرديات؛ إذ أكد على ضرورة "إنتاج محتوى متعدد اللغات، ونشر أفلام وثائقية ومقالات في مراكز أبحاث وجامعات مرموقة، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال الرسالة مباشرة إلى الرأي العام الإقليمي والدولي".

واختتم حديثه قائلا: "في نهاية المطاف، ورغم أن الجزر الثلاث تخضع اليوم لسيطرة فعلية من جانب إيران، فإن تثبيت هذا الموقع يتطلب إستراتيجية شاملة تجمع بين الأدوات القانونية، والتنموية، والدبلوماسية، والإعلامية، مع الاستفادة من دروس التجارب الدولية مثل حالة القرم".

واستطرد: "وبهذا النهج فقط، يمكن لإيران أن تعزز موقعها في هذا الملف القديم، وأن تدير بشكل أكثر فاعلية محاولات إعادة تعريف السرديات والضغوط الخارجية المرتبطة به".