تغازل إسرائيل وتحتضن إيران.. كيف يمكن قراءة سياسات الصين المزدوجة؟

"الصين تفضل الرهان على المنتصر"
تحت عنوان "مغازلة هادئة على الأرض، وهجوم علني في بكين.. لعبة الصين المزدوجة تجاه إسرائيل"، سلطت القناة 12 الإسرائيلية الضوء على تطور الموقف الصيني تجاه الكيان خلال الآونة الأخيرة.
وترى القناة أنه بينما تحافظ الصين على موقف نقدي تجاه إسرائيل على الساحة الدولية، في إطار تمييز نفسها عن أميركا، فإنها على أرض الواقع تخفف من حدة التوتر.
وتهدف هذه المقاربة، بحسب القناة، إلى الاستفادة من القدرات الإسرائيلية دون دفع الكلفة السياسية المترتبة على علاقات مفتوحة، مع الاستمرار في الظهور كأنها تحتضن إيران في الوقت نفسه.
تناقض صارخ
استهلت القناة تقريرها بالقول: "تبدو المواقف الصينية الراهنة تجاه إسرائيل متناقضة فقط إذا افترضنا أن السياسة الخارجية يجب أن تتحدث بصوت واحد".
وأضافت: "في الواقع، تعتمد بكين بصورة متزايدة نهجا مزدوج الطبقات: مغازلة هادئة ومحسوبة لإسرائيل ميدانيا، مقابل موقف ٱستراتيجي نقدي ومتباعد يُعبّر عنه في العاصمة الصينية".
وتابعت: "إنها مقاربة مدروسة تهدف إلى تعظيم المكاسب على الجانبين".
وفي هذا السياق، لفتت القناة إلى أنه في النظام السياسي الصيني نادرا ما تُعلن التحولات الجوهرية عبر بيانات رسمية مباشرة، إذ لا تصدر إشعارات إعلامية تعلن بدء أو انتهاء حملة انتقادية ضد دولة أجنبية.
وأوضحت: "بدلا من ذلك، يُستدل على تغير السياسات من خلال مؤشرات غير مباشرة، مثل نبرة الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، وصياغة التصريحات الرسمية، وأسلوب عمل السفارات، ومدى إتاحة الوصول الرسمي داخل الصين، بما في ذلك استمرار أو تعليق أشكال الانخراط المؤسسي المنظم".
وبحسب هذا المعيار، لاحظت القناة أن "شيئا ما قد تغير بالفعل خلال الأسابيع الأخيرة".
وتناولت القناة هذا التحول من خلال رصد تغير نبرة الخطاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وطوال معظم عام 2024، امتلأت هذه المنصات بخطاب معاد لإسرائيل اتسم بشحنة عالية، وصل أحيانا إلى تبني صور نمطية معادية للسامية بشكل صريح، وفق وصفها.
وأضافت أن هذه البيئة لم تكن عفوية، بل عكست في أسوأ الأحوال جهدا منظما لتغذية الفضاء الرقمي الصيني بصور سلبية تؤثر في الرأي العام.
وفي أفضل الأحوال سياسة عدم تدخل سمحت بترسيخ سردية تنسجم مع تموضع الصين الأوسع في مواجهة الولايات المتحدة والنظام الغربي، في مرحلة اتسمت باستقطاب عالمي حاد.
غير أنها استدركت بالقول إن عام 2025 شهد، على ما يبدو، تراجعا ملحوظا وحادا في مستوى هذا الخطاب.

“الرهان على المنتصر”
تقول كاريس ويتي، الرئيسة التنفيذية ومؤسسة مجموعة سيجنال المتخصصة في العلاقات الإسرائيلية الصينية، إن هذا التراجع لا يعني أن الخطاب الصيني أصبح مؤيدا لإسرائيل.
وتضيف: "لكن يمكن ملاحظة أن حدة الخطاب تراجعت، وأصبح أقل استمرارية، وأقل تعبئة، وأكثر تشتتا".
وتشير ويتي إلى أن هذا التغير برز خلال محطات مثل الحرب بين إسرائيل وإيران، حيث تضمنت ردود الفعل على منصات التواصل الصينية قدرا من التشكيك تجاه إيران، بدلا من الاصطفاف التلقائي ضد إسرائيل.
وفي السياق نفسه، ترى أن أداء السفارة الصينية في إسرائيل بات أكثر توازنا، بل وأحيانا أكثر دفئا في تعاطيه مع الجانب الإسرائيلي.
وتعزو هذا التحول إلى حسابات إستراتيجية بحتة، موضحة أن بكين تبني سياساتها على النتائج التي تجنيها.
وتنقل ويتي عن ضابط عسكري صيني متقاعد قوله: "الصين تفضل الرهان على المنتصر".
وبحسب قراءتها، ترى بكين أن إسرائيل خرجت من المواجهة في غزة، ولاحقا من الحرب مع إيران، بوصفها الطرف المنتصر عسكريا واستخباراتيا، بعد ترميم قوة الردع وكشف قدرات اختراق متقدمة.
وتضيف أن الصين تميل إلى تعديل سلوكها تجاه المنتصرين بما يسمح لها بالاستفادة من نتائج ذلك الانتصار أو ضمان موطئ قدم فيه.
وتستشهد في هذا السياق بالملف السوري، حيث بدأت بكين إعادة تقييم موقفها عندما بدا أن أحمد الشرع يرسخ موقعه، رغم تحفظاتها السابقة المرتبطة بملف الإيغور.

مغازلة نفعية
ترى القناة أن ما يجرى يندرج ضمن "مغازلة هادئة" تمارسها بكين تجاه إسرائيل، تقوم على مقاربة براغماتية متعمدة في هدوئها، وقابلة للإنكار عند الحاجة، وتركز على المصالح الاقتصادية والعملية.
في المقابل، لا يزال الخطاب الصيني العلني تجاه إسرائيل يحمل طابعا نقديا، إذ تستمر التصريحات الرسمية في الدعوة إلى ضبط النفس، ويحافظ الإعلام الرسمي على نبرة سلبية واضحة، مع إبراز مسافة أخلاقية عن استخدام القوة العسكرية، في إطار التمايز عن الولايات المتحدة.
وترى ويتي أن هذا النهج يخدم عدة أهداف، من بينها تقديم الصين نفسها كبديل عالمي محتمل، وبناء رصيد سياسي في دول الجنوب العالمي التي تحتفظ بمواقف نقدية تجاه إسرائيل.
وفي هذا الإطار، تشير القناة إلى أن الاستثمارات والمصالح الصينية في إسرائيل لم تتضرر، لا بفعل الحروب الأخيرة ولا بسبب الخطاب السياسي، مستشهدة باستمرار عمل ميناء حيفا الذي تديره شركة ميناء شنغهاي الدولي، إلى جانب شركات مثل برايت فود المالكة لتنوفا، وشيم تشاينا المالكة لأداما.
في المقابل، ترى ويتي أن استمرار دعم الصين لإيران ينسجم مع هذا الإطار الأوسع، إذ لا تنظر بكين إلى طهران بوصفها منتصرا عسكريا، بل كأداة ذات منفعة إستراتيجية، نظرا لدورها في استنزاف الولايات المتحدة وتعقيد إستراتيجيتها في المنطقة.
وتخلص إلى أن ما يبدو تناقضا في السياسة الصينية هو في الواقع سياسة متعددة الطبقات: على الأرض، تقليل الاحتكاك مع إسرائيل والحفاظ على قنوات الوصول؛ وعلى مستوى الرسائل العالمية، الحفاظ على خطاب نقدي يميز الصين عن واشنطن.
وتحذر من أن أكبر خطأ قد ترتكبه إسرائيل هو الخلط بين اعتدال النبرة ودفء الموقف، مؤكدة أن الموقف الصيني لا يعكس مصالحة، بل غموضا محسوبا يخدم إستراتيجية أوسع متعددة المسارات.















