عبر ورقة الغاز.. هل تُقايض الجزائر ماكرون بالغاز مقابل موقفه من المغرب؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تعصف بأوروبا أزمة نقص الغاز مع احتدام الصراع في الشرق الأوسط وتوقف حركة مرور الغاز المسال من قطر إلى القارة العجوز.

في المقابل، تلوح في الأفق بوادر انفراج في العلاقات الجزائرية-الفرنسية، بعد نحو عامين من اندلاع الأزمة الدبلوماسية الحادة بين الدولة الشمال إفريقية وقوتها الاستعمارية السابقة.

وقد يعود السفير، ستيفان روماتيه، قريبا لقيادة البعثة الدبلوماسية الفرنسية في الجزائر؛ إذ اتخذ البلدان خطوات ملموسة على الصعيد الدبلوماسي، بحسب "المجلس الأطلسي" الأميركي.

تخفيف الخيانة

واستدرك المعهد: "غير أن الجزائر تفتقر إلى إستراتيجية سياسية حقيقية لإعادة تعريف علاقتها مع فرنسا، مما يُهدد بأن تفقد اللحظة المواتية زخمها، ويعود البلدان إلى الجمود من جديد".

وخلال الأشهر الأخيرة، خففت الجزائر مواقفها من القضايا المتعلقة بالماضي الاستعماري. ففي 9 مارس/آذار، أقرّ البرلمان الجزائري قانونا معدَّلا يدين الاستعمار الفرنسي، بعد حذف البنود التي كانت تطالب فرنسا بتقديم اعتذارات رسمية وتعويضات شاملة.

فقد احتفظ القانون الجديد بتجريم الاستعمار الفرنسي الممتد من 1830 إلى 1962، وأقر عقوبات بالسجن، تتراوح بين 3 و10 سنوات، لكل من "يمجّد الحقبة الاستعمارية" في الإعلام أو الأوساط الأكاديمية، وأبقى على تعويضات ضحايا التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.

غير أنه حذف مطالبة فرنسا بـ "اعتذار رسمي" و"تعويضات شاملة". علاوة على ذلك، خفف القانون توصيف التعاون الحركي مع الجيش الفرنسي من "خيانة عظمى" إلى "خيانة".

وكان مجلس الأمة الجزائري قد طالب بحذف هذه البنود، مقدرا أنها لا تعكس التوجه الرسمي للرئيس عبد المجيد تبون. وبحسب المجلس، فقد أسهم القانون المعدَّل في تخفيف حدة الخلاف المزمن مع فرنسا، ولو جزئيا.

وفي سياق متصل، استأنف البلدان خلال هذه الأشهر التواصل على أعلى المستويات؛ إذ زار وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، الجزائر في فبراير/شباط في زيارة استغرقت يومين، مما أعاد فتح قنوات الاتصال مع الحكومة الجزائرية في إطار التعاون الأمني.

وفي 15 مارس/آذار، أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، ونظيره الفرنسي جان-نويل بارو محادثة هاتفية ودية بعد نحو عام من انقطاع التواصل.

وقال الوزير الفرنسي: إن استئناف الحوار بين الجزائر وفرنسا "يؤتي ثماره في مجالي الهجرة والأمن"، بعد عدة أشهر من التوترات الشديدة.

وفي حديث أدلى به لوكالة "فرانس برس"، شدد بارو على أن العلاقات مع الجزائر تشهد تحسنا ملحوظا منذ زيارة نونيز، حيث حظي باستقبال خاص من الرئيس تبون.

وعند سؤاله عن مؤشرات إيجابية عقب استئناف التواصل بين البلدين، أوضح بارو أن استئناف "حوار مهم بشأن الهجرة والأمن" بدأ يحقق نتائج ملموسة، وفق ما نقلته الوكالة. وأضاف أن "المؤشرات الأولية بدأت تتأكد وتتطور" منذ تلك الزيارة الأخيرة.

وفي السياق ذاته، أشار إلى تسجيل تقدم في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب، فضلا عن قضايا ترحيل المواطنين.

مسألة حساسة

وبحسب المجلس الأطلسي، فإن "هذه المؤشرات الإيجابية تدل على تراجع حدة الأزمة التي اندلعت حين أعلنت فرنسا دعمها للاعتراف بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر".

وقد أعادت الجزائر تأطير هذه الخطوة في سياق المظالم المرتبطة بالحقبة الاستعمارية الفرنسية، وهي مسألة لا تزال حساسة ولم تُحسم قط.

وكانت فرنسا قد استدعت سفيرها خلال الأزمة، لذا يُمثّل الإعلان عن عودته إلى الجزائر إشارة إيجابية تفتح الباب أمام حوار ثنائي أكثر توازنا وبناءً، لا سيما في ضوء الثقل الذي تحتله فرنسا في الاقتصاد الجزائري.

وتابع التقرير: "بيد أن انفتاح تبون ربما يظل رمزيا لا غير، ما لم يستند إلى مراجعة أعمق وأكثر حسما للعلاقة الثنائية، التي لا تزال مثقلة بتباين مواقف المؤسسات الجزائرية تجاه القوة الاستعمارية السابقة".

"ولم تُرافق الجزائرُ تقدمها الدبلوماسي الأخير بإستراتيجية سياسية متماسكة، مما يجعل العلاقة مع فرنسا عرضة للانتكاس نحو الجمود والضبابية من جديد"، بحسب تحذير المجلس.

وأردف: "يزيد من تعقيد العلاقات الجزائرية الفرنسية الطابعُ المتقلب للتحالفات الإقليمية، المتأثرة بشدة بإدارة [الرئيس الأميركي، دونالد] ترامب والسياسات الإسرائيلية التي تتزايد حدة تجاه غزة وإيران".

وترصد الجزائر عن كثب الاحتكاك المتنامي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لاعتقادها بأن السياسة الخارجية الفرنسية تتضمن عناصر من التوافق مع المواقف الجزائرية.

دوافع التقارب

ولا يقل أهمية عن ذلك أزمة الطاقة الناشئة، التي تفتح آفاقا لتعاون أوسع مع الدول الأوروبية وفرنسا، إذ يمكن للجزائر أن تضطلع بدور محوري في مساعدة كبرى الدول الأوروبية على تنويع مصادر إمدادات النفط والغاز.

وتشارك الجزائر بفاعلية في تطوير خط أنابيب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالبحر الأبيض المتوسط ​​عبر النيجر، والذي من شأنه أن يسهم بشكل كبير في تلبية الطلب الأوروبي على الطاقة، شريطة أن يتمكن المشروع من تمويل تكاليف تطويره الباهظة وتعزيز الأمن في منطقة الساحل.

ويمكن للجزائر أن تستغل فرصة خط الأنابيب لتوطيد علاقاتها الاقتصادية مع فرنسا، إلا أن بعض النخب الجزائرية قد تشترط هذه الشراكة بمراجعة فرنسا لموقفها من الصحراء الغربية، مما قد يؤدي إلى توقف العلاقات بين البلدين بشكل مفاجئ، وفق التقرير.

إضافةً إلى ذلك، قد تُشكّل جهود الجزائر المتواصلة لاستعادة نفوذها الإقليمي في منطقة الساحل عاملا حاسما في إعادة إطلاق العلاقات الجزائرية الفرنسية، لا سيما في ظل العلاقات المتوترة التي تربط النيجر وبوركينا فاسو ومالي بباريس.

وتابع: "تتطلع الجزائر نحو منطقة الساحل سعيا منها لإعادة بناء شبكة من الشركاء القادرين على عزل المغرب. كما تسعى إلى استعادة مكانتها الرائدة، من خلال تعزيز علاقاتها مع الدول التي تشهد توترا في علاقاتها مع فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، أو التي تُعارضها بشكلٍ صريح".

ومن المرجح -بحسب التقرير- أن يؤدي هذا التوجه، على المدى القصير، إلى إعادة قضية الصحراء الغربية إلى مركز الخطاب الجزائري، مما قد يضع فرنسا في موقف يتعين عليها فيه الموازنة بين علاقتها المتجددة مع المغرب والفرص غير المؤكدة التي تقدمها الجزائر.