قمع خارج الحدود.. كيف يدعم السيسي البرهان لشيطنة الإسلاميين بالسودان؟

إسماعيل يوسف | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

يلعب نظام عبدالفتاح السيسي في مصر دورا كبيرا في تجفيف المنابع "الإسلامية" بالمجتمع السوداني في مرحلة ما بعد الرئيس المعزول عمر البشير، بدعوى محاربة "التطرف" وفكر جماعة الإخوان المسلمين.

سعى السيسي لدعم التحالف الحاكم بين العسكر واليساريين، مستفيدا من علاقة قيادة جيش السودان الجديدة بالإمارات، وعداء اليساريين تاريخيا للتيار الإسلامي لأنه دعم وصول البشير للحكم عام 1989.

شجع على هذا، إنشاء رئيس المجلس السيادي في السودان عبدالفتاح البرهان "لجنة إزالة التمكين" 10 ديسمبر/تشرين الأول 2019، وهي أشبه بالمحاكم الثورية، لتجفيف منابع الإسلاميين وإنهاء أي احتمالية لعودتهم للحياة السياسية.

اقتلاع تغذيه مزاعم

ورغم سعي الائتلاف العسكري اليساري الحاكم في السودان، ربط الحركة الإسلامية هناك كلها بالإخوان، انتقد ممثلي الجماعة حكم البشير وشارك بعضهم في إسقاطه.

المؤرخ السوداني البروفيسور عبد الله إبراهيم قال لوكالة "الاناضول" 22 أبريل/ نيسان 2019، إن "الحركة الإسلامية" استلمت الحكم عام 1989، لكنه تحول شيئا فشيئا ليصبح في قبضة البشير وحده، وأن المعاناة طالت الإسلاميين كما طالت غيرهم من التيارات.

قبل عزل البشير، زار المراقب العام لجماعة "الإخوان المسلمون" في السودان، عوض الله حسن، المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم، ووقع بيديه لافتات تطالب بإطلاق سراح المتعلقين ما يعني مشاركة التيار الإسلامي في الثورة على نظام البشير.

 بعد عزل البشير، صدر بيان من الأمانة السياسية للإخوان المسلمين، يرحب بـ "هذه الثورة المباركة" ويقول: "لا تستطيع جهة أو حزب احتكارها أو توجيهها بل الكل مشارك دون إقصاء إلا من يدان قضائيا".

كذلك أعلن المراقب العام للإخوان المسلمين في السودان، تخلي الجماعة التام هناك، عن نظام عمر البشير وكافة المعاونين له".

قال في رسالة تحمل عبارات واضحة وصريحة لا تحتمل تأويلا أو لبسا، إن "جبهة الإنقاذ" التي كانت تحكم السودان خلال عهد البشير "أفسدت  الدين والدنيا"، حسب تعبيره.

وتعهد "بإزالة كل ذلك والعمل مع الشركاء لعدم إعادة إنتاج النظام"، بحسب موقع "العربية" 24 أبريل/ نيسان 2019.

كما كان غازي صلاح الدين، الذي يتولى ائتلاف إسلامي من عدة أحزاب بينها الإخوان، حاضرا بقوة في الثورة، ومن خلفه الكثير من شباب الإسلاميين.

لكن لم يكترث الطرفان لكل ذلك، فقد عاونت مصر عسكر السودان لإجهاض أي عودة للإسلاميين وتعاونت معهم ضد التيار والوجود الدعوي الإسلامي كله بحجة محاربة الإخوان.

وأرسلت القاهرة قافلة من الأوقاف أوائل فبراير/ شباط 2021 لعدة مناطق سودانية أبرزها دارفور، لمواجهة نشاط جماعة الإخوان هناك ومنتسبي نظام البشير الذي يتهمه التحالف السوداني الحاكم بالسعي للقيام بثورة جديدة.

سبق هذا إغلاق السلطات السودانية 131 جمعية قيل إنها مرتبطة بالإخوان المسلمين جنوب دارفور، بدعوى التطرف ودعم الأنشطة الإرهابية، في 23 يناير/كانون الثاني 2021.

وعرضت القاهرة على الخرطوم دعمها أيضا لتغيير المناهج الدراسية لإزالة كل ما بها من مواد تساعد على "التطرف" الذي يقصد بها "الإخوان".

إذ دعا البرلمان المصري يوم 7 فبراير/شباط 2021 إلى التعاون مع السودان في مراجعة مناهجها المدرسية والتخلص من التطرف بها.

بين البشير والبرهان

شكلت جماعة الإخوان المسلمين هاجسا لنظام عبد الفتاح السيسي، داخل مصر وخارجها، فسعى لمطاردة من هاجر منهم أيضا لدول عربية وأجنبية، بعد قتل واعتقال وفصل إخوان الداخل من وظائفهم.

يتولى عمليتي المطاردة والمراقبة في الخارج جهازي "المخابرات العامة" و"أمن الدولة"، حسبما كشفت المخابرات الألمانية في قضية الجاسوس المصري (أمين ك.) الذي تجسس على الإخوان في ألمانيا، بحسب ما نشر موقع "دويتشة فيله" الألماني 23 فبراير/ شباط 2021.

خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير، شكل أعضاء الجماعة الذين هربوا للسودان صداعا في رأس السيسي، واتهمت وسائل إعلام مصرية الخرطوم مراراً بإيواء قرابة 200 من "الإخوان المسلمين".

قبل انهيار نظام البشير 11 أبريل/ نيسان 2019، طالبت مصر السودان بعدم إيواء أو دعم مجموعات معارضة خلال لقاء بالخرطوم في 20 نيسان/أبريل 2017 بين وزيري الخارجية المصري سامح شكري، والسوداني إبراهيم غندور.

تحدث سامح شكري، حينئذ، عن وعد السودان "عدم السماح بانطلاق أي أنشطة للمعارضة المصرية من الأراضي السودانية".

عقب إسقاط البشير، ومجيء ائتلاف من "العسكر" المدعومين إماراتيا و"التيار اليساري"، لم يرض القاهرة برحيل من بقي من إخوان مصر في السودان خشية تسليمهم، وإنما عرضت تقديم خبرتها لـ "تطهير" الخرطوم من الإخوان وفكرهم.

ساعد على الترحيب بهذا الدور المصري، تدشين الخرطوم "لجنة إزالة التمكين" التي ركزت نشاطها علي إجهاض كل أنشطة الحركة الإسلامية بالسودان، لدعمها نظام البشير.

المتحدث باسم اللجنة صلاح مناع ربط عملها بمحاربة الإخوان، وقال لـ "إندبندنت عربية" في الثاني من يوليو/ تموز 2020 إن اللجنة تقوم بتفكيك الدولة العميقة للنظام السابق الذي له "ارتباطا وثيقا بالنظام العالمي للإخوان المسلمين".

لجنة إزالة التمكين صادرت أموال ومقرات الحركة الإسلامية وحتى "منظمة الدعوة الإسلامية" التي تنشط لمحاربة التبشير في إفريقيا، ما اضطرها لنقل مقرها لـ "النيجر" في 4 فبراير/ شباط 2021.

ضمن ما سمي "إزالة التمكين" تم غلق مدارس إسلامية وفصل 212 مدرسين و151 من القضاة ومئات الموظفين، ومصادرة أموال سودانيين لهم انتماءات إسلامية.

في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2020 قررت اللجنة إنهاء خدمة 239 مستشارا وسفيرا زعمت أنهم "من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين".

تضم اللجنة، التي تم تشكیلھا في ديسمبر/كانون الأول 2019، أعضاء من وزارة الدفاع والداخلية والعدل والحكم الاتحادي والمالية والمخابرات العامة وقوات الدعم السريع والبنك المركزي، ودیوان المراجعة القومي وقوى الحرية والتغییر (يسار).

مصر وإخوان السودان

ركز الدور المصري، في دعمه الخرطوم لتجفيف منابع الإخوان، على الجانبين الديني والتربوي، عبر تدريب أئمة الأوقاف السودانية على شيطنة الجماعة، وتقديم الدعم لتغيير مناهج التعليم السودانية.

وعندما أغلقت السلطات السودانية 131 جمعية إسلامية في جنوب دارفور 23 يناير /كانون الثاني 2021، زعمت أنها "مرتبطة بالإخوان المسلمين"، و"تتلقى أموال أجنبية لدعم الأنشطة الإرهابية والتحريض على العنف ونشر الفكر المتطرف"، بحسب صحيفة "الخليج" الإماراتية.

"القافلة تستهدف نشر الفكر المستنير ونبذ الفرقة والعنف والتطرف والتركيز على الحفاظ على الوطن وحماية مؤسساته الوطنية"، بحسب أشرف فهمي الأمين العام للتدريب بوزارة الأوقاف المصرية ورئيس وفد أئمة مصر بالسودان لـ "المونيتور" الأميركي 21 فبراير/ شباط 2021.

سبق هذا زيارة وزير الأوقاف السوداني نصر الدين مفرح للقاهرة في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2020، وتنظيم أوقاف مصر والسودان دورة تدريبية للأئمة حول "التعاون في مكافحة التطرف ومواجهة أيديولوجيات الجماعات المتطرفة والإخوان المسلمين في كلا البلدين".

سبب إرسال مصر القافلة أنها "تتمتع بتجربة فريدة في مواجهة الفكر الضيق للإخوان المسلمين، ولهذا أراد السودان تعاوننا لمواجهة التطرف"، بحسب ما قال رئيس لجنة الشؤون الإفريقية بمجلس النواب شريف الجبلي لـ "المونيتور".

أضاف: "السودان يحاول تطهير ولايته من آثار حكم الإخوان المسلمين من خلال نشر الفكر المستنير وإبعاد الجماعة من مراكز صنع القرار، ولهذا الغرض، وجه السيسي جميع مؤسسات الدولة لدعم الخرطوم في تحقيق أهدافها".

الجبلي تابع: "القاهرة تتعاون مع السودان على المستويين الأمني ​​والديني لوضع حد لمخططات الإخوان لأن مصر تريد الحفاظ على استقرار البلاد".

ضمن هذه التوصية من السيسي، زار وزير الأوقاف المصري مختار جمعة السودان 26 أكتوبر/تشرين الأول "ليناقش مع نظيره السوداني سبل تعزيز التعاون الديني المشترك في تدريب الأئمة وتجديد الخطاب الديني ومواجهة الأفكار المتطرفة".

سبق لموقع "المونيتور" التأكيد في 30 ديسمبر/ كانون أول 2020، أن "مصر تسعى لتوحيد الجهود مع السودان لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين والجماعات والأفكار المتطرفة عبر عدة خطوات أمنية ودينية".

ونقل عن "أحمد الميرغني" رئيس تحرير جريدة البعث السوداني تأكيده أن "مصر تدعم الخرطوم لمواجهة محاولات الإخوان لتدمير الدولة، بالنظر إلى أن الشعبين المصري والسوداني قد نجحا في قلب حكم الجماعة".

أضاف: "السودان لجأ إلى مصر لتدريب أئمته على التعامل مع بقايا الأفكار المتطرفة التي ينشرها أعضاء الإخوان".

ذكر أن "الاتفاق المصري السوداني على مواجهة الإخوان تضمن ملاحقة وتسليم جميع أعضاء الجماعة المصريين الذين فروا إلى السودان في أعقاب سقوط الرئيس محمد مرسي، بإسقاط جنسيتهم وتسليمهم إلى القاهرة".

وأكد أن "الفترة المقبلة ستشهد أعلى مستويات التنسيق بين القاهرة والخرطوم، وسيتم تدريب أفراد الأمن السودانيين في القاهرة أيضا لمواجهة مخطط الإخوان الفوضوي"، بحسب تعبيره.

تعديل المناهج

بدعوى القضاء على التطرف، عاونت القاهرة الخرطوم علي "تخليص مناهجها المدرسية من التطرف"، بحسب ما قال وزير أوقاف السودان نصر الدين مفرح لموقع "مصراوي" 23 ديسمبر/ كانون الأول 2020

في حواره أكد مفرح أنه تم فصل العديد من الإخوان من وزارة الأوقاف ومراجعة فكرية للأئمة المنتمين للجماعة، وتغيير منهج التربية الإسلامية.

وزعم أنه رفض لقاء الرئيس السوداني الأسبق سوار الذهب لأنه "من الإخوان المسلمين، وأصّل للجماعات الإخوانية، وأنا أبعد ما يكون عنها".

كرر نصر الدين مفرح في 27 يناير/كانون الثاني 2021 الحديث عن "سعي السودان تخليص المناهج الدراسية، وخاصة مناهج التربية الإسلامية، من الفكر المتطرف والإرهابي لجعلها منسجمة مع الاعتدال ".

قرارات الحكومة اليسارية الخاصة بتعديل المناهج الدراسية وتقليص حفظ القرآن بدعاوي محاربة التطرف، أثارت غضبا شعبيا.

عضو مجمع الفقه الإسلامي السوداني الشيخ الدكتور محمد الأمين إسماعيل، أنتقد "استهداف القرآن الكريم والدراسات الإسلامية من قبل مدير المناهج بوزارة التعليم، لحذفه العديد من السور والمقررات الإسلامية".

"إسماعيل" وصف خلال خطبة الجمعة في الثاني من يناير/ كانون الثاني 2021، ما يقوم به مدير المناهج بأنه "تخريبا متعمّدا لمناهج التعليم". 

واستنكر تضمين مقرر الصف السادس صورة الرسام الإيطالي مايكل أنجلو التي يجسّد فيها الذات الإلهية في صورة رجل عجوز يمد يده لرجل عار ادّعى أنه آدم عليه السلام.

في 24 يناير/ كانون الثاني 2021 أصدر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، قرارا بتشكيل لجنة قومية لمراجعة المناهج الجديدة، وتجميد العمل بمقترحات تطوير المناهج بعدما أثارت غضبا شعبيا.

قالت النائبة فريدة الشوباشي، خلال جلسة لمجلس النواب 7 فبراير/شباط 2021 إن "البرلمان المصري يشجع وزارتي التعليم والأوقاف المصرية على دعم السودان في تجربته الفريدة في مراجعة المناهج الدراسية وتنقيحها من التطرف".

أضافت: "السودان عانى من الجماعات الرجعية التكفيرية مثل الإخوان، ومصر لديها تجربة في مكافحة التطرف ومواجهة الأفكار التكفيرية لذلك لابد من نقل الخبرات المصرية للسودان".

في نفس الجلسة، تحدث عضو "المبادرة الشعبية لتعزيز العلاقات المصرية السودانية" لواء المخابرات حاتم باشات، عن استعداد المبادرة "المشاركة في مراجعة المناهج الدراسية من التطرف حال رغبة الجانب السوداني".

كشف وزير التربية والتعليم المصري طارق شوقي، في 6 فبراير/شباط 2021 أن عددا من الدول العربية، من بينها السودان، دعت إلى تطبيق المنهج المصري في مدارسها".

ولجأت الخرطوم إلى مصر أيضا لتطوير مناهجها في الجامعات السودانية، ووقع وزير التعليم العالي خالد عبد الغفار ونظيره السوداني محمد الأمين التوم أكتوبر/ تشرين الأول 2020، بروتوكول للتعاون في إعداد خطط ومناهج وكتب الجامعات.