Thursday 24 June, 2021

صحيفة الاستقلال

احتجاجات “الفنيدق” بالمغرب.. أشعلها خنق “الشريان” أم ألاعيب إسبانيا؟

منذ 2021/02/16 16:02:00 | تقارير
مرصد حقوقي حذر السلطات المغربية من تبني المقاربة الأمنية في مواجهة احتجاجات الفنيدق تجنبا لمزيد من الاحتقان
حجم الخط

في 5 فبراير/ شباط 2021، نظم مئات المواطنين بمدينة الفنيدق (شمال المغرب)، تظاهرة احتجاجية على تردي الأوضاع الاقتصادية، جراء إغلاق معبر مدينة "سبتة" الحدودية (تخضع لإدارة إسبانيا).

مقاطع مصورة متداولة بمنصات التواصل الاجتماعي، أظهرت الآلاف من سكان المدينة يرددون شعارات غاضبة، مطالبين بـ"الكرامة والعمل"، كما عرضت ذات المقاطع، قاصرين (عددهم غير محدد) من بين المتظاهرين وهم يرمون رجال الأمن بالحجارة، بعد محاولتهم فض المظاهرة.

المظاهرة التي جاءت بعد نحو أسبوع من غرق شاب من الفنيدق، أثناء محاولته العبور إلى سبتة المتاخمة، سباحة، ردد خلالها المتظاهرون، شعارات من قبيل "هذا عيب هذا عار والشباب في خطر"، وغيرها من الشعارات الغاضبة.

احتجاجات الفنيدق

في 8 فبراير/شباط 2021، قررت المحكمة الابتدائية بمدينة تطوان (شمال)، متابعة 4 شباب في حالة اعتقال وإحالتهم على السجن المحلي، بعد أن ألقي القبض عليهم خلال احتجاجات الفنيدق.

وأوضح محامي المعتقلين، جابر بابا، لوسائل إعلام محلية، أن النيابة العامة قررت متابعة المعتقلين في حالة اعتقال بتهم "التجمهر بدون رخصة وحيازة سلاح، وإهانة موظف حكومي أثناء قيامه بمهامه، والعنف".

وأضاف المتحدث نفسه، أن احتجاجات الفنيدق خرجت ردا على التداعيات الاقتصادية لقرار إغلاق المعبر الحدودي مع سبتة المحتلة.

نفذت السلطات المغربية، مساء الجمعة 5 فبراير/شباط، اعتقالات في صفوف المحتجين بمدينة "الفنيدق" شمالي البلاد، على تردي الأوضاع الاقتصادية، جراء إغلاق معبر مدينة "سبتة" الحدودية.

نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وحقوقيون طالبوا في تدوينات مختلفة، بإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الاحتجاجات، بينهم مرصد الشمال لحقوق الإنسان، الذي طالب في بيان بوقف المتابعات، وفتح حوار مع المتظاهرين، والاستماع إلى مطالبهم.

وحذر المرصد من "خطورة" الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية في ظل ما أسماه "عجزا، وضبابية في طريقة تدبير السلطات لهذه الأوضاع".

وحذّر المرصد الحقوقي سلطات بلاده من أن تبني المقاربة الأمنية في مواجهة احتجاجات مدينة الفنيدق، مشددا على أن ذلك "لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان".

وسجل المصدر ذاته تأكيد الهيئة الحقوقية على حق "الشباب والفئات الاجتماعية المتضررة مما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في التظاهر السلمي للتعبير عن مخاوفهم وآمالهم".

التهريب المعيشي

من جهته، ندد حزب الاتحاد الاشتراكي باعتقال "الخليل جباري عضو الكتابة الإقليمية للحزب بالفنيدق، وتعنيف ياسين يكور نائب الكاتب الإقليمي، بمجرد أنهما كانا يمران بالقرب من مكان الوقفة الاحتجاجية".

وطالب الحزب في بيان له، بالإفراج الفوري عن الخليل، معتبرا الحدث "استهدافا صريحا لحزبنا من طرف السلطات بالفنيدق ومحاولة هذه الأخيرة بالمس بسمعة إخواننا و تشويهها".

وزاد منتقدا "نعتبر أن هذا السلوك الذي نهجته السلطات العمومية هو سلوك مخز بائد، وما حدث يخيب آمالنا في مغرب جديد كنا نحلم أن تحقيقه أصبح قريبا ولكن الحنين إلى سنوات الجمر والرصاص لازال في مخيلة وتفكير السلطات".

وعبّر الحزب المشارك في التحالف الحكومي عن تضامنه مع منظمي الوقفة الاحتجاجية، معتبرا أن مطالبهم "عادلة ومشروعة خاصة فيما يتعلق بإيجاد بدائل اقتصادية تضمن فرص الشغل لآلاف المواطنات والمواطنين الذين فقدوا أي مدخول منذ إغلاق معبر سبتة المحتلة".

وعلى خلفية الاحتجاجات، اعتبر الناشط الحقوقي عزيز أدمين أن خروج المتظاهرين "ليس معطى نزل من السماء، بل هو نتيجة طبيعية لسياسة صم الآذان من قبل الحكومة والسلطات العمومية، التي لم تضع سياسات بديلة وتوفير مصادر "رزق" جديدة بعد إغلاق المعبر".

وأضاف الحقوقي في تدوينة عبر موقع "فيسبوك"، أن "الساكنة (المواطنين) قبل خروجها، ناشدت عبر المواقع التواصلية وعبر البيانات والمراسلات كل الجهات المختصة في مختلف مستوياتها لإنقاذها من الوضع الكارثي الذي أصبحت تعيش فيه".

وقال أدمين، إن الساكنة قدمت عبر نداءات مطالب وحلول منذ ديسمبر/كانون الأول 2020، منها ما هو آني كبرنامج استعجالي والتسريع بإنجاز المنطقة الاقتصادية بالمدينة، ومنها على المدى المتوسط كربط مدينة الفنيدق بمشروع الميناء المتوسطي، وغيرها من المطالب المشروعة والعقلانية.

ورأى الحقوقي، أنه "لا يمكن بعد شهور من خنق الشريان الاقتصادي للمدينة، الادعاء بكون التظاهرات غير المرخص لها أو خدمة مصالح أجنبية، واختراقات من مصالح إسبانيا للتأثير على مفاوضات المغرب".

وحمّل الناشط المسؤولية للحكومة، مشددا: "لا أدافع على الاقتصاد غير المهيكل أو التهريب، ولكن أؤكد أن اتخاذ أي قرار عمومي ولو كان سياديا، لابد أن يرافقه ويوازيه سياسات بديلة".

تقرير للبرلمان المغربي، صدر في فبراير/شباط 2019، قال إن "المغربيات الممتهنات للتهريب المعيشي بمعبر سبتة، يعشن وضعا مأساويا، وينمن ليومين وأكثر في العراء".

وأضاف التقرير، الذي أعدته لجنة الخارجية والدفاع الوطني بالبرلمان: "يوجد حوالي 3500 امرأة يمتهن التهريب المعيشي و200 طفل قاصر، بمعبر سبتة"، لتعلن السلطات المغربية، في 3 ديسمبر 2019، إغلاق المعبر نهائيا أمام أنشطة التهريب.

ويعتمد اقتصاد المدينة بنسبة كبيرة على أنشطة "التهريب المعيشي" عبر نقل السلع من سبتة وبيعها داخل المغرب، حيث تشكل هذه التجارة مصدر رزق لغالبية السكان منذ عقود، ويعاني سكان الفنيدق من أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، منذ أن قرر المغرب إغلاق المعبر نهائيا في ديسمبر/كانون أول 2019.

وإلى جانب سبتة، تخضع مدينة مليلية، إلى الإدارة الإسبانية، رغم وقوعهما أقصى شمال المغرب، وتعتبرهما الرباط بأنهما "ثغران محتلان" من طرف إسبانيا التي أحاطتهما بسياج شائك بطول نحو 6 كلم، وتشكل المدينتان هدفا لمهاجرين أفارقة ينفذون من وقت لآخر عمليات اختراق جماعية للحدود البرية.

ألاعيب إسبانيا

ذهب بعض الناشطين إلى الإشارة إلى أن المحتجين خرجوا إلى الشارع مدفوعين من الحكومة في سبتة، التي ناشدت مدريد أكثر من مرة للتوسط لدى الرباط بغرض فتح المعبر، بعد أن تضرر تجارها من إغلاقه.

15 مليون يورو سنويا، هو المبلغ الذي اقترحه رئيس حكومة سبتة (ذاتية الحكم تابعة إقليميا لإسبانيا) خوان فيفاس، على الحكومة المركزية لمدريد مقابل إعادة تدبير الاقتصاد المحلي للمدينة، موضحا أنها لا يمكنها الصمود بعد إغلاق معبر "ترخال".

في 9 من أكتوبر/تشرين الأول 2019 قررت حكومة الرباط إغلاق معبر "ترخال" الذي يعد قناة لتهريب البضائع، بين مدينتي سبتة المتنازع على ملكيتها مع إسبانيا منذ 1580، ومدينة الفنيدق المغربية.

فيفاس، اتهم الرباط بخنق اقتصاد المدينة، الذي كان قائما على بيع البضائع للتجار المغاربة وتمريرها من المعبر، على ظهور حمّالين رجال ونساء مغاربة، مقابل دراهم قليلة مع تعريض حياتهم للخطر، بسبب ضيق المعبر وشدة الازدحام، وأيضا ثقل ما يحملونه على ظهورهم.

رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، محمد بن عيسى، قال لـ"الاستقلال": لا أعتقد أن الاحتجاجات وراءها الإسبان سواء بسبتة المحتلة أو انطلاقا من العاصمة مدريد، فاستقرار أوروبا بشكل عام، واستقرار إسبانيا بشكل خاص مرهون باستقرار المغرب.

وتابع: "المغرب يلعب دورا كبيرا في حماية حدوده الجنوبية من مئات الآلاف من الراغبين في الوصول إلى الفردوس الأوروبي"، موضحا أن الأمر يرتبط بما هو اقتصادي نتيجة إيقاف التهريب وإغلاق المعبر نهائيا بسبب جائحة كورونا.

وأردف: "كان لهذه الإجراءات انعكاس على ما هو اجتماعي في ظل فشل السلطات في إيجاد بدائل، أو فشلها في إخراج مشاريع أطلقتها إلى حيز الوجود، وهو ما عمق الإحباط وفقدان الأمل ودفع المئات من الشباب للخروج إلى التظاهر".

احتجاجات الفنيدق تزامنت مع إعلان السلطات المحلية عن اتخاذ أولى الخطوات لإنهاء حالة الاحتقان نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية لآلاف الأسر التي كانت تعيش من "التهريب".

تم الإعلان رسميا عن إطلاق برنامج يتعلق بـ"بلورة وتفعيل آليات الدعم والمواكبة من أجل تحسين قابلية التشغيل وتحفيز ريادة الأعمال للفئات الهشة، خاصة النساء والشباب".

وأكد ابن عيسى، أن ما قامت به الحكومة هو أشغال متوقفة منذ شهرين لمنطقة الأنشطة التجارية بالفنيدق ومرتيل، وإن كانا لن يحلا مشكلة البطالة لكن على الأقل يعبران عن حسن النية على أن الحكومة عازمة على إيجاد بدائل ويعيدان الثقة إلى المواطنين.

وزاد: "المنطقة لا تفتقر إلى الإمكانيات والمؤهلات إذ تتوفر على موقع جغرافي وطبيعي متميز، وبنية تحتية وموارد بشرية مؤهلة وجاذبية سياحية وتاريخ عريق، لكن للأسف لا يتم استغلالها إضافة إلى سوء تدبيرها".

وعن عودة الاحتجاجات مرة أخرى، قال الحقوقي: "السلطات تبنت سياسة القمع واعتقال بعض الشباب، لكنها إن نجحت في كل مرة في السيطرة على الاحتجاج ووأده لكنها فشلت بالتأكيد في اجتثاث أسبابه، بل بالعكس الهوة بين المواطنين وصانعي القرار تتسع وهو ما ينذر عاجلا أم آجلا في عودة الاحتجاجات".

حصار مخطط

يُعد ممر "ترخال" من أكبر المعابر الحدودية بين المغرب وإسبانيا ويقع تحديدا في مدخل مدينة سبتة، التي تخضع لحكم ذاتي وتتبع إداريا لإسبانيا.

كل يوم يمر عبره آلالاف من المغاربة، وتُسيره بشكل رسمي مدريد التي تُراقب جوازات السفر على الحدود، كما أنها تسمح للمقيمين في المدن الشمالية، الذين يتوفرون على بطاقة وطنية بعنوان شمال المغرب بالمرور إلى سبتة دون الحاجة إلى جوازات السفر أو تأشيرة الدخول.

يمضي المغرب إلى مزيد من حصار اقتصاد سبتة"، هذا ما استقرأته صحف مغربية من قرار الرباط إنشاء منطقة تجارية حرة بالفنيدق.

وفي 7 يناير/ كانون الثاني 2020 بدأ البرلمان مناقشة التوصية التي جاءت من لجنة استطلاعية، شددت على ضرورة تقوية المغرب لتجارته الداخلية بدلا من اعتماد عدد من سكان الشمال على أنشطة التهريب.

وأكد تقرير اللجنة أن التهريب يهدد الأمن الصحي والاقتصادي كذلك، إذ لا يؤثر فقط على المشتغلين في تجارة حمل البضائع المهربة من النساء والرجال، بل في حركة التجارية الداخلية في المنطقة التي ارتبطت بالسلع المهربة.

اتهامات إلقاء المسؤولية بين الرباط ومدريد لم تنته، إذ أعلنت الأخيرة أن المغرب هو من طلب إغلاق المعبر الحدودي، كما أن الرباط زادت من عدد العناصر الأمنية على عكس الإسبانية، التي لم تتخذ أي إجراءات جديدة.

من جهتها، نفت الرباط وجود موعد لفتح المعبر في وجه ممتهني التهريب المعيشي، معتبرة أن ما تقوم به بعض المواقع الإعلامية الإسبانية، من ترويج لتاريخ فتحه مجرد تضليل، وممارسة ضغط من خلال اتخاذ قرار الفتح من جانب واحد.

وقالت البرلمانية عن مدينة الفنيدق الشمالية، سعاد الشيخي، في وقت سابق لـ"الاستقلال": "الحكومة تسعى بقرار استمرار إغلاقها لمعبر ترخال إلى أنسنة ظروف مرور العاملات، وتحسين صورة هذا المعبر باتخاذ إجراءات جديدة تمحي الصورة القديمة المترسخة".

أما أستاذ التاريخ عبدالوهاب الدبيش فذهب إلى حد القول: إن "إسبانيا ستعيد في غضون 4 أو 5 سنوات سبتة ومليلية والجزر المجاورة لها إلى المغرب لأنها كانت تستفيد منها عن طريق تهريب السلع إليها وبيعها هناك، لكن المغرب اليوم أغلق الثغرين وقريبا ستصبح مدينة الفنيدق (الحدودية مع سبتة) مدينة أشباح والناظور أيضا (الحدودية مع مليلية)".

وبالنظر إلى ذلك، تساءل أستاذ التاريخ لـ"الاستقلال" عن "القيمة التي ستجعل إسبانيا تنفق على مدينتين مغربيتين تحتلهما، وهما أقدم مستعمرة في التاريخ، احتلها البرتغاليون في 1415 وسلموها للإسبان بعد سنوات".


تحميل

المصادر:

1

هدوء حذر بعد ليلة احتجاجات واشتباكات ساخنة في الفنيدق المغربية

2

احتجاجات الفنيدق.. بين عجز الوسطاء التقليديين ومطالب بحلول جذرية

3

المغرب..مرصد حقوقي يحذّر من تداعيات التعامل الأمني مع احتجاجات “الفنيدق”

4

المغرب..اعتقال عدد من النشطاء بعد احتجاجات “الفنيدق” ومطالب بالإفراج عنهم

5

المضيق-الفنيدق : إجراءات عاجلة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي

6

فعاليات محلية تطلق عريضة للمطالبة بتوفير بدائل اقتصادية للتهريب في الفنيدق

كلمات مفتاحية :

إسبانيا اقتصاد المغرب سبتة سياسة معبر ترخال