Wednesday 20 January, 2021

صحيفة الاستقلال

أميركا تعزز علاقاتها العسكرية مع المنطقة المغاربية.. التحركات والأهداف

منذ 2020/12/11 20:12:00 | تقدير موقف
نجح الرجل هادئ الملامح والتصريحات "مارك إسبر" في تمرير عاصفة الزيارة الثلاثية من دون إثارة تداعيات تذكر
حجم الخط

المحتويات

مقدمة

أهداف زيارة وزير الدفاع للمنطقة المغاربية

  1. استعادة التوازن في المواجهة الأميركية الفرنسية للعنف المسلح
  2. مواجهة التمدد الصيني - الروسي في إفريقيا
  3. القضية الليبية والمخاوف من تفاقم تداعياتها

العلاقات الأميركية المغاربية

أ. تونس: الزيارة.. والاتفاق

ب. الجزائر.. الإفلات من الأسر الروسي - الصيني - الفرنسي

ج. المغرب.. هل يتجه نحو التصنيع العسكري؟

خاتمة


مقدمة

في اليوم الأخير من سبتمبر/أيلول 2020، أقدم وزير الدفاع الأميركي "مارك إسبر" على زيارة لغرب شمال إفريقيا، بدأها بزيارة تونس، ثم الجزائر، وتحمل زيارته خصوصية تتمثل في كونها أول زيارة لوزير دفاع أميركي للجزائر منذ 15 عاما، أو بالأحرى: منذ تلك الزيارة التي قام بها  وزير الدفاع في إدارة جورج بوش الابن دونالد رامسفيلد في فبراير / شباط 2006.

وأنهى "إسبر" جولته المكوكية بزيارة المغرب. وفي غضون هذه الزيارة، وقَّع وزير الدفاع الأميركي اتفاقيتين للتعاون العسكري طويل الأمد؛ حيث تمتد كل منهما مدة 10 سنوات، أولاهما: مع تونس، وهي المفاجأة الأولى، والتي قدر بعض الخبراء أنها -ولداعي سرِّيَّتها- قد تكون بمثابة تدشين جديد لمقر قيادة عمليات جديدة لقوة "أفريكوم" من شمال غرب إفريقيا.

فيما حملت الاتفاقية الثانية مع المغرب: روح التصنيع العسكري. وبين هذين الهدفين طيف واسع من المرامي الأمنية للولايات المتحدة. هذه الورقة تنقب فيما وراء حاجز السرية.


أهداف زيارة وزير الدفاع للمنطقة المغاربية

تتعلق هذه الزيارة برؤية إستراتيجية اختطَّتها إدارة ترامب لمعاودة الحضور في القارة الإفريقية، والتي ينظر إليها باعتبارها مسرح المواجهة القادم بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى.

وترمي الولايات المتحدة لمواجهة الموجة الثانية من التمدد العسكري الروسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد فشل المواجهة الأولى، والتي انتهت بترسيخ أقدام الدب الروسي في شرق المتوسط، كما تهدف الاستراتيجية أيضا لمواجهة التمدد الناعم للتنين الصيني من بوابة القوة الناعمة، والمشاركة الإنمائية في القارة.

الاستراتيجية الجديدة صاغها مستشار الأمن القومي السابق "جاك بولتون" بروح "القوة الذكية" أكثر من روح استعادة الروح العسكرية التقليدية الأميركية؛ حيث كانت ترى أن العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الإفريقية تقوم على 3 مشتركات أساسية: الأهداف المشتركة، والتهديدات المشتركة، وأخيرا المصالح المشتركة.

هذا القسم من الدراسة يكشف عن دواعي التحرك الأميركي في هذا التوقيت، بدءا بدول المغرب العربي الثلاث. ويمكن إيجاز أهم دوافع الولايات المتحدة جراء هذه الطفرة فيما يلي:

1. استعادة التوازن في المواجهة الأميركية الفرنسية للعنف المسلح:

يمكن القول بأن ضعف كفاءة الوجود الأمني الفرنسي وعملياته في غرب إفريقيا، وعدم كفاءة عملية القرار الاستراتيجي الفرنسي، يمثلان أبرز عوامل اتجاه الولايات المتحدة للتعاطي مع دول منطقة شمال غرب إفريقيا. وكما سنأتي للتفاصيل لاحقا؛ فإن اتساع نطاق العنف في غرب إفريقيا بلغ حدا لفتت فيه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في فبراير /شباط 2020، لأن نحو 4 آلاف شخص في بوركينا فاسو وحدها يتعرضون للنزوح كل يوم بسبب العنف السياسي.

ومع سيولة الوضع الأمني في مالي بعد الانقلاب، يتوقع مراقبون أن تتزايد العمليات عبر المسرح الذي يضم بوركينا فاسو والنيجر، لتنضم إليهما مالي، ومن ثَمَّ بدا المشهد فوضويا في غرب إفريقيا.

لم تتمكن الدعاية حول خطورة جائحة "كوفيد 19" في وضع حد للعنف المتصاعد في هذه المنطقة طيلة النصف الأول من 2020، وثمة مؤشرات عدة على ضعف كفاءة القوات الفرنسية الأميركية التي يضعف التنسيق بينها، وهو ما كرس مزيدا من عدم الثقة بين الطرفين، وعمَّق حالة الارتجال الاستراتيجي في التعامل مع أسباب العنف، وكرس تجاهل فهم طبيعة تلك المنطقة، وأن زيادة القوات العسكرية لكلي البلدين قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

لقد عمقت فرنسا تدخلها في غرب إفريقيا مع تلقيها طلبا رسميا من السلطات في مالي، في يناير/كانون الثاني 2013، للحصول على المساعدة الأمنية؛ حيث استجابت فرنسا من خلال إطلاق عملية "سيرفال" العسكرية، ما أدى لوقف تقدم المسلحين المتطرفين من شمال مالي إلى وسطها.

وأعقبت فرنسا هذا الإجراء بعد عام ونصف بالاعتماد على القيادات التي شاركت في "سيرفال"، من أجل تكوين قوة خاصة لـ"مكافحة الإرهاب" قوامها 5 آلاف جندي، وتقدر التكلفة السنوية لنشرها بنحو 600 مليون يورو (715 مليون دولار).

وشاركت دول غرب إفريقيا: بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، في تشكيل هذه القوة، وأطلقت هذه القوى عملية "برخان"[1]، وتمكنت من تعقب وقتل عدد من قادة الجماعات المسلحة الرئيسيين، أبرزهم: عبد المالك دروكدال، زعيم فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي قتل في غارة جوية فرنسية مطلع يونيو /حزيران 2020.

كما عاونت بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي، ومكنتها من نشر ما يقرب من  13 ألف جندي، وحوالي 2000 ضابط شرطة في منطقة غرب إفريقيا. وبرغم هذه القوات الضخمة، تستمر العمليات من دون توقف حتى تاريخ كتابة هذه السطور[2].

كانت المساندة الأميركية في غرب إفريقيا حاضرة، حيث تعتمد القوات الفرنسية في تنفيذها لعملياتها العسكرية على الدعم الاستخباراتي الأميركي، وحتى الدعم اللوجستي الذي يقدمه نحو 800 من العناصر الاستخباراتية والعسكرية الأميركية المنتشرة في النيجر.

غير أن سعي واشنطن لإضعاف النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، ضمن رؤيتها للحلول محل القوى الاستعمارية التاريخية في مستعمراتها، وتجدد دواعي تمدد النفوذ الأميركي في المنطقة مع زيادة العنف، أديا إلى ضعف الثقة بين واشنطن وباريس، ودفع الأخيرة للتصرف منفردة في غالب عملياتها.

وكان من أبرز مظاهر رفض التنسيق تلك الأزمة التي نشبت بين البلدين عندما قدمت اقتراحا للأمم المتحدة يدعو إلى نشر قوة أمنية إفريقية قوامها 5 آلاف رجل في منطقة الساحل، حيث اعتبر الأميركيون هذه الخطوة منفردة، لأن باريس لم تشرك الولايات المتحدة في المشاورات بشأنها، قبل عرض مشروع القرار[3].

وبلغ من حدة المواجهة بين البلدين أن دفعت فرنسا دول غرب إفريقيا لرفض استضافة مقر قيادة "أفريكوم" إلى القارة. فبعد أن أبدت كل من بوتسوانا وليبيريا استعدادهما لاستضافتها، قادت جنوب إفريقيا حملة دبلوماسية في القارة السمراء لمعارضة الخطوة باعتبارها تشكل انتهاكا غير مقبول لسيادة إفريقيا، وهو ما أدى لاختيار الولايات المتحدة مدينة "شتوتجارت" عاصمة ولاية "بادن فورتمبرج" فى جنوب ألمانيا، مقرا لهذه القوات[4]، ولعل هذا أحد دوافع الولايات المتحدة لتعزيز علاقاتها بدول المغرب، مستثمرة التناقضات التي نشأت بين هذه الدول وبين فرنسا جراء اضطرابات وضغوط شرق المتوسط.

2. مواجهة التمدد الصيني - الروسي في إفريقيا:

هذا الاعتبار من أهم الاعتبارات التي تحكم تحرك الولايات المتحدة نحو إفريقيا. وكانت الولايات المتحدة قد كشفت، في ديسمبر /كانون أول 2018، عن إستراتيجية إفريقية، مصممة لرفع درجة أولوية المصالح الأميركية في القارة، ومواجهة الجهود التي تبذلها كل من الصين وروسيا لتطوير شراكاتهما الاقتصادية والسياسية والأمنية عبر إفريقيا.

وحدد مستشار الأمن القومي الأميركي السابق "بولتون" ثلاثة أبعاد للسياسة التي وضعها في هذا الصدد، تتمثل فيما يلي[5]:

  • تعزيز العلاقات التجارية مع الدول الإفريقية الرئيسية، لزيادة الازدهار الأميركي والإفريقي.
  • حماية الولايات المتحدة من التهديدات الآتية عبر الحدود ضد الصحة والأمن.
  • دعم تقدم الدول الإفريقية الرئيسية نحو الاستقرار والحكم المستجيب للمواطنين، والاعتماد على الذات.

وخلال لقائه مع "مؤسسة هيريتيج"، في أعقاب صدور الرؤية، صرح "بولتون" بأن الولايات المتحدة تسعى لضمان قدرة الدول الإفريقية على الحماية من "الإرهاب والعنف المسلح"، وفي هذا الإطار ستقدم الولايات المتحدة المساعدة للحكومات الإفريقية الكبرى، من أجل بناء المؤسسات لتوفير "الأمن الفعال والمستدام".

وفي إدراك للحساسية الإفريقية حيال الوجود العسكري الأميركي، والذي سبق أن عطل استضافة القارة السمراء لمقر قيادة قوة "أفريكوم"، وشدد على أن إفريقيا هي من سيتولى القيادة في مسار العلاقات الأميركية الإفريقية، وأعلن أن هدف الولايات المتحدة هو أن تمتلك دول المنطقة زمام السلام والأمن في داخلها وفي جوارها[6].

الحديث الأميركي عن "تمكين إفريقيا" كان ينقصه بُعد غاب عن وسائل الإعلام، وهو ما يعكس حساسية القضية كذلك. حيث يرى بولتون أن هذا الارتباط يهدف لتحقيق المصالح والأمن الأميركيين.

ويأتي تحقيق البعد الأمني من خلال مسارين، أولهما: "حماية الصحة" - على نحو ما صرح، وثانيهما: يتعلق بمواجهة العنف المسلح، وهي أهداف لا يمكن الوصول إليها من دون أن يتوفر للولايات المتحدة حضور ميداني ذو طبيعة أمنية.

وبرغم أن القضية مصدر حساسية كبيرة، وبخاصة في الغرب الإفريقي، فإن الولايات المتحدة تتمتع بحضور استخباراتي قوي، علاوة على إرهاصات التعاون العسكري التي تبدت في نشر الولايات المتحدة نحو 7000 موظف عسكري يتبادلون الانتشار، وتستضيفهم قواعد عسكرية محلية في أنحاء مختلفة من القارة، منها أوغندا وجنوب السودان والسنغال والنيجر والجابون والكاميرون وبوركينا فاسو، وفي الكونغو الديمقراطية. هذه القوات تنفذ عمليات مشتركة مع القوات العسكرية للدول الإفريقية في مواجهة العنف المسلح. هذا بالإضافة إلى 2000 جندي إضافيين منخرطين في بعثات تدريبية في نحو 40 دولة إفريقية.

وأهم هذه القوات تنتشر انتشارا عملياتيا في شرق إفريقيا في كل من كينيا والصومال، والتي باتت هي ومحيطها من جيبوتي إلى إريتريا مؤخرا، منطقة اكتظاظ بالقواعد العسكرية، سواء الشرقية (الصين والهند واليابان) أو الغربية (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا)، أو حتى إقليمية (تركيا والإمارات والكيان الصهيوني)[7].

الذريعة الأساسية للوجود العسكري الأميركي في القارة الإفريقية لخصه إسبر في خطابه بمقبرة القوات الأميركية في قرطاج بقوله: "إن الحرب على الإرهاب، وإنهاء القتال في ليبيا، هدفان كفيلان بأن تعتمد عليهما إدارة الرئيس ترامب، لتعميق التعاون الأمني والعسكري مع البلدان المغاربية الثلاثة، حتى دون تنسيق فيما بين هذه الأخيرة"[8].

3. القضية الليبية والمخاوف من تفاقم تداعياتها

كان انهيار ليبيا مصدرا لإشكالات عدة بالنسبة لأوروبا، ومن ورائها الولايات المتحدة، ويمكن الوقوف عند أبرز ملامح أهمية العنوان الليبي في الرؤية الأميركية متمثلا فيما يلي[9]:

= فرصة بالنسبة للعنف المسلح وتنظيمات مثل "القاعدة" و"تنظيم الدولة"، حيث أدى تدفق الأسلحة من ترسانة القذافي والتهريب الذي باشرته دول الجوار الليبي، وبعض الدول الإقليمية للأسلحة - إلى تفاقم الوضع. وأسس تنظيم القاعدة، ثم "تنظيم الدولة" فروعا لهما في ليبيا، واتخذاها مقرا لتجنيد وتدريب المقاتلين، واستغلالهم لاحقا في شن هجمات على دول الجوار وعلى أوروبا، فضلا عن استخدامهم في التهريب الذي كان يكفل لهذين التنظيمين البقاء.

وساعد انهيار الدولة وتنازع السلطة والفراغ الأمني على تمدد نسبي لهذين التنظيمين. وصارت ليبيا مع الوقت مقصدا للمسلحين الهاربين من مناطق مختلفة، من بينها سوريا واليمن وغيرها، حيث يتخذون من ليبيا منطلقا للتسلل إلى أوروبا، أو حتى إلى دول الجوار، وهو ما أدى لقلاقل في تونس، وإثارة حفيظة كل من الجزائر وحتى مصر، وهي دول حليفة لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح باهتزاز الأوضاع فيها مع كثافتها السكانية العالية وأدوارها المهمة إقليميا بالنسبة للمصالح الأميركية.

من جهة أخرى، ورغم خطورة تأثير العنف المسلح، فإن الوجود الروسي في ليبيا مثَّل تحديا يزيد في أهميته على تحدي تنظيمات العنف المسلح، حيث تسعى روسيا لزيادة نفوذها في ليبيا، وربما تطويره لوجود دائم، وتمكن لذلك بالقوة العسكرية، الأمر الذي يكفل لها أداة ضغط قوية على أوروبا، ويهدد العلاقات الأميركية المصرية.

ومن جهة ثالثة، فإن ليبيا تمثل إحدى أهم نقاط الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، وهو ما يهدد الاستقرار الأوروبي، حيث تمثل نقطة التقاء الساعين للهجرة من العمق الإفريقي ومن مناطق الصراع المختلفة، وأبرزها سوريا واليمن، هذا فضلا عما ذكرناه آنفا من توجه المتشددين من مناطق الصراع تجاه ليبيا التي يعتبرونها منطلقا نحو أوروبا.

ومن جهة رابعة، أضحت ليبيا مركزا للتنافس الإقليمي بين دول شرق أوسطية وشمال إفريقية، فيما يجمع المتنافسين أن غالبيتهم حلفاء للولايات المتحدة.

وبالنظر لحزمة المخاطر المرتبطة بالأزمة الليبية، ومع تقدير صعوبة تخلي قطاع من الأطراف الخارجية المتدخلة في ليبيا عن مصالحها، فإن الولايات المتحدة بدأت في التدخل بصورة مباشرة، في محاولة لضبط سلوك الأطراف المتصارعة هناك، ودفع الأمور نحو تهدئة وحل سلمي لا يضادان المصالح الأميركية.

كل هذه الاعتبارات دفعت الولايات المتحدة باتجاه الاقتراب الميداني لأكبر مدى ممكن، حيث سعت خلال الفترة الماضية للوجود في شمال وجنوب تونس (بنزرت - جربة)، من أجل أن تضبط سلوك الأطراف المتصارعة من جهة، وأن تمنع امتداد تأثيرات الصراع لكل من تونس والجزائر. وفي هذا الإطار، تأتي عملية تطوير العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة ودول شمال غرب إفريقيا.


العلاقات الأميركية المغاربية

مع المواجهة الأميركية الفرنسية في غرب إفريقيا، ومع تمدد الحضور الروسي في ليبيا، ومع التغطية الواسعة لأوروبا الغربية لمنطقة شرق إفريقيا، فضلا عن الحضور الأميركي هناك عبر الكاميرون والصومال وكينيا وجنوب السودان، فضلت الإدارة الأميركية أن تبدأ بتعويض القصور الذي خلفته التدخلات غير الفعالة للقوات الفرنسية في غرب إفريقيا، مع البدء بمجموعة من الدول التي تعاني فتورا في العلاقات مع فرنسا، سواء تونس التي خرجت لتوها من مرحلة انقلاب فاشل، ربما تحمل بصمة فرنسية، علاوة على قوة نفوذ تركيا بها، إلى الجزائر التي أضحى من المعتاد أن تكون في حالة توتر مع فرنسا بسبب انتهاء حقبة "جنود فرنسا"، وبداية حقبة يتسم فيها القرار الجزائري بقدر عال من الحسابات الذاتية، وانتهاء بالحليف المغربي. فما هي ملامح التواصل بين الولايات المتحدة وهذه الدول الثلاث.

أ. تونس: الزيارة.. والاتفاق:

تعتبر الولايات المتحدة تونس حليفا مهما منذ عام 2015، وفي هذا الإطار، قدمت الولايات المتحدة لتونس مساعدات عسكرية تقدر بنحو مليار دولار منذ بدء التعاون العسكري بين البلدين[10]، في حين أعلنت السفارة الأميركية في تونس أن المساعدات العسكرية بدأت منذ 2011، وبلغت 211 مليون دولار[11].

علاوة على مساعدات قدمت، بين 2011 و2016، تجاوزت 900 مليون دولار، مساعدات لدعم الديمقراطية والأمن والتنمية الاقتصادية بتونس. وفيما يتعلق بتفاصيل المعدات العسكرية، سلمت واشنطن للقوات الجوية التونسية طائرة نقل عسكرية من نوع "سي 130 جيه" في يناير/كانون الثاني 2015، ثم سلمت القوات البحرية دفعة من مجموعة من 26 زورقا حربيا سريعا في يناير/كانون الثاني2017.

وفي أغسطس/آب 2017، سلمت للقوات الجوية أربع مروحيات "بلاك هوك"، طراز (UH-60) من مجموع 8 طلبتها تونس في 2015 [12]. كما شهدت العلاقات الأميركية الألمانية التونسية تعاونا في تأمين الحدود التونسية، عبر إنشاء نظام مراقبة  إلكتروني دقيق، لمنع التسلل عبر الحدود التونسية الليبية[13].

هذا فضلا عن مشاركة قوات عسكرية أميركية في تدريبات مشتركة مع الجيش التونسي بانتظام. كما نظمت وزارة الدفاع الأميركية عرضا للطيران العسكري في مارس / آذار 2020 في جزيرة "جربة" تحت مسمى المعرض الدولي للطيران والدفاع.

وفي اللقاء الذي جمع وزير الدفاع الأميركي بنظيره التونسي إبراهيم البرتاجي، أكد الأول على التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة[14]، وهو ما يجعل أحد أهم أهداف الزيارة مكافحة وجود القوى الكبرى، خاصة روسيا، ثم الصين، وهو أمر يختلف عن إدارة التوازن الإقليمي في شمال غرب إفريقيا، والذي يبدو وكأن الخصمين: التركي والفرنسي يقومان فيه بالدور المناسب وفق الرؤية الأميركية، التي تحتفظ بحق التدخل لإعادة التوازن للعلاقة بين الخصمين أعضاء الناتو.

في هذا الإطار، كان لافتا - خلال كلمة "إسبر" في مقبرة القوات الأميركية في قرطاج - أن يشير إلى أن الانخراط الفعلي الأول لقوات أميركية في الحرب العالمية الثانية تمثل في مواجهة القوات الألمانية في شمال إفريقيا، عندما اتجهت دول المحور للتمركز في إفريقيا لقطع إمدادات الحلفاء، وهي إشارة مباشرة لتمركز القوات الروسية في ليبيا، ومحاولتها إرساء هذا التمركز أسوة بما يحدث في قواعدها في سوريا.

ولهذا، كانت الفقرة التالية في خطاب "إسبر" تتعلق بالتمدد الروسي والصيني، وبسطهما نفوذهما الاستبدادي في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك هذه القارة (إفريقيا)[15].

من جهة ثانية، قدم وزير الدفاع الأميركي لنظيره التونسي نسخة مطابقة للأصل من مسدس يعود لأول رئيس للولايات المتحدة الأميركية "جورج واشنطن"، وترافق مع الهدية تشديد "إسبر" على "أهمية بقاء الجيش بعيدا عن السياسة"[16]، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة راضية عن موقف الإدارة التونسية من الصراع التركي الفرنسي، والتوازن الذي تراعيه إدارة قيس سعيد فيما يتعلق بتلك المواجهة، وأن الولايات المتحدة غير راضية عن التوافق الفرنسي الروسي النسبي في شمال إفريقيا، وهو أحد أهم الدوافع لرفع الولايات المتحدة درجة اهتمامها بالإقليم، ومن ثم ترتيب هذه الزيارة على مستوى وزير الدفاع الأميركي نفسه.

ومن جهة ثالثة، كانت القضية الليبية أحد أهم محاور اللقاء، ويبدو أن ثمة اتجاها لتفاهم أميركي - تونسي حول مستقبل الوضع في ليبيا، حيث جدد رئيس الدولة موقف تونس الداعي إلى إيجاد حل سياسي ليبي- ليبي، دون أي تدخل خارجي، وجدد الحديث عن استعداد تونس لتوفير كل التسهيلات الرامية لإيجاد تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وبخاصة استقرارها ، ولفت إلى أن تونس تعد من أكثر البلدان تضررا من تأزم الأوضاع في ليبيا.

من جهته، أعلن وزير الدفاع الأميركي مشاطرة بلاده لهذه الرؤية مع تونس، وأكد استعداد بلاده للمساهمة في إيجاد حل سلمي من شأنه أن يضع حدا للأزمة في ليبيا ، ويساهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة[17].

وعلى صعيد رابع، وقع وزير الدفاع الأميركي مع نظيره التونسي اتفاقية أمنية مدتها 10 سنوات، لم يعلن أي من الطرفين عن تفاصيلها الفنية والإستراتيجية، لكن مما كشفت عنه التصريحات المختلفة ما يلي[18]:

1. كشف مسؤول مرافق لوزير الدفاع الأميركي أن هذا الاتفاق التعاوني العسكري استغرق التفاوض حوله قرابة العامين، وأنه يستمر لمدة 10 سنوات، وأن أحد أهم أهدافه يتمثل في تطوير العلاقات بين البلدين،  وبخاصة فيما يتعلق بالتدريبات المشتركة، وذلك في حال قررت تونس شراء أسلحة أميركية دقيقة.

2. كشفت وزارة الدفاع الأميركية كذلك عن أن "خريطة الطريق" ركزت على 3 مشتركات، هي: الأهداف الأمنية المشتركة، والمصالح المشتركة، والتهديدات المشتركة.

وصرح المسؤول المرافق لوزير الدفاع بأن الأهداف المشتركة تتمثل في "حرية الملاحة في المتوسط، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وعمليات الإغاثة الإنسانية.

3. أعلنت السلطات التونسية أنه ليس هناك قاعدة عسكرية أميركية على أراضيها، ولن تكون مستقبلا. وإن كانت تقارير إعلامية أميركية قد كشفت في 2017 عن وجود فريق عسكري أميركي متخصص في تسيير الطائرات المسيرة في قاعدة "سيدي أحمد" التونسية في محافظة بنزرت (شمال تونس)[19]، مع إشارة مراقبين إلى أن مناقشات الكونغرس كشفت أن الاتفاق تضمن تمديد الوجود الأميركي في هذه القاعدة إلى 2030، وأن هذا الوجود قابل للتمديد حتى 2050 [20].

وذكر مراقبون بأن السرية التي تلف الاتفاق يمكن أن يكون مردها لتحويل قاعدة "سيدي أحمد" إلى قاعدة تمركز قوات "أفريكوم"[21]، وهو ما أكده مراقبون كذلك لقناة "دويتشه فيله" الألمانية[22].

ويرجح أن الفرق المتخصصة في تسيير الطائرات المسيرة ستتراوح أهداف وجودها ما بين التدريب والمراقبة الاستخباراتية، حيث يرى مراقبون أن تونس لا يبدو أنها ستقبل باستغلال مجالها الجوي والبري من أجل شن هجمات، وهو الأمر الذي يبدو نتاجا للانتقادات الواسعة في أوساط الرأي العام التونسي في أعقاب إعلان القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم)، في بيان لها أصدرته في مايو /أيار 2020.

في البيان عبرت (أفريكوم) عن اعتزامها إرسال فرق دعم إلى تونس في أعقاب تأزم الوضع في ليبيا، وهو ما دفع قيادة "أفريكوم" لإصدار بيان ثان أعلنت فيه أن هذه الفرق ستكون للتدريب المشترك، وليس للقتال[23].

ولعل هذا ما يفسر تصريحات إسبر المتعلقة بحماية حدود تونس مع الجارة ليبيا، حيث الوضع الأمني يزداد تأزما مع تواتر التدخلات الأجنبية، حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة مسرورة لتعميق التعاون من أجل مساعدة تونس على حماية موانئها وحدودها"[24].

غير أن مراقبين يرون أن الحكومة التونسية لم تنف وجود قوات أميركية، بل نفت وجود قواعد عسكرية. وفي جلسة استماع برلمانية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، أعلن وزير الدفاع حينها، عبد الكريم الزبيدي أنه "لا يوجد شبر من التراب التونسي خارج عن السيادة التونسية"، وأن "كل الموجود هو في إطار تبادل عسكري مع عدد من الدول"[25].

4. كشف مراقبون عن أن مناقشات الكونغرس حول "خارطة الطريق" الأميركية التونسية تضمنت النص على تجديد نظام المراقبة الإلكترونية التونسية بالكامل، وهو ما يعني سحب هذا المشروع من تركيا. وأضاف المراقبون أن الاتفاق تضمن تصنيع نظام المراقبة المطبق في تونس، بغرض تلبية احتياجات "أفريكوم"[26].

5. من التصريحات التي صدرت عن مكتب وزير الدفاع التونسي، أن المباحثات بين وزيري دفاع البلدين، تناولت مناقشة سبل تعزيز التعاون ضد التنظيمات المسلحة[27]، حيث صرح "إسبر" خلال لقائه بالرئيس التونسي، قيس سعيد، عن استعداد بلاده لمشاركة تونس في رؤيتها لمعالجة ظاهرة الإرهاب[28].

ب. الجزائر.. الإفلات من الأسر الروسي - الصيني - الفرنسي:

كما أشرنا من قبل، فإن هذه الزيارة للجزائر تعد الأولى لوزير دفاع أميركي منذ 2006، وهي زيارة تأتي إثر توتر متكرر الوتيرة خلال العام الأخير بين كل من فرنسا والجزائر، حيث تأزمت العلاقة خلال عام الحراك الجزائري، وازدادت تأزما عقب اعتقال السلطات الجزائرية للوبي الفرنسي في الجزائر.

غير أن التوترات لم تلبث أن طالتها مساعي المصالحة عبر لقاء الرئيسين الفرنسي والجزائري على هامش مؤتمر برلين الخاص بالأزمة الليبية في يناير /كانون الثاني 2020، وما أعقبها من زيارة وزير الخارجية الفرنسي "جان-إيف لودريان" للجزائر[29]، قبل أن تعود العلاقات للتوتر مجددا في يونيو /حزيران 2020، بسبب فيلم وثائقي عن حراك الجزائر[30].

فيما يرى مراقبون أن التوترات تعود في أسبابها لتحرر الجيش من "جماعة فرنسا"، واستقلالية القرار الجزائري بشأن ليبيا بعيدا عن الإرادة الفرنسية[31]، وموافقة حكومة الجزائر على تزويد مناطق غرب ليبيا بالكهرباء، والمساعدة العاجلة على إصلاح خلل في محطة توليد الكهرباء التي تزود طرابلس، وهو ما يُشير إلى تغييرات في التحالفات، وفشل محاولات إقصاء الجزائر من الملف الليبي.

هذا فضلا عن حدوث تقارب جزائري - تركي على صعيد التعاون الأمني والعسكري[32]، وكلها اعتبارات تقلق فرنسا. ولعل مدخل استثمار لحظات التوتر المتكررة بين فرنسا والجزائر، وقف وراء تصدير بيان وزارة الدفاع الأميركية شكرها للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على جهوده لإرساء "الاستقرار الإقليمي"، فضلا عن زيارة وزير الدفاع للنصب التذكاري الذي يخلد ذكرى المليون جزائري ضحية الحقبة الاستعمارية[33].

البعد الأول للقاء "تبون" - "إسبر" تمثل في مناقشة قضايا الأمن الإقليمية، حيث أشار البيان الإعلامي للوزارة إلى أن الطرفين تباحثا - على الترتيب - القضايا الخاصة بكل من شمال إفريقيا والساحل الغربي، وقضية مستقبل الحل السياسي في ليبيا، والوضع غير المستقر في مالي، كما ناقشا القضية الخاصة بالعنف المسلح في المنطقة وما وراءها.

أما على صعيد النقاط التي تعمق الطرفان في منافشتها فتمثلت في سبل "مكافحة الإرهاب"، وتعزيز عملية التدريب والتفاعلات العسكرية التدريبية.

البعد الثاني الذي ركزت عليه كل وسائل الإعلام التي تداولت أنباء الزيارة تمثل في استعداد العسكرية الجزائرية للعب دور نشط خارج حدودها فيما يتعلق بحفظ السلام. وقد صرح دبلوماسي غربي في الجزائر مطلع على فعاليات الزيارة لرويترز أن "إسبر يريد مناقشة الدور المحتمل للجيش الجزائري في المنطقة، بمجرد إقرار الدستور الجديد، لأنه يسمح بعمليات لحفظ السلام في الخارج"[34].

وفي هذا الإطار، وبالنظر للحضور الجزائري القوي في "مالي"، وقدرتها على التأثير ولعب دور فعال عند الضرورة، وعلاقاتها الطيبة مع القبائل العربية والأمازيغية التي تتنقل على الحدود بين الجزائر ومالي، تعد من أهم أسباب التواصل الأميركي مع الجزائر التي تنظر بعين قلق متنام للتطورات في مالي، وتأمل في أن تملأ الفراغ الأمني الناجم عن عدم قدرة الحضور العسكري الفرنسي على كبح جماح العنف المسلح في غرب إفريقيا، وذلك خشية تكرار نموذج انقلاب 2012 الذي تبعه ارتفاع واضح في سطوة الجماعات المسلحة في المنطقة[35].

البعد الثالث يتمثل في استثمار العلاقات الطيبة التي قامت الجزائر ببنائها مع الغرب الليبي، فضلا عن علاقاتها الإيجابية مع الشرق الليبي، إضافة لاتصالاتها المستمرة مع القبائل والشخصيات العامة، وهو ما يعكس قدرة الجزائر على لعب دور فعال فيما يتعلق بترتيبات الحل السلمي المرتقب في ليبيا، على خلاف مصر، التي نجحت أطراف إقليمية في استدراجها لتكون طرفا في المواجهة[36].

البعد الرابع الذي تناولته بعض وسائل الإعلام الغربية على استحياء، وربما بسبب حساسيته الدبلوماسية، أن التواصل الجزائري الأميركي هو تواصل يأتي من جانب دولة لم تتعاط بكثافة مع العسكرية الأميركية، حيث كانت العسكرية الجزائرية - منذ الاستقلال في 1962، منغلقة على نمط التسليح السوفيتي، وانتقلت نفس الهيمنة على الثقافة التسليحية إلى روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما يمكن تقدير أثره بالنظر لكون 67% من السلاح الجزائري خلال الفترة ما بين 2015 و2019 صناعة روسية.

ومن جهة ثانية، تحتل الصين المرتبة الثانية كمورد للسلاح إلى الجزائر، حيث إن 13% من واردات السلاح الجزائرية خلال الأعوام الخمسة الماضية أتت من الصين، وهو ما دفع مسؤولا رسميا أميركيا للتصريح بأن أحد أهداف زيارة "إسبر" تتمثل في رغبة البنتاجون في تعويض الغياب النسبي للولايات المتحدة عن الجزائر[37].

ويلاحظ في هذا الإطار أن "إسبر" كرر في زياراته المغاربية عبارة الرئيس الأميركي الذي يرى أن كلا من الصين وروسيا تباشران في إفريقيا دورا "ضاريا"، ويتحركان بغرض تقويض السيادات الوطنية للدول التي يتحركان فيها، ولعل هذا ما دفع "إسبر" لعنونة تصريحاته الصحفية بأن المباحثات تناولت تعزيز سيادة دول المغرب، وهي العبارة التي كررها في كل من تونس والجزائر والمغرب.

ج. المغرب.. هل يتجه نحو التصنيع العسكري؟

كان المغرب آخر محطة من الجولة المكوكية لوزير الدفاع الأميركي. وإذا كانت أهمية تونس تتمثل في موقعها الإستراتيجي في منتصف البحر المتوسط، مع وضع جيوسياسي عسكري أقرب إلى اللسان في قلب البحر، وهو ما عزز الحوار حول إقامة قاعدة دائمة لقوة "أفريكوم" فيها، وهو ما يفيد مراقبون بأنه جرى الاتفاق على ذلك بالفعل، وغطته سرية الاتفاق، إلا أن المغرب يحمل أكثر من وجه للأهمية في هذا الصدد.

فمن جهة، يمثل المغرب إحدى جانبي بوابة الخروج من المتوسط إلى غرب إفريقيا، ما يجعله مدخلا مناسبا لتعزيز الحضور الأميركي في منطقة غرب إفريقيا، وهو في هذا الإطار يمثل أحد أهم الحلفاء الإستراتيجيين للولايات المتحدة في المنطقة، ويلعب دورا مركزيا كمنصة أو قاعدة عسكرية عملياتية واستخباراتية في التصور الأميركي لأمن غرب إفريقيا. وتمثل الولايات المتحدة المزود الأثقل للسلاح المغربي (91% من السلاح المغربي مصدره الولايات المتحدة)[38]، كما أن هذا الوضع الإستراتيجي له جعله يحتضن مناورات الأسد الإفريقي تحت إشراف القيادة العسكرية الأميركية لإفريقيا (أفريكوم) سنويا[39]، هذا فضلا عما تجنيه القدرة العملياتية المغربية مع انتظام أكثر من 100 تمرين سنوي بين قوات البلدين على الأسلحة المختلفة البحرية والجوية وحتى البرية[40]، أبرزها تدريبات "فونكس إكسبرس" البحرية، و"فلينتوك" لمكافحة الإرهاب.

ومن جهة ثانية، فإن السياسة الهادئة والمتوازنة للمغرب، مكنته من أن يلعب دورا أساسيا ضمن جهود تسوية الأزمة الليبية، وهو ما نتج عنه اتفاق الصخيرات (2015)، ثم حوارات بوزنيقة (2020)، وهو ما يجعلها مديرا كفئا للجانب السياسي من عملية عزل روسيا عن المسرح الليبي، ضمن الرؤية السياسية الأميركية لمحاصرة الموجة الثانية من التمدد الروسي في منطقة الشرق الأوسط.

وخلال الزيارة، وقع الوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبد اللطيف لوديي مع وزير الدفاع الأميركي "اتفاقا للتعاون العسكري" مدته 10 سنوات، على غرار الاتفاقية مع تونس، تحت مسمى "خارطة طريق في مجال الدفاع والأمن (2020-2030)"، وهي الاتفاقية الثانية التي توقع بين البلدين، بعد "اتفاقية مكافحة الإرهاب" (2014). وبالنظر لعمق العلاقات العسكرية بين البلدين، يثور التساؤل حول القيمة المضافة للاتفاقية الأخيرة.

في هذا الإطار، كشف وزير الخارجية ناصر بوريطة، أن هذه الاتفاقية تأتي في إطار تحديث الصناعات العسكرية والدفاعية في المغرب، وهو ما أكده الوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبد اللطيف لوديي، الذي صرح بأنه بحث مع وزير الدفاع الأميركي عملية "تعزيز التعاون العسكري والنهوض بالاستثمار الأميركي في مشاريع الصناعات الدفاعية بالمغرب.

وكشف عن اقتراحه "النهوض بمشاريع مشتركة للاستثمار بالمغرب في قطاع صناعة الدفاع بهدف نقل التكنولوجيا والبناء التدريجي لاستقلالية المغرب في هذا المجال"[41].

ورغم أن تصريحات "لوديي" لم تؤكد توقيع اتفاق خاص بالتصنيع العسكري، فإن باحثين في الشؤون العسكرية والأمنية، صرحوا لصحف مغربية بأن "الاتفاق يهدف لخلق نواة صناعية عسكرية فيما يتعلق بصنع الذخيرة وبعض الأسلحة الخفيفة، وهو ما سيقلص الميزانية العامة المخصصة لاستيراد هذه الأسلحة".

ونوهوا إلى مصادقة العاهل المغربي على قانون يمهد الإطار للاستثمار في هذا المجال، سواء بالنسبة إلى القطاع الخاص المحلي أو المستثمرين الأجانب"[42].

البعد الثاني للاتفاق كما ورد في تصريحات الوزراء المغاربة والولايات المتحدة شدد على عنصر جاهزية القوات المغربية. وفي هذا الإطار، لفت وزير الدفاع الأميركي إلى أن المغرب تعد بوابة لإفريقيا، والربط بين الدلالتين بتصريحات متتالية ربما ينصرف لرغبة الولايات المتحدة في توفير نموذج عسكري كفء يمكن تقديمه للقطاع الغربي من القارة السمراء، كبديل عن نموذج المواجهة الفرنسي الذي لم ينجح في كبح جماح العنف المسلح في غرب إفريقيا.


خاتمة

نجح الرجل هادئ الملامح والتصريحات "مارك إسبر" في تمرير عاصفة الزيارة الثلاثية من دون إثارة تداعيات تذكر، لكنه مررها بفاعلية حملت روح "القوة الذكية" التي بنى بها مستشار الأمن القومي الأميركي "جون بولتون" إستراتيجية العودة لإفريقيا، وهي الخطة التي بدأ تنفيذها بحضوره، واستمرت بعد رحيله عبر الشروع في مفاوضات مع حكومة يوسف الشاهد في تونس، ليقطف ثمارها "قيس سعيد" بعد عامين.

في الوقت الذي نجحت فيه الولايات المتحدة في وصل حبال الود بينها وبين الدولة المغاربية التي كانت وما تزال أسيرة الهيمنة العسكرية الروسية، وانتهاء برفع سقف طموحات الحليف المغربي.

الضلع الثالث - العسكري - من الإستراتيجية الأميركية في العودة إلى إفريقيا بدأت بتجاوز نقاط التماس الملبدة مع فرنسا في غرب إفريقيا، واختارت البدء من شمال إفريقيا - شمال الصحراء، مستهدفة تطويق الأزمة الليبية من بوابتها المغاربية بعد احتراق الورقة المصرية التي تورطت كطرف في المواجهة الأهلية في ليبيا، مستغلة في ذلك القرب الجغرافي التونسي لإنتاج منظومة استخباراتية دقيقة، وتهيئة منطلق عمليات قوي في شمال تونس وجنوبها.

كما تقربت من الجزائر التي ساندت طرفي الأزمة في ليبيا، وتواصلت معهما، وخلقت معها علاقات يمكن البناء عليها لاحقا، علاوة على علاقات الجزائر المتنامية بقبائل ليبيا في الغرب والجنوب، ووطدت علاقاتها بالشخصيات النافذة في هذه القبائل، علاوة على تعميق الصلة بالحليف المغربي صاحب الاختراقين الواضحين في الأزمة الليبية (الصخيرات)، و(بوزنيقة).

وفيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، تخيرت الإدارة الأميركية أن تبدأ من شمال إفريقيا، ثم تتجه جنوبا. حيث اختارت وأسست لإمكانية توطين "أفريكوم" في شمال القارة السمراء عبر البوابة التونسية، والتعاون مع كل من الجزائر والمغرب لتسهيل احتواء مالي، والعمل على منع تكرار نموذج 2012  العنيف بها، مع توفير نموذج عملياتي كفء عبر الجاهزية المغربية، والتي ستوظفها فيما بعد لتوسيع نطاق عمليات "الأسد الإفريقي"، لتبدأ بعدها في التحرك جنوبا متجاوزة خط مالي - النيجر - موريتانيا باتجاه مرحلة خط بوركينافاسو - السنغال - نيجيريا، وصولا للمرحلة الثالثة مع الوصول للمحيط الأطلسي عبر بوابات غينيا وليبريا التي كانت إحدى الدول التي عرضت استضافة مقر "أفريكوم" قبل أن تواجه برادع من المجموعة الفرانكفونية التي قادتها جنوب إفريقيا لمنع استضافة دول القارة الإفريقية للقيادة العملياتية الأميركية الخاصة بإفريقيا.

أما فيما يتعلق بالمواجهة مع روسيا والصين، فإن الولايات المتحدة لجأت لتعزيز أنظمة الرقابة في تونس لتوفير بنية استخباراتية معلوماتية يمكن الاعتماد عليها في كبح جماح الوجود الروسي في ليبيا، لكنها ستكون أكثر اعتمادا على قوتها الناعمة إذا أرادت أن تواجه الحضور الصيني المتنامي في هذه القارة، لكن بدايتها الموفقة مع اختراق النموذج الجزائري المرتهن لنموذج التسليح الروسي – الصيني، تمثل توجها واعدا لمنع خلق شريط روسي في شمال إفريقيا، يمتد من الجزائر وحتى مصر مرورا بليبيا المأزومة.

في هذا الإطار، فإن تهميش الدور الفرنسي في شمال غرب إفريقيا يعد عاملا مساعدا، لا أكثر، ويمكن الولايات المتحدة من تسريع وتيرة تنفيذ الرؤية الجديدة. وتبقى نتائج التحركات مرتهنة بمتتالية ردود الأفعال التي ستصدر عن رباعي: روسيا - الصين - فرنسا، وحتى تركيا.


المصادر:

[1] Tony Chafer - Gordon D. Cumming, France in the Sahel: a case of the reluctant multilateralist?, The Converstaion, 3 August 2020. https://bit.ly/2FYNfVB

[2] SAMUEL RAMANI, France and the United States Are Making West Africa’s Security Situation Worse, Foreign Policy Magazine, 12 SEPTEMBER 2020. https://bit.ly/3kthUcH

[3] John Campbell, Cutting U.S. Military Support for France in West Africa Would Be a Mistake, Council on Foreign Relations, 28 January 2020. https://on.cfr.org/3mkTGld

[4] Dan Lamothe, The Trump administration is considering moving U.S. Africa Command. It won’t be cheap or easy, The Washington Post, 10 September 2020. https://wapo.st/3jq2OmJ

[5] Salem Solomon, New Africa Strategy Pits US Against China, Russia, VOA News, 14 December 2018. https://bit.ly/35Bvq7T

[6] Netfa Freeman, John Bolton Says He Wants to Protect Africa from ‘Predatory’ Chinese Behavior. What About Washington’s?, Foreign Policy on Focus, 21 December 2018. https://bit.ly/3monOMO

[7] Theo Neethling, Why foreign countries are scrambling to set up bases in Africa, The Converstaion, 15 September 2020. https://bit.ly/31GH1RY

[8] منصف السليمي، تحليل: ترامب وإسرائيل في ملعب "الدب الروسي" والعملاق الصيني، موقع "قناة دويتشه فيله"، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3kFWxVi

[9] Emily Estelle, A Strategy for Success in Libya, American Interprise Institute, NOVEMBER 2017, PP: 1 - 2.

[10] نور الدين مباركي، وزير الدفاع الأميركي يوقع اتفاقا عسكريا مع تونس لمدة عشر سنوات، موقع "قناة فرانس 24"، 30 سبتمبر 2020. https://bit.ly/37EQfBH

[11] يسرى وناس، وزير الدفاع الأميركي في تونس بمستهل جولة مغاربية، وكالة أنباء الأناضول، 30 سبتمبر 2020. https://bit.ly/2HxbcE9

[12] لطفي حيدوري، واشنطن وتونس.. دعم عسكري مستمر وجدل سياسي متجدد (تقرير)، وكالة أنباء الأناضول، 6 أكتوبر 2020. https://bit.ly/2TCdJQ1

[13] Bouazza Ben Bouazza, Esper kicks off North Africa tour in Tunisia, Military Times, 30 September 2020. https://bit.ly/3mn7UCk

[14] نور الدين مباركي، وزير الدفاع الأميركي يوقع اتفاقا عسكريا مع تونس لمدة عشر سنوات، موقع "قناة فرانس 24"، 30 سبتمبر 2020. https://bit.ly/37EQfBH

[15] السفارة الأميركية في تونس، كلمة وزير الدفاع الأميركي مارك ت. إسبر بالمقبرة الأميركية في شمال إفريقيا – قرطاج – تونس: https://bit.ly/2HytLaC

[16] نور الدين مباركي، وزير الدفاع الأميركي يوقع اتفاقا عسكريا مع تونس لمدة عشر سنوات، موقع "قناة فرانس 24"، 30 سبتمبر 2020. https://bit.ly/37EQfBH

[17] فريق التحرير، ما حصيلة زيارة وزير الدفاع الأميركي لتونس؟، موقع "ألترا تونس"، 30 سبتمبر 2020. https://bit.ly/31H8fHZ

[18] JIM GARAMONE, U.S. & Tunisia Sign Road Map for Defense Cooperation, US Department of Defense, 1 October 2020. https://bit.ly/34sKkhd

[19] الأشارة السابقة: https://bit.ly/34sKkhd

[20] U S Congress Act, All Information (Except Text) for H.R.157 - Combatting Terrorism in Tunisia Emergency Support Act of 2017: https://bit.ly/3e0cYJU

[21] عبد الحميد العوني، القـ ـاعـ ـدة الأميركية في سيدي أحمد بتونس إلى 2030، موقع "يوتيوب"، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/31GSGjk

[22] منصف السليمي، تحليل: ترامب وإسرائيل في ملعب "الدب الروسي" والعملاق الصيني، موقع "قناة دويتشه فيله" العربية، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3kFWxVi

[23] نور الدين مباركي، وزير الدفاع الأميركي يوقع اتفاقا عسكريا مع تونس لمدة عشر سنوات، موقع "قناة فرانس 24"، 30 سبتمبر 2020. https://bit.ly/37EQfBH

[24] وكالات، مدته 10 سنوات..وزير الدفاع الأميركي يوقع في تونس اتفاق تعاون عسكري، صحيفة "أخبار اليوم"، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/35AcSVc

[25] لطفي حيدوري، واشنطن وتونس.. دعم عسكري مستمر وجدل سياسي متجدد (تقرير)، وكالة الأناضول للأنباء، 10 يونيو 2020. https://bit.ly/2TCdJQ1

[26] عبد الحميد العوني، القـ ـاعـ ـدة الأميركية في سيدي أحمد بتونس إلى 2030، موقع "يوتيوب"، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/31GSGjk

[27] نور الدين مباركي، إشارة سابقة. https://bit.ly/37EQfBH

[28] أوليفر دوليري، ماذا في زيارة وزير الدفاع الأميركي إلى تونس؟، وكالة "سبوتنيك" الإخبارية الروسية، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/37FqtNZ

[29] عائد عميرة، بعد توتر العلاقات.. فرنسا تسعى للعودة إلى الجزائر، موقع "نون بوست"، 22 يناير 2020. https://bit.ly/3opgIt9

[30] يونس بورنان، "الجزائر أرض الثورات".. سحابة "توتر" مع فرنسا، موقع "العين" الإخباري، 2020/9/22. https://bit.ly/3e05uGO

[31] المحرر، أسباب أخرى غير الوثائقي... أسرار توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا، وكالة "سبوتنيك" الإخبارية الروسية، 1 يونيو 2020. https://bit.ly/31GylLc

[32] المحرر، أردوغان يعلن تأسيس مجلس تعاون تركي جزائري رفيع المستوى، وكالة أنباء الأناضول، 26 يناير 2020. https://bit.ly/37F9D1y

[33]  JIM GARAMONE, Esper Discusses Expanding Military Cooperation With Algeria, 1 October 2020. https://bit.ly/3mjfP3m

[34] Correspondants, U.S. defense chief's rare Algeria visit points to Sahel region threats, Reuters, 1 OCTOBER 2020. https://reut.rs/3kuRxD9

[35] Alghad TV - قناة الغد، خبير أمني: 3 أهداف وراء زيارة وزير الدفاع الأميركي إسبر إلى الجزائر، موقع "يوتيوب"، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/2TlKRLE

[36] الإشارة السابقة

[37] Ryan Browne, US Secretary of Defense makes rare visit to Algeria, CNN, 1 October 2020. https://cnn.it/3kvqF5M

[38] منصف السليمي، تحليل: ترامب وإسرائيل في ملعب "الدب الروسي" والعملاق الصيني، موقع "قناة دويتشه فيله"، 1 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3kFWxVi

[39] المحرر + وكالات، وزير الدفاع الأميركي يختتم جولته المغاربية بتوقيع اتفاقية تعاون مع الرباط، موقع "قناة يورونيوز" العربية، 2 أكتوبر 2020. https://bit.ly/34qw9t6

[40] السقفارة الأميركية في المغرب، بيان حول اللقاء الذي جمع وزير الدفاع الأميركي مارك ت. إسبر ووزير الدفاع المغربي عبد اللطيف لوديي: https://bit.ly/3dWIwQB

[41] خالد مجدوب، الرباط وواشنطن توقعان اتفاقية تعاون عسكري لمدة 10 سنوات، وكالة أنباء الأناضول، 2 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3jt9pwW

[42] مصطفى شاكري، الاتفاق المغربي الأميركي يفتح باب الصناعات العسكرية أمام المملكة، موقع "هسبريس" المغربي، 5 أكتوبر 2020. https://bit.ly/3e4n6RS

حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

إسرائيل الإمارات الجزائر المغرب الولايات المتحدة تركيا تونس روسيا فرنسا ليبيا