لماذا يشكل سقوط نظام مادورو "ضربة قاسية" لإيران وحزب الله؟

منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

بينما تواجه إيران أزمة داخلية بفعل موجة متصاعدة من الاحتجاجات، وأزمة اقتصادية واجتماعية تهدد وجود الجمهورية، تلقت طهران ضربة أخرى تنذر، بحسب صحيفة عبرية، بـ"فقدان شبه كامل لمعقلها البعيد والإستراتيجي: أميركا اللاتينية".

وترى صحيفة "معاريف" أن "اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات الأميركية صباح الثالث من يناير/ كانون الأول 2026 شكّل الضربة الأقسى ضمن سلسلة من الهزائم التي تكبدتها طهران في القارة خلال عام 2025".

فبالنسبة للقيادة في طهران التي تراقب بقلق ما يجري بالتزامن مع موجة الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح المدن الإيرانية خلال الأسبوع الأخير، فإن سقوط كراكاس يشكل "إشارة تحذير صارخة".

وتعتقد الصحيفة أن "تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي عبّر فيها عن دعمه غير المشروط لـ(المواطنين الإيرانيين الشجعان المطالبين بحريتهم)، جاءت لتؤكد الرسالة بوضوح: ما حدث لمادورو قد يحدث لكم أيضا".

قاعدة لوجستية

"لفهم حجم الصدمة التي أصابت محور القوى الراديكالية، لا بد من العودة إلى عمق العلاقات التي بُنيت خلال العقود الماضية بين طهران وكراكاس"، تقول الصحيفة.

وتابعت: "فقد شكلت فنزويلا، تحت حكم هوغو تشافيز ثم مادورو، القاعدة الأمامية الأهم لإيران وحزب الله في نصف الكرة الغربي".

إذ إن لطهران مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية في فنزويلا، بدءا من تجارة النفط والتعاون في مواجهة العقوبات، مرورا بمصانع إنتاج الطائرات المسيّرة، وصولا إلى الدعم السياسي في المحافل الدولية.

واستطردت: "فنزويلا كانت مركز النشاط الإيراني في القارة، فمنها نُقلت الأسلحة والتقنيات الإيرانية إلى أنحاء أميركا الجنوبية، وهناك عمل مستشارون إيرانيون لدعم نظام مادورو".

وذكرت الصحيفة بعضا من أوجه هذا التعاون المشترك قائلة: "على مدى سنوات، فعّلت الدولتان (جسرا جويا) عبر شركة الطيران الإيرانية (ماهان إير)".

وأشارت إلى أنه "بحسب مصادر استخباراتية غربية، استُخدمت هذه الرحلات لنقل معدات حساسة، وعناصر من الحرس الثوري، وتقنيات متطورة، في التفاف على العقوبات الدولية".

"كما وفرت فنزويلا لإيران وقودا وذهبا بمليارات الدولارات، شكل شريان حياة اقتصاديا حاسما لبقاء النظام الإيراني تحت ضغط العقوبات الثقيلة"، وفق تقديرها.

وبحسبها، "استُخدمت هذه البنية الإيرانية كقاعدة تهديد محتملة ضد الولايات المتحدة من فنائها الخلفي، في سيناريو افتراضي قد تحتاج فيه إيران إلى الوصول المباشر للقارة الأميركية".

أما بالنسبة لحزب الله، فقالت الصحيفة: "وفّرت إيران لحزب الله موطئ قدم في البلاد، ونشرت فيها مستشارين عسكريين".

من جانب آخر، لفتت الصحيفة إلى أن إيران "استغلت وجود الجاليات الشيعية الكبيرة في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا لبناء بنية تحتية لـ(القوة الناعمة)".

"تشمل قناة هيسبان تي في التي تبث الدعاية الإيرانية، والتأثير على تعيين الأئمة، والمؤسسات الأكاديمية مثل جامعة المصطفى، والمراكز الدينية التابعة للسفارات، والتي كانت في الواقع مراكز للتجسس"، وفق تعبير الصحيفة.

هزائم متتالية

من منظور أوسع، قدرت صحيفة "إسرائيل هيوم" أن "اعتقال مادورو ينضم إلى سلسلة ضربات تلقتها إيران في أميركا اللاتينية خلال عام 2025".

وتابعت موضحة: "فقد جاءت انتخاب خوسيه أنطونيو كاست رئيسا لتشيلي في ديسمبر/ كانون الأول 2025 ضمن تحولات سياسية دراماتيكية".

"تمثلت في انتخاب رودريغو باز في بوليفيا، وإعادة انتخاب دانيال نوبوا في الإكوادور، وصعود خافيير ميلي في الأرجنتين، الذي جعل مواجهة إيران هدفا مركزيا، بل ودفع نحو محاكمة المسؤولين عن تفجير مبنى الجمعية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994".

وبالتالي، خلصت الصحيفة إلى أن "الأساس الأيديولوجي الذي سمح لإيران بالتحالف مع دول في أميركا اللاتينية المتمثل في العداء للغرب انقضى، فالقادة الجدد يمثلون نهجا مغايرا تماما، ما يفاقم عزلة طهران ويقوض نفوذها في القارة".

إضافة إلى هذه التغيرات التي حدثت خلال عام 2025، توقعت الصحيفة أن تؤدي الانتخابات المقرر إجراؤها في البرازيل وكولومبيا خلال عام 2026 إلى "تغييرات سياسية محتملة تضعف مكانة إيران في القارة بشكل أكبر".

وعزت ذلك بالقول: "ففي كولومبيا، لا يستطيع الرئيس غوستافو بيترو -وهو من تيار اليسار الراديكالي الذي قطع العلاقات مع إسرائيل، وشبّه أفعالها بالنازية، ودعا إلى إنشاء جيش لتحرير فلسطين- الترشح لولاية جديدة".

في سياق متصل، قدرت الصحيفة أن "ينعكس اعتقال مادورو بالسلب على النظام الشيوعي في كوبا الذي يعتمد بدرجة كبيرة على علاقاته مع أنظمة حليفة مثل فنزويلا".

فوفقا لها، "شكلت كاراكاس بالنسبة لكوبا سندا اقتصاديا وسياسيا، وسقوط النظام هناك يضعف قدرة هافانا على مواجهة الضغوط الدولية".

بناء على كل تلك المعطيات، جاء رد طهران حادا على اعتقال الرئيس الفنزويلي، فقد سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى إدانة الهجوم، واصفة العملية الأميركية بأنها "عدوان عسكري" و"انتهاك صارخ للسيادة الوطنية ووحدة الأراضي" الفنزويلية. 

وجاء في بيان الخارجية أن "الهجوم العسكري الأميركي يمثل خرقا واضحا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما الحظر على التهديد أو استخدام القوة، ويُعد عملا عدوانيا بكل معنى الكلمة".

ودعا البيان الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى "وقف العدوان غير القانوني فورا" ومحاسبة "المخططين والمنفذين لهذه الجرائم".

تأثير الدومينو

وحول مآلات الانخراط الإيراني في القارة، توقعت الصحيفة العبرية ألا تتخلى طهران عن أميركا اللاتينية، وعللت ذلك قائلة: "فإيران لديها مصلحة في الحفاظ على نفوذها داخل الجالية الشيعية الكبيرة المنتشرة في القارة، ولذلك ستواصل نشاطها حتى في ظروف أقل ملاءمة".

واستدركت: "غير أن هذا الواقع يفتح الباب أمام إسرائيل: فالتغييرات السياسية في القارة -وفي مقدمتها سقوط مادورو- تتيح فرصا للتعاون مع تلك الدول في مواجهة البنية التحتية الإيرانية، وذلك في إطار تعزيز العلاقات مع الحكومات اليمينية الجديدة".

في هذا السياق، لفتت الصحيفة إلى أن "رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان آخر مسؤول دولي يلتقي الرئيس ترامب قبل العملية الأميركية".

ووفقا لها، "تشير التقديرات إلى أن ترامب ربما أطلعه على تفاصيل المخطط مسبقا".

وأضافت: "بالنسبة لإسرائيل، فإن سقوط نظام مادورو يُعد خبرا إستراتيجيا بالغ الأهمية".

وعزت ذلك قائلة: "فإغلاق شريان الأكسجين القادم من أميركا الجنوبية سيُوجّه ضربة اقتصادية قاسية لحزب الله، الذي يعاني أصلا من أزمة مالية خانقة".

"كما أن وقف طرق تهريب الذهب والنفط سيحد من قدرة إيران على تمويل أذرعها في الشرق الأوسط"، بحسب تقديرها.

إلى جانب ذلك، ترى الصحيفة أن "كشف الأرشيف التابع لنظام مادورو على يد القوات الأميركية يُتوقع أن يسلط الضوء على شبكات الإرهاب النائمة لحزب الله في القارة الأميركية، وأن يفضح عملاء إيرانيين ينشطون تحت غطاء دبلوماسي".

واستطردت: "هذه المعلومات ستسهل إحباط أي هجمات مستقبلية تستهدف مصالح إسرائيلية في الخارج".

وفي ظل الاحتجاجات التي تشهدها إيران هذه الأيام، تساءلت الصحيفة عما إذا كان "الجمع بين الضغط الخارجي الذي تجسد في عملية أميركية حاسمة ضد ديكتاتور متمرد، والضغط الداخلي المتمثل في انتفاضات شعبية، يخلق ديناميكية خطيرة تهدد بقاء النظام الإيراني".

وتابعت: "فالمتظاهرون في طهران والأهواز وأصفهان يرون كيف اختفى مادورو بين ليلة وضحاها، ما أدى إلى تراجع الخوف من أجهزة الأمن بشكل ملحوظ"، على حد قولها.

وبحسب رأيها، "تدفع هذه التطورات إيران وحزب الله أكثر فأكثر إلى الزاوية الحرجة".

وأردفت: “السؤال المطروح هو: هل سيختاران انتهاج سياسة (الأرض المحروقة) عبر شنّ عمل عسكري ضد إسرائيل؟”.

واستطردت: "على كل حال، يبدو أن القيادة وضعت هذا الاحتمال في الحسبان، فقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الجيش الإسرائيلي يأخذ هذا السيناريو في الحسبان في الآونة الأخيرة".

تطويق المحور 

على الصعيد الدولي، ترى الصحيفة العبرية أن المسؤولين في موسكو وبكين "يتابعون بترقّب وقلق متزايد ما يجري في كراكاس، إذ إن فنزويلا لم تكن بالنسبة لهم مجرد دولة لاتينية أخرى، بل بمثابة (حاملة طائرات برية) في قلب الهيمنة الأميركية".

ولذلك، تعتقد أن "سقوط مادورو يهدد بمحو استثمارات ضخمة لكلا القوتين العظميين بضربة واحدة".

"فبالنسبة للصين، تكمن الخطورة في احتمال فقدان عشرات المليارات من الدولارات التي مُنحت كقروض مقابل النفط، إضافة إلى تقويض الوصول إلى أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، والتي كانت بكين تطمح إليها ضمن إستراتيجيتها لأمن الطاقة".

أما روسيا، فتقدر أن "خسارتها ليست اقتصادية فحسب، بل إستراتيجية وعسكرية أيضا".

وتابعت: "فقد شكلت فنزويلا قاعدة متقدمة سمحت للروس بنشر قاذفات إستراتيجية وسفن حربية على مقربة من سواحل فلوريدا، في محاولة لموازنة التوسع المستمر لحلف الناتو في شرق أوروبا".

في المحصلة، ترى الصحيفة أن "انهيار النظام الموالي لروسيا في فنزويلا، بالتزامن مع الاضطرابات في إيران؛ يُنظر إليه في الكرملين وفي الحزب الشيوعي الصيني كجزء من خطة أميركية واسعة لتطويق (المحور المناهض للغرب) وتفكيك تحالفاته واحدا تلو الآخر".