الطوارئ الممتدة خارج القانون.. كيف حوّل سعيّد تونس إلى دولة استثناء مفتوح؟

ظلت تونس تحت حالة الطوارئ بشكل مستمر منذ عام 2015
منذ نحو عقد من الزمن، تشهد تونس استمرارًا لحالة الطوارئ في ظل غياب مبررات مقنعة، وهو ما أتاح للسلطات توسيع هامش القيود المفروضة على الحريات العامة، والتضييق على المعارضين، ومنع الاحتجاجات، إلى جانب زجّ العشرات في السجون.
وفي أحدث خطواته ضمن هذا المسار، أصدر رئيس النظام قيس سعيّد، أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، مرسومًا جديدًا يقضي بتمديد حالة الطوارئ حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2026.
ويأتي هذا التمديد في سياق سلسلة متواصلة من قرارات التجديد لحالة الطوارئ، التي أُعلنت للمرة الأولى عقب هجمات دامية شهدتها البلاد عام 2015، حين تعرّض منتجع سياحي في مدينة سوسة شرقي تونس لهجوم مسلح أسفر عن مقتل 38 سائحًا أجنبيًا.
ومنذ ذلك التاريخ، ظلت تونس خاضعة لحالة الطوارئ بشكل شبه دائم، يجرى تمديدها بصورة دورية بذريعة مكافحة الإرهاب والتصدي لما تصفه السلطات بـ"الخطر المحدق"، رغم تراجع التهديدات الأمنية واستقرار الأوضاع، ما يثير تساؤلات واسعة بشأن دوافع الإبقاء عليها واستمرار توظيفها سياسيًا.

ذرائع واهية
منذ تولّي قيس سعيّد زمام السلطة، ثم انقلابه لاحقًا على الدستور عبر ما أسماها "إجراءات استثنائية" في 25 يوليو/تموز 2021، تصاعدت وتيرة القمع الرسمي بحق المخالفين والمعارضين بشكل لافت.
ففي ذلك التاريخ، علّق سعيّد عمل البرلمان، وأقال الحكومة، وجمع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بين يديه، مستندًا إلى تأويله الخاص للفصل 80 من دستور 2014، مدعيًا أن تحرّكه يهدف إلى "إنقاذ البلاد" من خطر داهم، وهي الذريعة ذاتها التي يكررها في كل مرة يُقدم فيها على تمديد حالة الطوارئ.
وسرعان ما شرع سعيّد في ترسيخ حكم فردي، أفضى إلى تقويض مكاسب ديمقراطية تحققت عقب ثورة 2011. وفي هذا السياق، تحوّلت حالة الطوارئ المستمرة إلى أداة مركزية لتوطيد قبضته على مفاصل الدولة وتصفية خصومه السياسيين.
ومنذ عام 2021، فُرضت عشرات قرارات الإقامة الجبرية والمنع من السفر دون أوامر قضائية بحق شخصيات سياسية وقضاة وناشطين، وذلك بتعليمات مباشرة من وزارة الداخلية، استنادًا إلى الصلاحيات الواسعة التي تتيحها حالة الطوارئ.
ويعتمد سعيّد في التجديد المتواصل لحالة الطوارئ على مرسوم رئاسي صدر عام 1978 في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ولا يزال ساري المفعول حتى اليوم، وهو مرسوم يمنح وزارة الداخلية صلاحيات استثنائية بذريعة حماية الأمن العام والنظام.
وتشمل هذه الصلاحيات حظر التجمّعات العامة والاحتجاجات والإضرابات إذا عدت مهدِّدة للنظام أو للأمن، وفرض حظر تجوال ليلي في مناطق محددة، وتنفيذ مداهمات وعمليات تفتيش دون إذن قضائي، فضلًا عن فرض رقابة مشددة على وسائل الإعلام ووسائل التواصل، وإقرار الإقامة الجبرية بحق الأفراد.
وتصف منظمة هيومن رايتس ووتش هذه الإجراءات بأنها تعسفية وذات دوافع سياسية، مشيرة إلى أنها تصاعدت بشكل ملحوظ عقب تحركات سعيّد الاستثنائية.
وبحسب المنظمة، وُضع ما لا يقل عن 50 تونسيًا قيد الإقامة الجبرية خلال الأشهر الأولى التي تلت قرارات يوليو/تموز 2021، بينهم مسؤولون سابقون، وثلاثة نواب في البرلمان، وعدد من القضاة، إضافة إلى منع عشرات آخرين من السفر خارج البلاد.
وبرّر سعيّد هذه التدابير بصفتها ضرورية لـ"تطهير البلاد من الفساد والخونة"، ولجأ إلى حالة الطوارئ لتبرير احتجاز معارضين بارزين خارج الأطر القضائية المعتادة، من بينهم نور الدين البحيري، وزير العدل الأسبق ونائب رئيس حركة النهضة، وفتحي البلدي، الموظف السابق بوزارة الداخلية.
ووفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش، اقتيد الرجلان من قبل عناصر أمن بزي مدني قرب منزليهما إلى أماكن احتجاز غير معلنة، دون أي إذن قضائي.
وبعد ساعات، أعلنت وزارة الداخلية أنهما وُضعا قيد الإقامة الجبرية بصفتها إجراءً "وقائيًا يمليه حفظ الأمن العام"، مستندة إلى الفصل الخامس من مرسوم الطوارئ لعام 1978.
وقالت مديرة مكتب المنظمة في تونس، ساسبيل شلالي: إن "التدابير الاستثنائية الممنوحة بموجب مرسوم الطوارئ تُستغل بشكل تعسفي ودون رقابة قضائية، ما يفتح الباب أمام احتجازات سرية".
وحذّرت شلالي من أن هذه الانتهاكات تقوّض سلطة القضاء وتهدد سيادة القانون، مؤكدة أن السلطات تستخدم حالة الطوارئ كغطاء لتجاوز الضمانات القانونية الطبيعية.

ترجمة عملية
وإلى جانب ذلك، واصل قيس سعيّد تكريس هيمنته على السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ إذ أقرّ دستورًا جديدًا عام 2022 عزّز فيه صلاحيات رئيس الجمهورية على حساب البرلمان والقضاء، في خطوة مثّلت تحولًا جذريًا في طبيعة النظام السياسي.
كما أقدم في العام نفسه على إقالة 57 قاضيًا دفعة واحدة، بذريعة عدم ولائهم وتباطؤهم في إصدار أحكام كان يرغب في تمريرها، وهو ما جرّد السلطة القضائية من ما تبقى لها من استقلالية، وعمّق إخضاعها للسلطة التنفيذية.
وقد تُرجم هذا التوجه السلطوي إلى حملة قمع واسعة النطاق، نالت مختلف أطياف المعارضة السياسية. فمنذ مطلع عام 2023، أطلقت السلطات موجة اعتقالات شملت قادة أحزاب، ونوابًا سابقين، ومحامين، وناشطين، بل وحتى رجال أعمال، تحت عناوين فضفاضة مثل "التآمر على أمن الدولة" أو "الإرهاب".
وغالبًا ما تفتقر هذه الاتهامات إلى أدلة ملموسة، وتُدار عبر مسارات قضائية يشوبها التعسف وغياب معايير المحاكمة العادلة. ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش أنه مع بداية عام 2025 كان ما لا يقل عن 50 شخصًا يقبعون في السجون لأسباب سياسية أو لمجرد ممارستهم حقوقهم الأساسية، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا.
وخلال النصف الثاني من عام 2025، شهدت تونس سلسلة محاكمات وُصفت بالقاسية، إذ أصدر القضاء في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أحكامًا بالسجن وصلت إلى 45 عامًا بحق نحو 40 من السياسيين ورجال الأعمال والمحامين، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"التآمر على أمن الدولة".
ومن بين المحكومين خلال الأشهر الأخيرة، رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، التي صدر بحقها حكم بالسجن 12 عامًا، إضافة إلى القياديين المعارضين شيماء عيسى (20 عامًا) وأحمد نجيب الشابي (12 عامًا).
كما زُجّ براشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان الذي حله سعيّد، والبالغ من العمر 84 عامًا، في السجن بتهم “التآمر على أمن الدولة”؛ حيث يواجه أحكامًا قد يصل مجموعها إلى 42 عامًا.
ولم يقتصر التضييق على الشخصيات السياسية، بل امتد ليشمل المجتمع المدني والصحفيين. فمنذ منتصف عام 2023، صعّدت السلطات حملتها ضد الإعلام المستقل والجمعيات الأهلية.
وفي مايو/أيار 2023، اعتُقل أكثر من عشرة صحفيين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان خلال أيام قليلة. ووصفت هيومن رايتس ووتش هذه الحملة بأنها محاولة "لهدم المؤسسات الديمقراطية في تونس، وتقويض استقلال القضاء، وإسكات حرية التعبير والصحافة".
أما منظمات المجتمع المدني، فقد شهد النصف الثاني من عام 2025 تصعيدًا خطيرًا، تمثل في استهداف مباشر للجمعيات المستقلة، إذ أصدرت المحاكم قرارات بتعليق نشاط 14 منظمة غير حكومية خلال أربعة أشهر فقط، بذريعة تلقي تمويلات أجنبية أو ارتكاب مخالفات إدارية.

تكريس للسلطة
وعلى وقع هذا القمع السياسي غير المسبوق، إلى جانب التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية، شهدت تونس في نهاية عام 2025 تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي عكست حالة احتقان اجتماعي وسياسي متنامية.
وقابلت السلطات موجة الاحتجاجات السلمية الأخيرة بمزيج من التجاهل الرسمي والقمع الميداني. ففي الوقت الذي قلّل فيه الرئيس قيس سعيّد علنًا من شأن هذه التحركات، وواصل التشكيك في دوافعها، استمرت الأجهزة الأمنية والقضائية في ملاحقة الناشطين المشاركين فيها واستهداف منظميها.
ففي 29 نوفمبر/تشرين الثاني، وخلال احتجاج نظمته جمعيات نسوية تنديدًا بالأحكام القضائية التي وصفت بالجائرة، اعتقلت الشرطة الناشطة السياسية شيماء عيسى أثناء مشاركتها في التظاهرة.
كما جرى توظيف تهم من قبيل "خرق حالة الطوارئ" و"تعريض الأمن العام للخطر" لفتح قضايا قضائية ضد عدد من منظمي الاحتجاجات في محافظات مختلفة، بذريعة أن هذه التحركات غير مرخصة قانونيًا.
ولم تتردد قوات الأمن في استخدام القوة المفرطة لتفريق المحتجين، إذ تم التعامل مع المظاهرات بعنف، شمل الاعتداء الجسدي على المتظاهرين واعتقال بعضهم لفترات قصيرة، في ما عد إجراءً ترهيبيًا يهدف إلى ردع أي تحركات مستقبلية.
ومع دخول عام 2026، يواصل قيس سعيّد التمسك بسلاح حالة الطوارئ التي باتت تشكل أحد الأعمدة الأساسية لبنيان حكمه، نظرًا لما توفره له من غطاء "قانوني" لاستمرار الحكم الفردي وتشديد القبضة على المعارضين.
وجاء التمديد الأخير لحالة الطوارئ بعد أن كان سعيّد قد مدّدها لعام كامل في يناير/كانون الثاني 2025، في تجاوز صريح لمرسوم عام 1978، الذي ينص على أن تمديد حالة الطوارئ يكون لفترات لا تتجاوز 30 يومًا، قابلة للتجديد ضمن سقف زمني أقصاه ستة أشهر في المجمل.
ويرى مراقبون أن سعيّد يوظف حالة الطوارئ وغيرها من الإجراءات الاستثنائية بصفتها صمام أمان لبقائه في السلطة، لا سيما في ظل تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد.
فهذه الحالة تمنحه صلاحيات غير عادية تتيح له تعطيل أي حراك جماهيري أو منافسة سياسية حقيقية، تحت ذريعة الحفاظ على الأمن والنظام العام.
كما ترسل في الوقت ذاته رسالة ضمنية مفادها أن البلاد لا تزال تواجه "أخطارًا" مستمرة، تبرر الإبقاء على القبضة الحديدية، سواء تعلّق الأمر بتهديدات أمنية فعلية أو بمعارضين سياسيين يجري تصويرهم باعتبارهم خطرًا على الدولة.
وفي هذا السياق، يقول الصحفي التونسي زياد المزغني: إن السلطة القائمة تعجز عن تقديم مبرر واضح ومقنع لتجديد حالة الطوارئ بشكل متواصل.
وأوضح المزغني، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "الوضع الأمني الحالي يختلف تمامًا عن الفترات السابقة التي أُعلنت فيها حالة الطوارئ بعد ثورة 2011، وكذلك عن السنوات التي شهدت عمليات إرهابية دامية، بلغ بعضها حد استهداف مقار سيادية في قلب العاصمة".
وأضاف أن "من بين النقاط المثيرة للاستغراب في هذا السياق، موقف الرئيس قيس سعيّد نفسه من المرسوم المنظم لحالة الطوارئ قبل توليه السلطة".
وأشار إلى أنه "كان يعد هذا المرسوم غير قانوني وغير دستوري، خاصة أنه ارتبط في الذاكرة التونسية بأحداث أليمة، حين استخدمه نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لقمع التحركات العمالية في يناير/كانون الثاني 1978".
وأكد المزغني أن "تمديد حالة الطوارئ في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن تصاعد الحراك الاجتماعي غير المؤطر، الذي تغذيه جملة من العوامل، في مقدمتها البطالة وتنامي المطالب المحلية".
كما رأى أنه لا يمكن فهم هذه الخطوة خارج سياق “التحركات المؤطرة سياسيًا من قبل قوى المعارضة، أو الإضرابات العمالية التي تتسارع وتيرتها، خصوصًا مع اقتراب تنفيذ الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابًا عامًا وطنيًا نهاية شهر يناير/كانون الثاني”. وفق تقديره.
المصادر
- State of emergency extended in Tunisia, 10 years on
- Tunisia: Severe restrictions on liberty and movement latest symptoms of repressive emergency law
- One Year Later, Tunisia’s President Has Reversed Nearly a Decade of Democratic Gains
- Tunisia: President’s Repressive Policies Abrogate Rights
- Tunisian opposition joins forces in protest against President Saied
- Tunisia’s Growing Protests Open a Door for Low-Cost U.S. Initiatives















