طارده رئيس وأعاده آخر.. ما قصة مستثمر موريتانيا ولد الإمام الشافعي؟

12

طباعة

مشاركة

منذ مغادرة الرئيس السابق لموريتانيا محمد ولد عبد العزيز للسلطة، وهناك مظالم عديدة يسعى أصحابها لإيجاد حلول لها في ظل إدارة الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.

معظم هذه المظالم وجدت حلولا، حيث عاد معارضون وإعلاميون كانوا منفيين في الخارج إلى موريتانيا، من أبرزهم رجلا الأعمال مصطفى ولد الإمام الشافعي، ومحمد بوعماتو، والإعلامي حنفي دهاه.

الأحد 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، هبطت طائرة خاصة بمطار نواكشوط الدولي، حملت على متنها مسافرا غير عادي هو مصطفى ولد الإمام الشافعي، المعارض الشرس للنظام السابق، كما وصفته صحف موريتانية.

جاءت الطائرة الخاصة بالشافعي من العاصمة القطرية الدوحة، التي قطعت معها موريتانيا العلاقات الدبلوماسية بعد الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران 2017.

عودة ولد الإمام الشافعي من المنفى بعد نحو 10 سنوات، أثارت الكثير من التساؤلات حول نفوذه وشبكة علاقاته التي تجاوزت حدود موريتانيا، وإصرار صحف سعودية وإماراتية على تسميته بـ"رجل قطر في الساحل".

واجه الشافعي تهمة الإرهاب التي وجهها له نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وحرك مذكرة بحث دولية (إنتربول) بحقه، ما منعه من العودة إلى بلده.

ظل رجل الأعمال بعيدا عن موريتانيا إلى أن أسقط الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني، مذكرة البحث، فلماذا طارده الرئيس السابق وأعاده الرئيس الحالي؟.

"آخر معارض"

كان مصطفى ولد الإمام الشافعي من معارضي الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي كان على رأس السلطة من 2008 إلى 2019.

لم يعارض ولد الشافعي ولد عبد العزيز فقط، بل كان أيضا أحد معارضي معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، الذي بدأ حياته ضابطا في الجيش وشارك في الانقلاب الذي أطاح بالنظام المدني، ثم تولى الحكم في انقلاب عسكري عام 1984 وظل فيه نحو عقدين من الزمن، إلى أن أطاح به رفاقه سنة 2005.

اتهم نظام الطايع ولد الشافعي بدعم وإيواء "فرسان التغيير" الذين نفذوا محاولتين انقلابيتين ضد ولد الطايع في 2003 و2004، وعاد الشافعي في 2005 مع عناصر التنظيم من بوركينا فاسو حيث كان مقيما، بعد الإطاحة بالطايع.

ورث ولد الشافعي المعارضة من والده، الذي كان له نفوذ كبير في إفريقيا أيضا، واتهم بمحاولات انقلاب في النيجر.

صرح الشافعي للصحفيين في منزله بنواكشوط بعد وصوله: "أنا آخر معارض يعود إلى وطننا العزيز"، معبرا عن رضاه "لعودته إلى البلاد بعد منفى طويل ومؤلم (وفاة والده خلال وجوده في المنفى ومنعه من حضور جنازته)". 

قبل عام واحد فقط ألغى القضاء الموريتاني الإجراءات القانونية التي تستهدف 3 معارضين موريتانيين، بينهم ولد الشافعي الذي بلغ الستنيات من عمره.

جاءت هذه المبادرة على أنها "إشارة على الرغبة في التهدئة وتطبيع المناخ السياسي بعد انتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منتصف 2019".

مُنع الشافعي مع أفراد أسرته من حقوقهم المدنية والسياسية منذ يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر/كانون الأول 2011، واستهدفته مذكرة توقيف صادرة عن القضاء الموريتاني بتهمة "التواطؤ والصلات مع الجماعات الجهادية في منطقة الساحل"، تحديدا مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

كان ولد الشافعي معروفا في ذلك الوقت بدوره الحاسم في المفاوضات من أجل تحرير العديد من الغربيين الذين خطفهم تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

اتهمه منتقدوه بالتواطؤ مع المتطرفين، وهي تهمة وصفها بـ"التشهير غير المقبول"، وقال: إن "كل الطغاة يتهمون معارضيهم بالإرهاب".

فريق الدفاع عن مصطفى الشافعي خاض معارك مع الرئيس السابق ولد عبد العزيز واتهمه بفبركة ملف قضائي ضد موكله بهدف توريطه وإصدار مذكرة دولية لتوقيفه.

مذكرة انتقامية

بعد عودته إلى الوطن، وفي حديث له مع إذاعة فرنسا الدولية، قال ولد الشافعي: "خير دليل على أن مذكرة اعتقالي كانت انتقامية، هي أني سافرت خلال السنوات العشر إلى عدد من الدول الأوروبية والعربية والإفريقية، دون أن أواجه أي مشاكل أمنية".

معارض النظام السابق أكد  أن السبب الحقيقي وراء ما وجه له من تهم لم يكن سوى معارضته للنظام والانقلابات داخل موريتانيا.

قال الشافعي، وهو شخصية سياسية ذات بعد إفريقي كبير، في بيان له: إنه "يعيش لحظة العودة لثرى الوطن حرا مرفوع الرأس بعد أكثر من عقد من الإبعاد والاضطهاد، والوشايات، ومحاولات الاختطاف، ومؤامرات التشويه والتلفيق".

وأضاف: "هذه فرصة الحمد الله أولا وأخيرا، ثم الشكر لشعبنا العظيم الذي وقف معي ومع القيم التي عانيت بسببها في اللحظات الحرجة".

وجه معارض النظام السابق الشكر لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مفيدا أنه "أخذ على عاتقه رفع الظلم الذي وقع علي وعلى غيري من النظام السابق".

وتابع الشافعي: "مناسبة لشكر القوى المعارضة الديمقراطية التي جمعنا معها مسار نضالي مشرف، وللقوى الشبابية والشخصيات الوطنية، والمثقفين، والحقوقيين والإعلاميين، وللشباب والنساء لكل القوى الوطنية الحية".

الشافعي الذي استعد أنصاره ورموز معارضي النظام السابق لاستقباله في المطار قال: "سأكون بينكم بإذن الله في حضن الوطن الذي حرمت منه في لحظات صعبة رحل فيها أعز الناس علي ولم أتمكن من الحضور لتوديعه، وهذا ما أعطانا إحساسا إضافيا بضرورة أن نضحي جميعا من أجل العدالة، ومن أجل ألا يظلم منا أحد، فوطننا الغالي يحتاجنا جميعا، ويسعنا جميعا، ويستحق، ويستطيع أن يكون بحال أفضل".

واسع النفوذ

عمل الشافعي طيلة 20 عاما مستشارا لرئيس بوركينا فاسو السابق بليز كومباوري، ما سمح له بنسج شبكة علاقات متشعبة بمعظم دول إفريقيا خاصة بالساحل وجنوب الصحراء.

اضطر ولد الشافعي لمغادرة بوركينا فاسو مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيسها، ونقل الشافعي إلى مطار واغادوغو وسط حماية أمنية مشددة في موكب للحرس الرئاسي البوركينابي، حيث كانت تنتظره طائرة خاصة وفرتها ساحل العاج التي مكث فيها فترة زمنية قبل أن يقرر الانتقال للمغرب.

تفيد تقارير صحفية، بأن المخابرات المغربية استعانت بمصطفى ولد الإمام الشافعي سنة 2003، بهدف "إقناع قادة التنظيمات المسلحة الناشطة بالساحل بعدم استهداف الأراضي المغربية".

أوردت بعض الصحف أخبارا غير موثوقة عن تسريب تسجيل صوتي، قالت إنه لمكالمة بين ولد الشافعي والرئيس السنغالي ماكي سال، يخبره رجل الأعمال الموريتاني فيها أن "مصادر من داخل نواكشوط تقول إن هناك تحركات موريتانية لتجنيد عملاء بدكار لاغتياله"، وهو ما "تأكدت منه المخابرات المغربية فيما بعد".

اتُّهم مصطفى ولد الإمام الشافعي بأنه "عميل سابق للمخابرات الفرنسية بالمنطقة"، فيما عمل منذ وقت قريب كمستشار للرئيس الرواندي بول كاغامي وللعديد من الزعماء الأفارقة.

اشتهر الشافعي بتوسطه في عمليات إطلاق سراح الرهائن الغربيين المختطفين من طرف التنظيمات المسلحة بالساحل.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2019، زار أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، العاصمة الرواندية كيغالي، وكان في استقباله بمطارها مصطفى ولد الإمام الشافعي ما جعل عددا من التحليلات تشير إلى تطور علاقات قطر بإفريقيا بعد طول إقامة رجل الأعمال الموريتاني فيها.

عودة طبيعية

الأكاديمي والباحث الموريتاني الدكتور إبراهيم الدويري، لفت إلى أن ولد الشافعي شخصية موريتانية لها رمزية كبيرة اجتماعيا وسياسيا، كان منفى بسبب حكم قضائي ومذكرات دولية صدرت في حقه، وكان من المفروض أن يكون قدومه إلى موريتانيا قبل هذا التاريخ لكن جائحة كورونا أخرته.

وأضاف في حديث مع صحيفة "الاستقلال" أنها عودة طبيعية لرجل كان يعيش في المنفى، كان يعتبر معارضا شرسا للنظام السابق، وعودته تحمل أبعادا مختلفة، حقه المشروع كمواطن موريتاني ومعارض شرس أن يعود إلى وطنه بعد أن زال خصمه السياسي، وأيضا أراد النظام الموريتاني أن يوصل رسائل من عودته.

الباحث ذكّر بأن الرئيس الحالي ولد الغزواني، في سنته الأولى التي انصرمت، حاول أن يكون مختلفا عن ولد عبد العزيز فيما يتعلق بالتعاطي مع السياسيين، وأن يكون جامعا لكل الأطياف ومتواصلا معهم، واتضح ذلك في "حفل الاستقلال" السنة الماضية، حيث جمع كل رؤساء موريتانيا لأول مرة وقدم دعوات لزعماء المعارضة.

شدد الأكاديمي على أن النظام الموريتاني الحالي شديد الحرص على أن يظهر أنه مختلف، وأنه ليس امتدادا للنظام السابق في التعاطي مع الشأن العام ومع المعارضين في التواصل معهم، معتبرا أن "كلها مظاهر توحي بعافية سياسية بدأت تتشكل في موريتانيا". 

الرسالة الأقوى التي استقرأها الدكتور الدويري من عودة ولد الشافعي، هي أن الأخير جاء في طائرة خاصة من قطر التي تقطع معها موريتانيا العلاقات، وقد يكون النظام بذلك يريد أن يوحي بأنه ليس كما يشاع عنه، أي "الدوران الكلي في فلك الإمارات والمحور السعودي، أو ما يسمى بدول الحصار".

لفت المتحدث إلى أن وصول طائرة تحمل الإمام الشافعي من الدوحة إلى نواكشوط والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة، حملت رسائل قوية، خصوصا وأن الإعلام الإماراتي السعودي يصف ولد الإمام الشافعي بـ"رجل قطر في الساحل" وشن عليه حملة شرسة.

رصيد سياسي

الباحث ذكّر بأول الدعايات السياسية التي رفعها النظام، والتي كان من بينها أنه نظام إجماع وطني، معتبرا أن من مقتضيات هذا الإجماع أن تكون هناك مصالحة وطنية تشمل جميع المعارضين، مع أنهم لم يكثروا بالخارج وإن كانوا نوعيين، وبالأساس مصطفى ولد الإمام الشافعي ومحمد ولد بوعماتو.

وأفاد الأكاديمي أن للرجلين بعدا إقليميا ونفوذا في المنطقة، والأول (ولد الشافعي) هو الأكثر نفوذا، فكان طبيعيا أن يرحب به نظام الإجماع الوطني، نظرا لوضعه الخاص.

أما في قضية المصالحة الوطنية، فأول ما فعل النظام كبادرة حسن نية تجاه ولد الشافعي هو أنه أسقط عنه دعوة التوقيف الدولي (الإنتربول) التي أصدرها النظام السابق.

لم ينف إبراهيم الدويري أن للرجل رصيدا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا عابرا للدول والحدود، ولديه مصداقية كبيرة جدا في المنطقة وعند القوى الفاعلة فيها، لكنه رأى أن ذلك لا يجعله مستشارا لولد الغزواني، وإن كان يمكن أن يحدث بينهما تفاهم.

وتابع المتحدث قائلا: "وإن كان الشافعي رجل أعمال له وزن اجتماعي كبير، إلا أنه نشأ معارضا وقضى أغلب حياته في المعارضة، والأنظمة العميقة ذات الخلفية العسكرية، غالبا، لا تطمئن لهؤلاء".

وأوضح الأكاديمي أن المصالحة تعني تمكن الشافعي من زيارة عائلته ووطنه، وهو ما صرح به فور وصوله، عندما أكد أنه جاء في زيارة عائلية وليست ذات أبعاد سياسية.

استبعد الدويري أن يتخذ ولد الغزواني من الشافعي مستشارا خاصا، لكنه قد يستشيره في بعض الأمور كما يستشير الجميع، بحسب أنصاره، ويريد لموريتانيا أن تبنى بجميع عقول أبنائها.

لفت الدويري إلى التقارب في الطباع بين الرجلين، فالاثنان يتسمان بالهدوء والكتمان ويفضلان الحوار والدبلوماسية على المواجهة والصدام، عكس ولد عبد العزيز الذي شهد عهده عددا من الصدامات.

الباحث رجح أن تنشأ بين ولد الغزواني والشافعي علاقة مصالح وتحالف، لكنه استبعد أن يضع مصطفى ولد الشافعي جهده وثقله في موريتانيا في السياسة، فهو لم يمارس السياسة بمعناها اليومي، ولم يمارسها في أي بلد إفريقي، إنما هو رجل يحرص على العلاقات العامة وعلى الحضور الدولي وحل المشاكل.