قضايا العالم الإسلامي.. غابت السعودية وحضرت تركيا

أحمد مدكور | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

مسلمو الإويجور، والروهينجا، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ثلاث قضايا تهم المسلمين في كافة أنحاء العالم، تباينت فيهم مواقف "النصرة" بين دولتين إسلاميتين كبيرتين هما السعودية وتركيا.

فبنظرة سريعة إلى مواقف كل من الرياض وأنقرة من هذه القضايا الثلاث، نجد أن السعودية لم تتخل فقط عن دورها الرائد سابقا في تبني قضايا المسلمين في العالم والدفاع عنها، بل تعدى ذلك إلى الصمت أحيانا والتواطؤ أحيانا أخرى، فيما تصدرت أنقرة مشهد النصرة وباتت تدافع عن المسلمين في أي بقعة اضطهاد في أرجاء العالم.

براجماتية بن سلمان

حملت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الصين في 21 فبراير/ شباط 2019، الكثير من المتباينات التي تتجاوز الفوارق الأيديولوجية والمعتقدات الخاصة لكل دولة إلى طراز واضح من البراغماتية المطلقة.

تجلت هذه البراجماتية حين أعلن بن سلمان دعمه لسياسات بكين القمعية ضد مسلمي الأويجور في إقليم تركستان الشرقية، وقوله: "للصين الحق في اتخاذ تدابير لمكافحة الإرهاب والتطرف لضمان الأمن القومي" ثم تأكيده بأن "السعودية تحترمها وتدعمها ومستعدة لتعزيز التعاون معها".

ولي العهد السعودي تغافل تماما قضية مسلمي الأويجور أثناء زيارته للصين، وبحسب كايل حداد فوندا الكاتب بموقع "وورلد بوليتيكس ريفيو" الأمريكي المتخصص في رصد السياسات العالمية، فإن "بن سلمان وقبل زيارته للصين كان هدفا لحملات مكثفة في الداخل والخارج من كثيرين بينهم أبناء الإويجور في الشتات، أملا في أن يُقر باضطهاد الصين لمسلميها".

ثم عقب حداد قائلا: "على العكس، أكد بن سلمان تأييده لحملة الاضطهاد، مرددا  كالببغاء ما يقوله الصينيون لتبرير برنامجهم للاعتقال الجماعي للمسلمين". مؤكدا "استعداد بن سلمان لإضفاء الشرعية على تكتيكات الصين لم يكن مفاجئا، فالقادة السعوديون يتفادون غضب الصين، أكبر شريك تجاري لبلادهم، في لحظة من عدم اليقين الاقتصادي".

وذكرت مجلة نيوزويك الأمريكية أن بن سلمان دافع خلال زيارته للصين نهاية فبراير/ شباط 2019، عن استخدام بكين معسكرات الاعتقال الجماعية للمسلمين، بينما يواجه انتقادات دولية حول قتل الصحفي جمال خاشقجي.

وأكدت أنه "تحت قيادة ولي العهد السعودي الشاب، أصبحت قيادة البلاد أكثر براجماتية في سعيها لتحقيق مصالح السياسة الخارجية".

وتعليقا على الزيارة، وموقف بن سلمان من قضية الأويجور، أوردت صحيفة وول ستريت جورنال مقالا للكاتب الأمريكي والتر راسل قال فيه: "قد يكون الله عظيما بالنسبة لمحمد بن سلمان، لكن الرئيس الصيني، شي جين بينج، أكبر أو على الأقل أكثر فائدة بالنسبة له".

وأكد راسل بأن زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة إلى الصين الأخيرة "جاءت متزامنة مع عمليات القمع والاضطهاد التي لا تزال بكين تمارسها ضد أكثر من مليون من مسلمي الأويجور".

تركيا تغضب للأويجور

على النقيض برزت الجمهورية التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، وكانت حاضرة بقوة في المشهد، حيث تبادلت مع الصين بيانات غير ودية بشأن قضية الأويجور، لا سيما حين أعلن هامي أكسوي المتحدث باسم الخارجية التركية: "بأن ظهور معسكرات الاعتقال من جديد في القرن 21، وسياسة التطهير العرقي المنظم بحق الأويجور تمثل وصمة عار على الإنسانية".

وفي 10 فبراير/ شباط 2019، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، هامي أكسوي، في بيان: "لم يعد سرا أن أكثر من مليون من الأويجور الأتراك المعتقلين تعسفيا يتعرضون للتعذيب وغسيل الدماغ السياسي في السجون".

وأضاف: إن "إعادة معسكرات الاعتقال في القرن الواحد والعشرين، وسياسة الإدماج المنهجي التي تمارسها السلطات الصينية على الأويجور الأتراك، فيها إحراج كبير للإنسانية".

في 25 فبراير/ شباط 2019، حث وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، السلطات الصينية على احترام حقوق الأويجور، معربا عن قلق بلاده من تقارير انتهاكات حقوق الإنسان بحق المسلمين في إقليم "تركستان الشرقية"، غربي الصين.

ويرتبط الأويجور مع الأتراك بصلة قرابة، وتتعهد تركيا منذ سنوات طويلة بتقديم ملاذ آمن للأويجور الهاربين من الاضطهاد العرقي في الصين، وفي عام 1965 قامت بتأسيس مجتمع محلي لهم في مدينة "قيصري" حيث يتمركز أغلب الإيجور بتركيا الآن.

والأويجور أقلية عرقية مسلمة، يقدرون بحوالي 10 ملايين نسمة في منطقة شينجيانج، التي تتمتع بالحكم الذاتي شمال غربي الصين على الحدود مع كازاخستان وقرجيزستان.

وتحتجز الصين نحو مليون مسلم من الأويجور داخل معسكرات اعتقال بالغة القسوة؛ لإعادة تأهيلهم على المناهج الشيوعية، ويجبرون على شرب الخمر وتناول لحم الخنزير، بحسب تقرير اللجنة الحقوقية التابعة للأمم المتحدة.

دور سعودي هامشي

وفي الوقت الذي كان ينتظر أن تقود الرياض البلدان الإسلامية لوقف المجازر العرقية في ميانمار ضد الأقلية المسلمة هناك، جاء موقفها في بداية الأزمة ملتزما بالصمت، ومع فداحة الأحداث، اكتفت بإصدار بيان شجب مقتضب عن البعثة الدبلوماسية في الأمم المتحدة.

وأرجعت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن غياب استجابة السعودية عن أزمة الروهينجا يعود جزئيا إلى مصالحها التجارية المربحة في جنوب شرق آسيا. فهناك خط أنابيب افتتح مؤخرا في ميانمار يوصل النفط من الدول العربية والقوقاز إلى مقاطعة يوننان الصينية. ويبدأ خط الأنابيب من خليج البنجال في ولاية راخين، حيث وقعت معظم الجرائم ضد أقلية الروهينجا.

وذكرت الصحيفة  بأن هناك جانب آخر، وهو أن السعودية لا تريد إغضاب الصين التي تعد أحد أكبر الدول نفوذا في بورما، وترتبط السعودية مع الصين بعلاقات تجارية وثيقة وبالأخص مبيعات النفط، ولا تريد أن تخسر هذا الزبون الكبير والمهم لأي منافس آخر.

مأساة الروهينجا

مأساة أقلية الروهينجا المسلمين في إقليم أراكان بدولة ميانمار "بورما"، لها تاريخ قديم مستحدث من تعرضهم المستمر للعنف والاضطهاد، وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2016، شنت السلطات الحكومية ممثلة في الجيش البورمي ووحدات أمنية، حملة تطهير عرقي واسعة ضدهم، وعلى مدار الأشهر التالية أعمل فيهم القتل، وأجبر مئات الآلاف إلى الفرار نحو بنجلاديش وبلاد الجوار.

الأمر الذي دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى عقد مؤتمر صحفي في سبتمبر/ أيلول 2017، وقال: "إن تركيا تستنفر إمكاناتها كافة من أجل مسلمي الروهينغا".

وأكد أن "وكالة التعاون والتنسيق التركية، أرسلت 1000 طن من المساعدات إلى لاجئي الروهينجا في بنجلاديش كمرحلة أولى، وأن منظمات المجتمع المدني التركية تستنفر كل طاقاتها لمساعدة مسلمي إقليم أراكان".

وفي سبتمبر/ أيلول 2017 أيضا، ذهبت عقيلة الرئيس التركي السيدة أمينة أردوغان إلى مراكز إيواء لاجئي الروهنجيا المسلمين في بنجلاديش، برفقة وفد رسمي مؤلف من وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو، ووزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية فاطمة بتول صيان قايا، ومساعدة رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم لشؤون حقوق الإنسان روضة قاوقجي قان.

وفي هذا الصدد، أشاد رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في ذلك الوقت الشيخ يوسف القرضاوي، في بيان، بدور تركيا ورئيسها لدورهما الهام في نصرة  مسلمي الروهينجا، وأعرب عن أسفه لـ "الموقف العربي الذي جاء دون المستوى، والذي انشغل بأمور هامشية وخلافات بينية، عن القيام بواجبه تجاه إخوانه المسلمين هناك" على حد تعبيره.

إعلان القدس عاصمة لإسرائيل

في 6 ديسمبر/ كانون الأول 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدينة القدس عاصمة رسمية لإسرائيل، وهو القرار الذي استفز مشاعر المسلمين في جميع أنحاء العالم، وتمت مقابلته بموجة احتجاجات وغضب.

وتصدرت تركيا زعامة العالم الإسلامي في هذه القضية بالغة الحساسية، حيث شن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هجوما حادا على نظيره الأمريكي دونالد ترمب معتبرا قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس "إلقاء للمنطقة في النار".

وقال أردوغان: "القدس قرة عيوننا، وقبلتنا الأولى، وليعلم الجميع أن القدس خط أحمر بالنسبة لنا ولـ 1.7 مليار مسلم حول العالم".

وتعد الدولة التركية حكومة وشعبا وأحزابا ومنظمات، من أكثر الدول التي أعربت عن رفضها لقرار ترامب، وقد انتقلت تركيا من مربع الانتقاد إلى مربع التعامل مع تداعيات القرار بشكل فوري، حيث دعت لقمة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي ونجحت في عقدها في 19 مايو/ أيار 2018، بجهود دبلوماسية كبيرة.

وقال أردوغان: "إن أمريكا أصبحت شريكة في إراقة الدماء باعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل"، وتعتقد تركيا أن عملية نقل السفارة هي جزء من مخطط كبير للمنطقة يستهدفها.

صمت واختلاط الأوراق

رغم أن المملكة العربية السعودية تحتضن مقر منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة عربية وإسلامية، إلا أنها لم تتخذ موقفا صارما تجاه الأزمة، التي تثير حفيظة المسلمين، بسبب المدينة المقدسة.

وجاء غياب قادة السعودية والإمارات والبحرين عن القمة الإسلامية التي عقدت في إسطنبول لبحث خطوات الرد على قرار ترمب، بمثابة الصدمة، وكان التمثيل السعودي ضعيفا، واكتفت المملكة بإرسال وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد صالح آل الشيخ، وهو ما أثار حفيظة الأتراك، ودعا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى القول: "بعض الدول العربية أبدت رد فعل ضعيف للغاية، يبدو أن بعض الدول تخشى الولايات المتحدة بشدة".

ولعل أخطر المواقف ما كشفته وكالة رويترز عن 4 مسؤولين فلسطينيين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، قالوا إن محمد بن سلمان والرئيس محمود عباس ناقشا بالتفصيل صفقة كبرى سيكشف عنها ترامب وصهره ومستشاره جاريد كوشنر في النصف الأول من عام 2018، وأن الرياض تعمل منذ أسابيع خلف الكواليس لتأييد خطة سلام أمريكية وليدة، فيما أكدت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن السعودية تمارس ضغوطا على محمود عباس في الرياض؛ حتى يتنازل عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2017، نشرت صحيفة "الإندبندنت" مقالا للصحفي دونالد ماكنتاير، قال فيه إن حلم ترامب بإيجاد "أم الصفقات" في فلسطين من جهة، وتنفيذ وعده الانتخابي من جهة أخرى، يبدو مسيطرا على محادثات "واتساب"، الدائرة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وجاريد كوشنر مستشار وصهر ترامب.

الواقع يؤكد غياب بلاد الحرمين الشريفين عن مآسي الأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم؛ من الأويجور إلى ميانمار وإبادة مسلمي الروهينجا، وقضية القدس المحورية، إضافة إلى تورطها في وأد ثورات الربيع العربي ودعم الانقلابات العسكرية، الذي أفقدها البقية الباقية من صورتها القديمة.

وفي ظل تلك المتغيرات والمقارنات، يظهر الدور التركي المتصاعد كدولة لها ثقلها ونفوذها الإقليمي؛ بسبب النهضة الشاملة التي تشهدها منذ صعود حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم مطلع القرن الحالي، وتفرض نفسها عبر مواقف حاسمة كواجهة للعالم الإسلامي ترعى شؤون المسلمين في سائر بلاد العالم.