العراق يحلم بشق "طريق التنمية" من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا.. هل يتحقق؟

بمشاركة 10 دول عربية وإقليمية، يسعى العراق لتنفيذ مشروع "طريق التنمية" الذي يمتد من البصرة جنوبا إلى أوروبا مرورا بتركيا، عبر خط سكة حديد يبلغ طولها 1200 كلم داخل الأراضي العراقية.
وفي 27 مايو/ أيار 2023، انطلق مؤتمر "طريق التنمية"، بمشاركة السعودية والكويت والإمارات وقطر وسلطنة عُمان وتركيا وسوريا والأردن، فيما اعتذرت البحرين الوحيدة من دول الخليج في اللحظات الأخيرة لأسباب قالت إنها "فنية".
ركيزة للاقتصاد
وخلال المؤتمر، أعلن رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، أن "طريق التنمية بما يحمله من منصات للعمل وقيمة مضافة للنواتج القومية والمحلية ورافعات اقتصادية، هو خطة طموحة ومدروسة لتغيير الواقع نحو بنية اقتصادية متينة".
وأضاف أن "هذا المشروع ركيزة للاقتصاد المستدام غير النفطي، وعقدة ارتباط تخدم جيران العراق والمنطقة".
وأشار السوداني إلى أن "ميناء الفاو الكبير في محافظة البصرة، قطع شوطا كبيرا نحو الإتمام، وسيكون بوابة لهذا الحراك الاقتصادي المهم وسوف تتكامل مع الميناء المدن الحضرية، التي سنؤسس بجوارها مدينة صناعية ذكية هي الأحدث في المنطقة والعالم، وستحاكي التطور التكنولوجي الحالي والمتوقع للسنوات الخمسين المقبلة".
وأكد أن "العراق سينطلق بهذا المشروع الواعد نحو شراكة اقتصادية مع دول الجوار والمنطقة، تجعل بلداننا مصدرة للصناعات الحديثة والبضائع، وسنعتمد في كل هذا على الممرات متعددة الوسائط، وأكثر من 1200 كم من السكك الحديدية، وتشغيلها البيني المشترك، والطرق السريعة".
من جانبه، كشف المتحدث باسم مجلس الوزراء العراقي باسم العوداي أن "الطريق سيتحول إلى شريان اقتصادي، ويضم مدنا سكنية ومجمعات صناعية كبرى، وسيشهد عبور آلاف الشاحنات المقبلة من 25 دولة"، بحسب ما نقلت عنه "وكالة الأنباء العراقية" الرسمية في 27 مايو.
وقال العوادي، إن "10 دول شاركت في مؤتمر طريق التنمية، ست منها جيران للعراق، وبحضور جميع دول الخليج، باستثناء البحرين التي قدمت اعتذارًا في اللحظات الأخيرة لأسباب فنية".
وطريق التنمية الذي يروج له السوداني، يتوقع أن يكون جاهزا بحلول عام 2028، ويهدف إلى تعزيز التجارة بين دول المنطقة، وسيكون بمثابة همزة الوصل التي تربط بين أوروبا وتركيا والخليج.
ومن المتوقع أن تصل الأرباح السنوية للمشروع إلى قرابة 4 مليارات دولار فضلا عن توفيره 100 ألف فرصة عمل، إذ سيتحول من خلاله العراق إلى محطة رئيسة للتجارة ومحطة نقل كبرى بين آسيا وأوروبا ينخفض فيه زمن الرحلة البحرية من 33 يوما إلى 15 يوما.
وتصل كلفة المشروع إلى 17 مليار دولار، 10 منها لشراء قطارات كهربائية سريعة تنقل الحمولات في غضون 16 ساعة، فيما ينفق المتبقي لمد شبكة سكك الحديد بطول 1200 كم.
وبحسب وزارة النقل العراقية، وصلت نسبة إنجاز المشروع حاليا إلى 40 بالمئة من نقطة انطلاقه في مرفأ الفاو الكبير.
وتبلغ السعة القصوى لمرفأ ميناء الفاو الكبير الذي من المقرر أن يكون الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، نحو 3.5 ملايين وحدة مكافئة وفق الأفق المفترض عام 2028، ونحو 7.5 ملايين وحدة في 2038.
عقبات محتملة
المشروع المطروح قد يواجه عقبات ربما تعيق البدء في تنفيذه، فقد نقلت صحفية محلية عن مسؤول في وزارة النقل العراقية، أن "طريق التنمية ينطوي على إشكالات كبيرة تعيق البدء به من الأساس".
ونقلت صحيفة "العالم الجديد" عن المسؤول (لم تكشف هويته) قوله إن "هناك أسبابا محددة تعيق المشروع، منها عدم وجود خطة سكك لتركيا مع الحدود العراقية، وهذا الأمر مرتبط بمخاوف أنقرة الأمنية من هذه المنطقة".
وأشار المصدر إلى أنه "حتى لو وافقت تركيا وأوصلت شبكة سكك للحدود العراقية، فإن إقليم كردستان العراق رفض مد شبكة سكك عبر محافظة دهوك، وصولا للحدود التركية".
ولفت إلى أن "شبكة السكك يجب أن تمر بمسافة 4 كلم، عبر دهوك قادمة من الموصل، وهذا ما رفضه الإقليم، لأنه يؤثر على معبر إبراهيم الخليل الحدودي مع تركيا، ويقضي على فائدته الاقتصادية التي تعود لكردستان العراق".
وتابع: "المسار الثاني للخط، سيكون عبر الموصل ثم ربيعة ومنها لسوريا، ومنها لتركيا، لكن العائق الكبير أمام هذا المسار البديل، هو شروط دمشق التي طالبت أخيرا بأجور ترانزيت عالية جدا عن مرور القطارات في أراضيها".
وأردف المصدر أن "سوريا حددت ترانزيت يصل إلى 7 يورو لكل طن من البضائع أي ما يعادل نحو 8 دولارات، مع أن سعر النقل السككي العالمي لا يتجاوز 3 دولارات، وفي حال استحصلت سوريا هذا المبلغ، سيكون المشروع خاسرا للعراق بالكامل".
وكان المدير العام للشركة العامة لسكك الحديد يونس خالد، أكد في 15 مايو 2023، أن "مشروع طريق التنمية يمثل حلم العراق، وهو مكمل لمشروع ميناء الفاو الكبير، وسيكون المشروع الأكبر على مستوى البلاد".
وأوضح خالد أن "الخط السككي للمشروع سيمر بـ10 محافظات عراقية، والذي سيتحول إلى ممر من العراق إلى الأسواق الأوروبية".

ثلاثة سيناريوهات
وفي السياق ذاته، قال أستاذ الاقتصاد عبد الرحمن المشهداني، إن "المعوقات الرئيسة للمشروع تتمثل في التمويل، لأننا نتحدث عن مشروع عملاق لا يرتكز على الطريق البري والسكة الحديد فقط، وإنما يفترض أن تكون مكملة له بناء مدن صناعية وأخرى جاهزة، لأنه سيكون خارج الأماكن المأهولة بالسكان".
وأوضح المشهداني لـ"الاستقلال" أن "أقرب طريق مدينة ممكنة أن تكون على أطراف المشروع تبعد نحو 7 إلى 15 كلم، وبالتالي يجب إنشاء مدن جديدة وهذه كلها تحتاج تكاليف، والطرق البرية بحاجة إلى استراحات، وكذلك المدن الصناعية".
وبيّن الخبير العراقي أن "الحكومة عرضت ثلاثة سيناريوهات بخصوص تمويل المشروع، الأول أنها هي من تتحمل تكلفة المشروع 17 مليار دولار من الموازنة المالية، وأنا أستبعد هذا لأننا لدينا موازنات ضخمة جدا وتعاني من عجز كبير".
أما السيناريو الثاني، يضيف المشهداني، فهو أن ينفّذ المشروع بالشراكة بين الحكومة العراقي والقطاع الخاص سواء كان أجنبيا أو محليا، لكني أعتقد أن الذهاب إلى هذا الخيار ضعيف أيضا.
وبيّن أن "السيناريو الثالث، هو أن يطرح المشروع إلى شركات عالمية لغرض الاستثمار ويقسم إلى 12 مقطعا، كل واحد منها تتولى إنجازه شركة عالمية، بطريقة (BOB) أي بمعنى أن الأرباح المتحققة تكون نسبة منها للشركات وللحكومة، وبعد مرور 25 عاما أو أكثر يعود المشروع إلى الدولة العراقية".
وأشار إلى أن "مخططات الجدوى الاقتصادية اكتملت حاليا، وأن المشروع يبدأ عام 2025، لكن موضوع تنفيذه يتعلق بالإرادة الوطنية، فإذا كانت متوفرة فإن المشروع سينجز، وأنا متفائل أن تنفذه الحكومة الحالية".
وبخصوص رفع التكلفة التي تطلبها سوريا، قال المشهداني إنه "ليس بالضرورة أن يدخل المشروع عبر الأراضي السورية، وهم قدموا مقترحا على أن يمر عبر اللاذقية، ثم بعد الحديث عن إمكانية أن يسير فرع نحو الشواطئ السورية، بدأوا يفرضون شروطهم باتجاه رفع الترانزيت".

وأوضح المشهداني أن "الخط الأساسي هو الذي يصل من البصرة إلى تركيا، ويرتبط عبر الخطوط البرية والسكك الحديدية التركية حتى يكون متواصلا عبر المنظومة الأوروبية، وأن قسما منه يذهب إلى الموانئ التركية والآخر إلى أوروبا".
أما موضوع إقليم كردستان، فإن المشروع لن يمر عبر أراضيهم، وإنما سيتخذ محافظة الموصل طريقا إلى تركيا عبر نقطة "فيشخابور" التي هي خارج سيطرة كردستان العراق، والأخير يعترض عليه لأن معبر إبراهيم الخليل الذي يربطهم بالأراضي التركية سيفقد أهميته الإستراتيجية، بحسب المشهداني.
وفي 23 مارس 2023، أعلنت أنقرة وبغداد الاتفاق على مشروع لربط ميناء الفاو العراقي على الخليج العربي بالأراضي التركية عبر طريق بري لتسهيل حركة التجارة، وذلك أثناء زيارة أجراها السوداني إلى تركيا والتقى خلالها الرئيس رجب طيب أردوغان.
وقال أردوغان، خلال مؤتمر صحفي مشترك حينها مع السوداني إنه تمت "مناقشة جميع جوانب علاقاتنا الثنائية خلال لقائنا مع رئيس الوزراء، وأكدنا العزم على العمل معا".
وكشف أردوغان، عن مشروع لـ"طريق وممر للنقل بالسكك الحديدية يمتد من البصرة إلى الحدود التركية"، لافتا إلى أن "الوزراء المعنيين سيعملون في هذا الصدد واتخذنا خطوة حاسمة تظهر رغبتنا في العمل معا لتحقيق هذا الهدف".
وأطلق الرئيس التركي على المشروع "طريق التنمية"، معتبرا أنه "مشروع ذو أهمية إستراتيجية عالية ليس فقط لتركيا والعراق، وإنما للمنطقة بأكملها"، موضحا أن "ملايين الأشخاص في منطقة جغرافية واسعة من أوروبا إلى الخليج سيستفيدون من القيمة المضافة التي ستظهر من إنشاء هذا الطريق".
المصادر
- "طريق التنمية الدولي".. حقائق "صادمة" تهدده في مهده
- بكلفة 17 مليار دولار.. العراق يعلن عن مشروع "طريق التنمية" للربط البري بين دول الخليج وتركيا
- "المشروع الأكبر للنقل في المنطقة".. ما هو طريق التنمية الذي أعلن عنه العراق
- الحكومة العراقية تكشف عبر شفق نيوز تفاصيل مؤتمر طريق التنمية وجدواه الإقتصادية
- السوداني وأردوغان بحثا في أنقرة ثلاثة ملفات على رأسها “القناة الجافة”














