Thursday 09 April, 2020

صحيفة الاستقلال

التنمية الثقافية للشعوب العربية.. مدخل ضروري لإصلاح النظم

لابد من الاعتراف بأن النظم ونخبها المستفيدة منها لن تشعر بالرضى لهذه المبادرة ولكن المصلحة العليا تقتضي المضي فيها بشجاعة
حجم الخط

هذا المقال يدعو إلى إصلاح النظم والدول العربية من خلال التنمية الثقافية للشعوب، وينطلق هذا الاقتراح من عدد من الافتراضات:

  • الافتراض الأول: أن الهوة قد اتسعت بين النظم والشعوب حتى صار الحكام يتصرفون في الداخل والخارج بلا رقابة أو مؤسسات أو محاسبة ونصب أعينهم مصالح النظام، فافترق الوطن عن النظام، بل صارت بعض النظم تعيش على رصيد الوطن وسمعته ويدفع المواطنون من حرياتهم وحقوقهم بسبب الفساد وأزمات كل المؤسسات خاصة البرلمانية والقضائية.
  • الافتراض الثاني: هو أن أزمة الحكم وصلت إلى حد الثورة على الحاكم بسبب تمسك الحاكم بالسلطة وسعيه إلى التدليس على الشعب وتغييب عقله أو قمعه وتخويفه. وقعت الثورات بينما الفكرة المستقرة عند الحكام هي أن الحاكم يأمر ولا يملك أحد تحديه أو نقده، ومن تجرأ على ذلك يكون عدوا للإنسانية تبيح دمه وماله وعرضه جزاء تهوره وجرأته على تحدى قدس الأقداس.
  • الافتراض الثالث: أن كل البرلمانات تقريبا في المنطقة العربية لا تعبر عن الشعوب وإنما يخدم بعضها خطة الحاكم في الهيمنة والاستبداد، ومع ذلك يزعم الحكام أنهم الشعب وصاحب السلطات وصاحب السيادة، فهو يمارس قهره وتغيب عقله وإيهامه بأنه صاحب القرار ويحاصره الإعلام والأمن من كل جانب.

الافتراض الثالث يفيد أن كل الحكام بلا استثناء يصيبهم الضيق من جرأة الشعب على النقد والتعبير ويتهم كل ناقد بأنه عميل ويتلقى أموالا من الخارج الذي يحرضه على وطنه لأن الحاكم هو الوطن، وترتيبا على ذلك فإن ثورة الشعب على الحاكم المقدس جريمة تطلبت تحالف الحكام والدول المستفيدة وعلى رأسها إسرائيل في حركة مضادة لقمع الشعوب.

ومعنى ذلك أن الثورة لا تصلح أداة للتغيير لسببين؛ الأول إصرار الحكام على أن شرعيتهم مستمرة بالقمع والقهر وليس بانتخابات حرة ورضى الشعب. والسبب الثاني هو نقص الوعي لدى الشعوب مما مكن النظم من إحداث الشقاق بين صفوف الشعب، مما أدى إلى شل قدرة الشعب على الثورة وعجزه عن إقامة نظام بديل يحقق أهداف الثورة.

  • الافتراض الرابع: هو أن الحكام العرب يتفقون على التساند ضد الثورات الداخلية، ولكنهم يتصارعون فيما بينهم لصالح نظمهم مما أدى إلى انقسام الشعوب وراء حكامها، فمصر الناصرية كانت في صراع مستمر مع كل النظم العربية فيما عرف بالحرب الباردة العربية فاصطف المصريون وراء قائدهم تعبيرا عن التسليم والولاء والثقة في أن مواقفه فى خدمة الوطن ضد الحكام الآخرين، تماما مثلما حشد عبدالناصر الجماهير العربية وراء شعارات تحرير فلسطين والوحدة العربية ومناهضة إسرائيل، فاضطرت الحكومات العربية إلى مهادنة عبدالناصر ولا شك أنها ارتاحت لسقوطه، وهذا هو السبب الأساسي في بقاء عبدالناصر رغم هزيمته، في ذاكرة هذه الجماهير. 

يترتب على الافتراضات الأربعة السابقة جمود أزمة العلاقات بين الحاكم والمحكوم وانتهاج الحكام سياسات باطشة مخاصمة للقانون وسياسات خرقاء ومغامرات في سياساتهم العربية والخارجية وقهر الشعوب على دعمهم ضد حكومات وشعوب الدول الأخرى المتصارعة مع الحاكم.

ومن نتائج التباعد بين الحاكم والمحكوم أن الجامعة العربية في كل مناسبة انحازت طبعا للحكام ضد ثورات الشعوب، فالحكام وجامعتهم ضد الشعوب وثوراتها ولذلك بدا المشهد السوري فجّا، إذ انحاز الحكام ظاهريا على ما أسموه الثورة السورية؛ والحق أن اللوبي الخليجي الذي قاد عملية قمع الثورات هو الذي تسلل تحت شعار دعم ثورة سوريا لإرسال الشباب من كل دول العالم لتمزيق سوريا مما اضطر النظام إلى الاستعانة بـ"حزب الله" وروسيا بين أطراف غير سورية على الأراضي السورية والشعب ضحيتها، وبالتالي فهذه الأطراف هي التي ستحدد مستقبل الصراع وسوريا في نفس الوقت.

وتطبيقا لذلك كون الجامعة جامعة حكام، فقد افترضت الجامعة أن الحكومة السورية تقمع الثوار وأن الجامعة منحازة للحرية فى سوريا وحدها فقررت تجميد عضوية سوريا في الجامعة كما قررت دمغ المقاومة بالإرهاب (حزب الله وحماس) على خلفية مزعومة وهو الصراع السعودي الإيراني ودعم إيران للمقاومة، وما دامت إسرائيل تدعم السعودية ضد إيران فقد أدانت الجامعة إيران واعتبرتها، وليس إسرائيل، المهدد للأمن القومي العربي المفقود أصلا، وتقود تحالفا عربيا بدعم واشنطن ضد إيران فيما عرف بالناتو العربي.

  • الافتراض الخامس: هو أن انقسام الشعوب العربية وراء صراعات حكامها أو تحالفاتهم يضر بالمصالح العربية العليا.

ولذلك فإني أقترح تقليل خسائر المحنة العربية الراهنة بإنشاء منتدى عربي للشعوب يخفف من تحالف الحكام في الجامعة ومخاطر قراراتها الضارة بالمصالح العربية.

هذا المنتدى يضم نخبا من كل بلد عربي لتواصل الشعوب ودعم صلات المودة بينها وتجاوز آثار بعض سياسات الحكام، كما يقوم المنتدى بنشر الوعي ورفعه حتى ندعم مناعة الشعوب ضد محاولات تفتيت المجتمع الوطني والعربي عموما مفهومها على أنه يشمل أيضا العرب في أي مكان خارج المنطقة العربية. ويمكن العمل على جبهتين؛ الأولى داخل المنطقة العربية والثانية في الغرب (أوروبا والولايات المتحدة) تكون قيادة لشعوبها فالحكام زائلون والشعوب والأوطان باقية وهي تنتمي إلى أمة واحدة مصيرها واحد.

هذا المنتدى سوف يسهم في إنهاء الصراعات بين الحكام بإحالة كل حاكم إلى مصلحة الوطن، وبالفعل يبدأ المنتدى بالتأكد من أن جميع الصراعات التي مزقت الشعوب العربية هي صراعات نظم ولا علاقة لمصالح الوطن بها وكلها صراعات سياسية. على سبيل المثال تمزق المجتمع بسبب أزمة قطر مع ثلاث دول خليجية وانضمت مصر إليها لأسباب تتعلق بمصالح النظم وليس الأوطان.

ومما يذكر أنه استقر في الذاكرة التاريخية العربية أن الولاء للوطن يتطلب تأييد موقف الحكومة ضد الدول الأخرى، وأن الحياد أو حرية اتخاذ المواقف خيانة وطنية بل إن بعض المصريين كانوا يطربون لخطابات عبدالناصر المهاجمة للملك فيصل والملك حسين، كما يطرب بعضهم الآن لمهاجمة الإعلام المصري لأردوغان والأمير تميم. واصطفاف الشعوب وراء حكامهم في صراعات مرتبطة بانعدام الديمقراطية وعدم التدريب على ممارسة الحرية، ولذلك فإن هذه الظاهرة منعدمة في أوربا والنظم الديمقراطية.

وما دامت المحاولات لم تنقطع لإدخال دولة القانون والديمقراطية من الناحية العملية وسوف تستغرق وقتا، فإن هذا المنتدى مهم لتفادي الخسائر العربية والانشقاق في صفوف شعوب الأمة الواحدة.

وأخيرا، لابد من الاعتراف بأن النظم ونخبها المستفيدة منها لن تشعر بالرضى لهذه المبادرة ولكن المصلحة العليا تقتضي المضي فيها بشجاعة.


تحميل

كلمات مفتاحية :

الأنظمة العربية الحكام العرب الدول العربية المصريين تحالفات