إسرائيل بالخلفية.. ماذا وراء تراجع شحنات الأسلحة الإيرانية إلى روسيا؟

a month ago

12

طباعة

مشاركة

على الرغم من استعداد روسيا لتعزيز هجومها داخل أوكرانيا للحفاظ على تقدمها الميداني الأخير، تواردت أنباء سيئة لموسكو تتعلق بتخفيض إيران شحنات الأسلحة  والذخائر لها عقب التوتر مع الكيان الإسرائيلي.

وتعتقد أوكرانيا، أن إيران ستخفض شحناتها من الذخائر إلى موسكو، في حين ستحصل كييف على المزيد من الإمدادات من حلفائها.

انخفاض الشحنات

ووفقا للتقارير التي جمعتها أجهزة المخابرات الأوكرانية وبعض حلفائها، فإن حجم شحنات الذخائر الإيرانية إلى روسيا آخذ في الانخفاض، وكذلك طائرات "شاهد" المسيرة وقطع غيارها.

ومن المؤكد أن التوترات المتجددة مع إسرائيل ستكون عاملا في هذا التحول، حيث ترغب طهران في تعزيز ترسانتها الخاصة فيما لو دخلت في صراع جديد مع تل أبيب، وفق ما ذكر تقرير لمجلة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية المعنية بالشؤون الاستخباراتية نشر في نهاية أبريل/نيسان 2024.

وبعد عقود من حرب الظل، لجأت طهران ولأول مرة إلى إطلاق مئات الطائرات بدون طيار والصواريخ على إسرائيل في 13 أبريل 2024، وذلك ردا على غارة إسرائيلية نالت القنصلية الإيرانية بدمشق وأسفرت عن مقتل سبعة من قادة الحرس الثوري الإيراني مطلع نفس الشهر.

وعقب ذلك، استهدفت إسرائيل قاعدة جوية بالقرب من أصفهان في وسط إيران، الأمر الذي دعا بعض المراقبين لعد هذا التصعيد بداية لحرب باردة بين طهران وتل أبيب.

وأمام ذلك، قد يؤثر الهجوم الإيراني على حرب روسيا في أوكرانيا المتواصلة منذ فبراير/شباط 2022، حيث تعد طهران موردا رئيسا للأسلحة وشريكا اقتصاديا لموسكو.

إذ توسع التعاون العسكري الروسي الإيراني بشكل كبير منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. 

وبدأ الإيرانيون في إرسال المئات من طائرات الاستطلاع والطائرات بدون طيار الهجومية بعيدة المدى إلى روسيا في أغسطس/آب 2022، حيث استنفد الروس إمداداتهم من الصواريخ. 

وسمحت تلك الطائرات بدون طيار لروسيا بمواصلة وزيادة ضغطها على الدفاعات الجوية الأوكرانية حتى أثناء عملها على توسيع إنتاج وتعديل أنظمة الصواريخ الخاصة بها. 

حتى إن الإيرانيين ساعدوا روسيا في بناء مصنع ضخم في جمهورية تتارستان قادر على إنتاج الآلاف من هذه الطائرات بدون طيار

إلا أنه بعد تعميق شراكة روسيا مع إيران خلال العامين الماضيين في المجال العسكري، فإن صدعا محتملا في هذا المجال قد يحدث بينهما.

وذلك لكون إيران لن تكون قادرة على تقديم نفس المستوى من الدعم لروسيا في ظل انشغالها في صد التهديدات الإسرائيلية التي تتوعد برد قاس على الهجوم الإيراني عليها والذي يخشى أن ينال المنشآت النووية الإيرانية.

لا سيما أن إيران عقب هجومها على إسرائيل في عملية أطلقت عليها اسم "الوعد الصادق"، تعرضت لعقوبات غربية تركزت على صناعاتها العسكرية.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال بيان في 15 أبريل 2024: "سنفكر في فرض عقوبات إضافية على إيران بالتعاون الوثيق مع شركائنا، وتحديدا فيما يتعلق ببرامجها للطائرات بدون طيار والصواريخ".

كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 25 أبريل 2024 فرض عقوبات على إيران بالتنسيق مع بريطانيا وكندا تستهدف أكثر من 12 كيانا وفردا وسفينة تتهمهم بتسهيل وتمويل بيع سري لطائرات مسيرة إيرانية وإسناد القوات المسلحة الإيرانية التي تقول واشنطن إنها تدعم الحرب الروسية في أوكرانيا.

وذكرت وزارة الخزانة حينها أن واشنطن استهدفت أيضا شركتين وسفينة ضالعة في شحن السلع الأولية الإيرانية.

ضغط على إيران

وفي ظل هذا الضغط الكبير الذي تلقته إيران من تداعيات الهجوم على إسرائيل، حذرت ميشيل جريسيه، الباحثة السياسية البارزة في مؤسسة "راند" البحثية الأميركية مما أسمته الصراع الإقليمي الأوسع.

وخاصة إذا كان ينطوي على صراع مباشر بين إسرائيل وإيران، من شأنه أن يحد من قدرة طهران على الاستمرار في العمل كمورد عسكري لموسكو، بحسب قولها.

وأضافت جريسيه في تصريحات صحفية في 15 أبريل 2024 أن "طهران قد تطلب المزيد من الدعم عندما تكون قدرة موسكو على تقديمه محدودة".

ولجأت روسيا إلى إيران وكوريا الشمالية للحصول على أسلحة تستخدمها في أوكرانيا كما عززت إنتاجها المحلي للأسلحة بدرجة كبيرة.

وتعتقد الولايات المتحدة أنه حتى مايو 2023، تلقّت روسيا "مئات" المسيرات الهجومية الإيرانية الصنع عبر بحر قزوين واستخدمتها "لضرب كييف وترهيب السكان الأوكرانيين".

لكن طهران رأت مرارا أن الاتهامات الأميركية بشأن توريدها أسلحة لروسيا "لا أساس لها"، مؤكدة أنها ليست طرفا في النزاع الأوكراني.

وتقول منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة إن شحنات الطائرات المسيرة تغادر أسبوعيا من قاعدة تابعة للحرس الثوري في "طائرات شحن عسكرية روسية".

وقالت المنظمة في بيان إن هذه الطائرات تصنع في مصانع تابعة لجمعية صناعات الطيران والفضاء الإيرانية التي تتهمها المنظمة "بالتحايل على العقوبات واستيراد تقنيات محظورة".

وما هو واضح الآن بعد تحطيم عتبة الصراع السابقة في الحرب الطويلة الأمد بين إسرائيل وإيران، هو أن هذه تمثل بداية حقبة جديدة.

وهذه الحقبة ستكون فيها إيران مستعدة للرد مباشرة على الهجمات الإسرائيلية.

فقبل الهجوم الإيراني غير المسبوق على إسرائيل عبر إطلاق أكثر من 300 طائرة مسيرة وصاروخ الذي تولت الولايات المتحدة وحلفاء آخرون لتل أبيب مهمة اعتراض غالبيتها، كانت الشحنات الإيرانية تتدفق بشكل كبير. 

إذ تتعرض أوكرانيا كل أسبوع لنفس العدد من الصواريخ التي أطلقتها إيران على إسرائيل.

وعلى سبيل المثال فإنه في 11 أبريل 2024 أي قبل الهجوم الإيراني على إسرائيل بيومين، أطلقت روسيا 82 صاروخا وطائرات إيرانية بدون طيار، مما أدى إلى تدمير أكبر محطة لتوليد الطاقة في كييف بالكامل.

كما تنشر روسيا نفس الطائرات بدون طيار التي أطلقتها إيران ضد إسرائيل، والصواريخ المصنوعة إلى حد كبير بمكونات صينية، والصواريخ الكورية الشمالية - وكلها تجد بصماتها على نحو متزايد مع اضطرار أوكرانيا إلى تقنين الدفاعات الجوية.

وينصب الدعم الإيراني لروسيا في حصول طهران على أسلحة روسية متطورة، مثل بطاريات إس-300 المضادة للطائرات كأسلحة دفاعية بحتة، وكذلك شراء طائرات مقاتلة من طراز سوخوي-35 الروسية.

وبحسب ما ورد، زار 17 مسؤولا إيرانيا مصنعا روسيا لأنظمة الدفاع الجوي في يكاترينبرغ في مارس/آذار 2023.

وينتج هذا المصنع، الخاضع للعقوبات الأميركية لدعمه الحرب الروسية في أوكرانيا، قاذفات متنقلة ومكونات أخرى للأنظمة المضادة للطائرات بما في ذلك نظام S-400 المتقدم.

تقييم إستراتيجي

إلا أن الإيرانيين يحذرون من الاعتماد المفرط على موسكو، إذ يرى "بيار رازو"، المدير الأكاديمي لمؤسسة البحر الأبيض المتوسط للدراسات الإستراتيجية أن "الجيش الإيراني في حالة مثيرة للشفقة فعتاده الحربي يبلغ متوسط عمره 50 عاما. كل ما هو تقليدي أصبح قديما".

لذلك يحتاج الجيش الإيراني لعملية تحديث لكنه منهك بالعقوبات، وفق ما قال رازو لوكالة الأنباء الفرنسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

وأضاف أن التبادل مع روسيا يجرى عن طريق "المقايضة.. طائرات بدون طيار مقابل طائرات مقاتلة بالإضافة إلى التدريب".

وتابع: "الإيرانيون لا يريدون أن يضعوا كل بيضهم في سلة واحدة، إذ إنهم يدركون أن موسكو يمكن أن تخسر الحرب بأوكرانيا ولن يرغبوا في أن يكونوا في الجانب الخاسر".

وربما يفرض التعاون العسكري وتبادل تكنولوجيا الدفاع بين روسيا وإيران تحديات على أمن المعدات الدفاعية الإيرانية.

لا سيما أنه في الوقت الحالي، تزود إيران روسيا بطائرات بدون طيار، وذخائر جو-أرض، وذخائر مدفعية لاستخدامها في أوكرانيا، وتعمل على بناء مصنع لإنتاج الطائرات بدون طيار داخل الأراضي الروسية.

وفي نوفمبر 2023، كشفت الحكومة الأميركية عن معلومات استخباراتية مخففة تفيد بأن إيران تفكر في تزويد روسيا بصواريخ باليستية.

وفي المقابل، يبدو أن موسكو مستعدة لتقديم طائرات مقاتلة من طراز سو 35 وتحديث أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.

وهناك أيضا دلائل تشير إلى أن تبادل التكنولوجيا العسكرية يمتد إلى الإلكترونيات والرادارات الأخرى والمروحيات الهجومية.

فضلا عن أن روسيا وإيران تستخدمان معا أوكرانيا والشرق الأوسط كمختبرات في ساحة المعركة لتحسين أسلحتهما وتطوير التقنيات اللازمة للتغلب على الأنظمة الدفاعية للولايات المتحدة وحلفائها وهزيمة القدرات الهجومية.

ويعتقد المراقبون أن إيران ستقنن شحنات الأسلحة لروسيا على المدى المتوسط لحين ضمان تجنب أي تصعيد جديد مع إسرائيل عبر وساطات دولية.

إضافة إلى تركيز إيران في الفترة القادمة على استثمار الخبرات العسكرية الروسية في عمليات تطوير الصواريخ والمسيرات اعتمادا على تحليل نتائج الهجوم على إسرائيل.

ويرى الخبراء أن هذه الجولة من التصعيد، قد تقود إيران إلى تقييم مفاده أنها ستتجه نحو توازن إستراتيجي دفاعي مع إسرائيل على الرغم من تفوق الأخيرة الجوي والتكنولوجي والاستخباراتي.

 والإيرانيون الآن يدركون أهمية التركيز على حجم ومجموعة أنواع الذخائر التي قد يحتاجون إليها لاختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية.

ولهذا من المرجح أن يكون التعاون العسكري الروسي الإيراني هو الذي شكل تصميم الهجوم الصاروخي الإيراني الفاشل في 13 أبريل 2024 على إسرائيل، منذ أن استخدمت طهران مزيجا من الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية التي طورها الروس لاختراق الدفاعات الصاروخية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أوكرانيا.

علاوة على ذلك، أظهر الروس في أوكرانيا أن المحاولات المتكررة للعثور على نقاط الضعف في أنظمة الدفاع الصاروخي يمكن أن تنجح في نهاية المطاف وأنهم على استعداد لمشاركة أفكارهم مع إيران.

ومن هنا ينظر بعض المراقبين إلى أن إيران تجنح لتغيير إستراتيجية الردع العسكري في الدرجة الأولى من قبيل استخدام سلاح مقارب للذي تمتلكه إسرائيل أو تطوير ما لديها من أسلحة.

وفي الوقت نفسه، تقول مصادر في كييف مطلعة على خطوط الإمداد الروسية إن الجيش الروسي يعاني بالفعل من تراجع مخزونه من الذخائر التي يحصل عليها من كوريا الشمالية وإيران، والتي تشمل ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين قذيفة من عيار 152 ملم. 

ويأتي ذلك في ظل عدم قدرة بيونغ يانغ على تجديد تلك الإمدادات، بالسرعة والكميات المطلوبة في موسكو.

ولهذا برزت شواهد ميدانية على محاولة روسيا إبقاء تفوقها العسكري في أوكرانيا، عبر تكثيفها للضربات على شبكة السكك الحديد الأوكرانية بهدف "شل" الإمدادات العسكرية.