الأردن يدعي إحباط تهريب أسلحة إلى "معارضين للحكم الملكي".. ما الحقيقة؟

إسماعيل يوسف | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

رغم أن العلاقات بين النظام الملكي في الأردن وجماعة الإخوان المسلمين تتأرجح بين التعاون والخلاف، إلا أنها ظلت محكومة بعدم التصعيد الشديد والحظر مثل دول أخرى، بحكم أن الجماعة من مرتكزات الحكم الهاشمي ولها نفوذ.

حين اندلع العدوان على غزة، هاجم مسؤولون أردنيون إسرائيل، مراعاة لنبض الشارع، خاصة أن نسبة كبيرة من سكان البلاد البالغ عددهم 11 مليون نسمة من أصل فلسطيني، بخلاف اللاجئين عقب احتلال فلسطين عام 1948.

لكن كان هناك استياء شعبي وتنظيمي من جماعة الإخوان من ردود الفعل المحدودة للنظام وعدم قطع العلاقات مع إسرائيل خاصة عقب بدء الإبادة الجماعية في غزة، لكن ظل الوضع متوازنا حتى انضم الأردن بشكل شبه رسمي إلى المحور الأميركي.

هذا الانضمام ظهر جليا حين قامت سلطات المملكة بتصدير خضروات لإسرائيل كبديل للحصار الحوثي، ثم تعاونت مع المحور الغربي لإسقاط صواريخ إيران في 15 أبريل 2024 التي وجهت إلى أهداف محددة في إسرائيل، ومن هذه النقطة توترت العلاقات.

كان الملك الأردني عبد الله الثاني يسير على حبل مشدود، ووضعته أزمة غزة في موقف صعب، بالتوفيق بين الدعم للقضية الفلسطينية، وإرضاء الولايات المتحدة وتعاون بلاده المستمر منذ عقود مع إسرائيل.

وحين انحاز لأميركا وإسرائيل أثار ذلك غضبا شعبيا واسع النطاق، خاصة بعد دعوات المتظاهرين في الشوارع، الذين كان عمادهم الإخوان المسلمون، لقطع العلاقات مع إسرائيل.

ما القصة؟

وفي هذا السياق، زعمت وكالة "رويترز" في 15 مايو/ أيار 2024 أن "مصدرين أردنيين مطلعين على الأمر" كشفا أن "الأردن أحبط مؤامرة تقودها إيران لتهريب أسلحة إلى المملكة لمساعدة معارضي النظام الملكي الحاكم على تنفيذ أعمال تخريبية".

الوكالة نقلت عن هذه المصادر أن "الأسلحة أرسلتها فصائل مدعومة من إيران في سوريا إلى خلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن لها صلات بالجناح العسكري لحركة حماس".

وادعت أن الأمن الأردني استولى على مخبأ السلاح "عندما ألقى القبض على أعضاء الخلية، وهم أردنيون من أصل فلسطيني، في أواخر مارس/آذار 2024.

وعقب نشر وكالة رويترز الخبر، نقلت وكالة الأنباء الأردنية "بترا" عن مصدر مسؤول لم تسمه، أن الأجهزة الأردنية الأمنية أحبطت محاولة تهريب أسلحة إلى المملكة أرسلت من قبل مليشيات مدعومة من إحدى الدول إلى خلية في الأردن".

لكن الوكالة الرسمية لم تحدد اسم الدولة التي أرسلت السلاح، ولم تتهم الإخوان أو حماس ولم تورد اسمهما في خبرها.

وكان لافتا قول بترا "إنه في الأشهر الأخيرة أحبطت الأجهزة الأمنية محاولات عديدة لتهريب أسلحة، بما في ذلك ألغام كلايمور، ومتفجرات C4، وسمتكس، وبنادق كلاشينكوف، وصواريخ كاتيوشا عيار 107 ملم.

وهو أمر سبق أن أشارت إليه الوكالة ذاتها عدة مرات من قبل دون أدلة مؤكدة عليه، لكن مصادر أردنية قالت إنها ربما محاولات من جانب أردنيين غاضبين لفتح معركة مع الاحتلال عبر الحدود واستهداف جنوده، ردا على الإبادة الإسرائيلية في غزة.

وسبق أن كشف الجيش الأردني في 26 فبراير 2024 "إحباط محاولة تهريب أسلحة وقنابل يدوية عبر طائرة مسيرة مفخخة قادمة من سوريا".

وعلى مدار عام 2023 أعلن الأردن عدة مرات أنه أحبط العديد من المحاولات التي قام بها متسللون من سوريا، لتهريب سلاح، ونفت إيران أن تكون وراء مثل هذه المحاولات.

ما الحقيقة؟

كان من الواضح من ردود جماعة الإخوان المسلمين حول هذه الواقعة، تأكيدهم عدم صحتها، وأن توقيت نشر هذا الخبر ونسبه لمعلومة عمرها شهران (مارس 2024) مريب وربما وراءه نوايا خبيثة.

ولاحظت "الاستقلال" أن كثيرا من الأردنيين الذين تفاعلوا مع هذه القصة عبر مواقع التواصل رأوها قصة مفبركة تقف وراءها أهداف سياسية، ربما تكون استهداف جماعة الإخوان وحركة حماس.

لكنهم احتاروا: هل القصة المختلقة من تأليف أردني فقط أم وراءها أيادٍ أجنبية؟

وبالمقابل ظهرت لجان إلكترونية، ربما تكون استخبارية إسرائيلية أو إماراتية، استغلت خبر "رويترز" كنقطة انطلاق لمهاجمة المقاومة في غزة وجماعة الإخوان في الأردن.

الصحفية الأردنية المقيمة في كندا "غادة عناب" قالت إن خبر رويترز "مفبرك"، بدليل أن "الأردن الرسمي لم يصدر أي بيان عسكري أو حكومي بخصوص خبر التهريب المفبرك".

زعمت أن الاجهزة الاردنية وراء فبركة الخبر الذي لا يحتوي على أي معلومة، بهدف ترجمته للإنجليزية عبر رويترز ليطلع عليه الأميركان.

أوضحت أن الملك عبد الله الثاني سبق أن تلقى "طلبا" من أميركا بصيغة نصيحة بضرورة "تفكيك" جماعة الإخوان المسلمين الأردنية، أثناء لقائه بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي.

قالت عبر حسابها على إكس (تويتر سابقا) إن جماعة الإخوان المسلمين من مرتكزات الحكم الهاشمي في الأردن، لكن الأميركيين الداعمين للملك عبد الله الثاني يريدون منه البدء بعملية تفكيك الجماعة طوعا، من أجل تحاشي أن تتم العملية جبرا.

وزار وفد مجلس الشيوخ الأميركي الأردن في 3 مارس 2024، وضم الوفد السيناتور كوري بوكر من اللجنة القضائية، والسيناتور مايكل بينت من لجنة مجلس الشيوخ وعدداً من المستشارين، لكن لم ينشر تفاصيل عن اللقاء سوى القضية الفلسطينية.

وقد أثار عدم إصدار الأردن أي بيان رسمي حول مزاعم "رويترز" بشأن "مؤامرة أسلحة" تستهدف النظام الملكي في الأردن والتلميح لتورط جماعة الإخوان المسلمين وحماس، الاستغراب وطرح تساؤلات.

لماذا تأخر إعلان الأردن رسميا وسبقته رويترز بكشفها لمزاعم وجود "خلية إخوانية مرتبطة بحركة حماس" أرادت تهريب السلاح للداخل؟

ولماذا خلطت الوكالة بين قضية سابقة ومعروفة هي تورط نائب في البرلمان الأردني بتهريب سلاح لمقاتلي المقاومة في الضفة الغربية، هو عماد العدوان؟

والذي اعتقلته إسرائيل يوم 23 أبريل/نيسان 2023، بزعم إدخال أسلحة وذخيرة للضفة الغربية، وسلمه جهاز الشاباك الإسرائيلي (المخابرات) إلى الأردن في 7 مايو 2023 "لإجراء مزيد من التحقيق والمساءلة".

ولماذا تم حشر اسم "إيران" في القضية؟ هل لتشويه جماعة الإخوان والإيحاء بأنها تتآمر مع طهران ضد النظام الملكي، برغم إعلان الإخوان المسلمين أن لا علاقة لهم بإيران أو ميليشياتها؟

وموقفها العام تجاه النظام الأردني، والعائلة المالكة، واضح من خلال وثيقة الفكر السياسي التي صدرت قبل سنوات"؟

هل الأمر له علاقة بخطة لإضعاف الجماعة وتشويهها في الشارع أو "حيلة انتخابية" بعدما تصدرت مظاهرات دعم غزة وأججت الشارع ضد الاحتلال ورغبة في هدمها قبل انتخابات البرلمان في الأسابيع المقبلة.

خاصة أن الوكالة نقلت عن مصدرين أردنيين مجهولين ربما سربا الخبر لها في إطار الكيد للجماعة؟ وضمنه إغلاق قناة اليرموك

أم هناك ترتيبات أردنية أميركية إسرائيلية لتشويه حماس، التي نفت هذه المزاعم وأكدت أنه لا علاقة لها بأي أعمال تستهدف الأردن.

وقالت إنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وسياستها ثابتة وواضحة في حصر مواجهتها مع الاحتلال الإسرائيلي؟

الإخوان والملك

لأن الأردن الرسمية لم تتهم جماعة الإخوان صراحة، في المؤامرة المزعومة، لم تعلق الجماعة بدورها ببيان رسمي على هذا الاتهام، عبر مواقعها الرسمية.

لكن الناطق الإعلامي باسم الجماعة أصدر بيانا وزعه على الصحفيين استهجن وانتقد فيه تقرير وكالة رويترز.

قال إنها "نسبت قصتها إلى مصدرين مجهولين دون أن تكلف نفسها عناء التواصل مع قيادة الجماعة، للتأكد من صحة الادعاءات بل تعاملت معها على أنها حقائق".

"معاذ الخوالدة" تساءل في بيانه في 15 مايو 2024 ضمنا عن سر توقيت نشر مثل هذه الأخبار، قائلا إنها تحمل نوايا وأهدافا خفية.

قال إن "نشر مثل هذه الأخبار في هذا التوقيت خلفه نوايا وأهداف مقصودة لا تريد بالأردن خيراً وتسعى لخلط أوراق المشهد الوطني، لبث الفرقة فيه في توقيت مُريب يتعرض فيه قطاع غزة لحرب إبادة صهيونية".

استهجن "الزج باسم الجماعة بمثل هذه الوقائع التي لا علاقة لها بها"، وأكد أن "أي سلوك يخالف سياسات الجماعة وقراراتها يمثل مرتكبه فقط".

وأكد أن سياسة الجماعة المستقرة لم تتغير، وهي حرصت طوال تاريخها على الحفاظ على أمن الأردن واستقراره.

ونقلت "رويترز" عن "ممثل كبير لجماعة الإخوان المسلمين" في الأردن أن بعض أعضائها اعتقلوا في مارس 2024 وبحوزتهم أسلحة، لكنه قال إن كل ما فعلوه لم توافق عليه الجماعة.

ذكرت أنه أكد "أنهم ربما كانوا يقومون بتهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية وليس التخطيط لأعمال في الأردن".

وقال ممثل الإخوان الذي قالت الوكالة أنه طلب عدم ذكر اسمه نظرا لحساسية الأمر إن "هناك حوارا بين الإخوان والسلطات، إنهم يعرفون أنه إذا كانت هناك أخطاء فليست جماعة الإخوان المسلمين، بل أفراد فقط وليس سياسة جماعة الإخوان المسلمين".

وقال أحد المصدرين الأردنيين المطلعين على المؤامرة المزعومة لـ "رويترز" إن مسؤولي المخابرات استدعوا 10 شخصيات بارزة في جماعة الإخوان لإبلاغهم بأنهم اعتقلوا خلية كانت بمثابة جسر بين حركتهم وحماس.

وأوضح أن الكمية صودرت عند اعتقال أعضاء الخلية، وهم أردنيون، في أواخر مارس/آذار 2024، مشيرا إلى أن التحقيقات والعمليات ما زالت جارية لكشف المزيد المتعلق بهذه العملية.

وقد ذكرت هذه "المصادر الأردنية" لـ "رويترز" "أن معظم التدفق السري للأسلحة إلى البلاد كان متجها إلى الأراضي الفلسطينية المجاورة في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل".

 لكنهم قالوا إن "بعض الأسلحة، بما في ذلك تلك التي استولت عليها أجهزة الأمن في مارس/آذار، كانت مخصصة للاستخدام في الأردن من قبل خلية الإخوان المتحالفة مع نشطاء حماس".

وكانت رويترز نقلت عن "سياسيين أردنيين" طلبا عدم الكشف عن هويتهما أنه "مما يزيد من مخاوف الملك عبد الله أن أي توتر مع الإخوان قد يحمل مخاطر، حيث تحظى الجماعة بدعم شعبي واسع في البلاد"، في إشارة لحساسية العلاقة بينه وبينها.

لماذا إيران؟

في الخبر الذي بثته وكالة رويترز نقلت عن "مصدرين" لم تكشف اسميهما أن "المؤامرة" التي أحبطت "يشتبه أن إيران تقف خلفها" وذلك "لمساعدة معارضين للحكم الملكي على تنفيذ أعمال تخريبية".

قال المصدران للوكالة إن "الأسلحة أرسلتها فصائل في سوريا مدعومة من إيران إلى خلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، لها صلات بالجناح العسكري لحركة حماس".

وكان خبر "بترا" قد أشار إلى أن التحقيقات جارية وأنها ترتبط بـ "أسلحة أرسلت من قبل ميليشيات مدعومة من إحدى الدول (لم يذكر اسمها) إلى خلية في الأردن"، وأشارت الوكالة الأردنية إلى أن أعضاء هذه الخلية "أردنيون".

وقال "سعود الشرافات"، العميد السابق في مديرية المخابرات العامة الأردنية في تبرير قيام بلاده بصد صواريخ إيران المتجهة لإسرائيل أن القرار الأردني بالانضمام إلى القوى الغربية في إسقاط طائرات إيران المسيرة مدفوع جزئيا بمخاوف المسؤولين من احتمال انجرار المملكة إلى الصراع الإستراتيجي الإيراني ضد إسرائيل".

وقال لـ"رويترز" إن "الإيرانيين لديهم تعليمات بتجنيد أردنيين واختراق الساحة الأردنية عبر العملاء".

ويُعتقد محللون أن من أسباب تصدي الأردن لطائرات إيران المسيرة المتجهة لإسرائيل هو الرد على الهجوم غير المسبوق على قاعدة عسكرية أميركية في الأردن في 29 يناير/كانون الثاني 2024.

وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين وإصابة 40 آخرين، وجرى اتهام الجماعات المتحالفة مع إيران المتمركزة في العراق بالمسئولية عنه لكن إيران نفت مسئوليتها.

ويعود العداء بين إيران والأردن إلى عام 2004، في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، عندما اتهم الملك عبد الله إيران بمحاولة إنشاء "هلال شيعي" لتوسيع قوتها الإقليمية.

وزعمت "رويترز" أن السلطات الأردنية تعتقد أن إيران والجماعات المتحالفة معها تحاول تجنيد شباب "متطرفين" من جماعة الإخوان المسلمين في المملكة للانضمام إلى جماعتهم المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة لتوسيع شبكة طهران الإقليمية.

وفي أبريل 2024، احتفت صحف إسرائيلية ومحللون بالدور الأردني في صد جزء من الهجوم الإيراني على "إسرائيل" وعدوا ذلك تعبيرا عن التعاون الوثيق بين الجانبين، ونجاح إسرائيلي في "هندسة" تصد إقليمي للهجوم الإيراني.

وقالت الصحفية الإسرائيلية، سمدار بيري، في صحيفة يديعوت أحرونوت إنه بينما اختفى الملك الأردني بالتزامن مع الهجوم الإيراني، ولم يظهر للتعليق على ما يجري، فإنه كان يعمل خلف الكواليس، ويوجه سلاح الجو لصد الهجوم الإيراني.  

وزعمت "بيري" أن "الطائرات الإسرائيلية ومعدات إلكترونية متطورة نصبت كمينا للطائرات بدون طيار الإيرانية في سماء الأردن، كما خرجت طائرات أردنية من قواعدها لإطلاق النار على الطائرات بدون طيار الإيرانية التي شقت طريقها".

كما زعمت أن "المملكة سمحت للطائرات الإسرائيلية بحرية العمل الكاملة في سماء الأردن، فهاجمت الطائرات الإيرانية بدون طيار".

أيضا استغل وزير خارجية إسرائيل "إسرائيل كاتس" خبر رويترز ليقول أن إيران هي رأس الأفعى ويحرض عليها.

وكانت مجلة "ناشونال إنترست" ذكرت في 21 مارس 2024 أن "الاضطرابات الشعبية ضد العلاقات مع إسرائيل والاقتصاد المضطرب يجعلان الأردن عرضة "لأنشطة إيران وتنظيم داعش".

وقالت إن "الاحتجاجات واسعة النطاق في الأردن" تضع "مكانة المملكة كمعقل للأمن والاستقرار في المنطقة على المحك".

أكدت أن الأردن يستضيف ما يقرب من 3000 جندي أميركي، وتعده واشنطن شريكاً حيوياً في الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. 

وأضافت أن المملكة تلقت أكثر من 20 مليار دولار من المساعدات الأميركية منذ عام 1951، وعملت كشريك قيم لعمليات مكافحة الإرهاب الأميركية، خاصة في العراق وسوريا، ووسيط بين إسرائيل وفلسطين. 

وفي يناير 2023، اتفقت عمان وواشنطن على صفقة بقيمة 4.2 مليارات دولار تزود الحكومة الأردنية بطائرات مقاتلة متقدمة من طراز بلوك 70 من طراز إف-16 كجزء من توسيع مذكرة التفاهم التي مدتها سبع سنوات الموقعة في عام 2022.