تاكر كارلسون.. نجم اليمين الأميركي الذي كسر محرمات العلاقة مع إسرائيل

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال العامين الأخيرين، تحوّل تاكر كارلسون، الإعلامي اليميني الأميركي ومقدّم أحد أشهر برامج البودكاست السياسية في الولايات المتحدة، إلى عنوان لتحوّل لافت داخل اليمين المحافظ، بعدما كسر ما كان يُعدّ من المحرّمات فيما يخصّ العلاقة مع “تل أبيب”.

فقد انتقل كارلسون من خطاب كان ينسجم إلى حدّ بعيد، مع المزاج الأميركي التقليدي المؤيد لإسرائيل إلى نبرة نقدية حادة تشكّك في رواياتها بشأن الحرب على غزة، وتهاجم فكرة الدعم الأميركي غير المشروط لها.

هذا التحوّل فجّر انقساما داخل صفوف الجمهوريين والتيار الإنجيلي، بين من يرى فيه صوت “أميركا أولاً” الذي يجرؤ على كسر الخطوط الحمراء، ومن يتهمه بالانزلاق نحو خطاب معادٍ لإسرائيل، ويسعى إلى تشويه صورته عبر إثارة اتهامات تتعلق بالتمويل أو بالتأثيرات الخارجية.

قصة التحوّل

على مدى سنوات عمله في الإعلام المحافظ، نادرا ما خرج تاكر كارلسون عن الإجماع الجمهوري الداعم بقوة لإسرائيل. بل على العكس، اعتاد انتقاد سياسيين ديمقراطيين بحجة افتقارهم إلى الحماسة الكافية لدعم تل أبيب، وهاجم باستمرار أصوات اليسار التقدمي المناصِرة للفلسطينيين.

غير أن اندلاع الحرب على غزة (2023–2025) شكّل نقطة انعطاف حادة في خطاب كارلسون تجاه إسرائيل؛ إذ تبنّى موقفا مناهضا لعدوانها على القطاع، وقدم سردية غير مألوفة في الإعلام اليميني الأميركي.

فقد اتهم حكومة الاحتلال، برئاسة بنيامين نتنياهو، بتبنّي منطق يعد كل من يعيش في غزة “إرهابيا بحكم المولد”، بمن فيهم النساء والأطفال، واصفا هذا المنظور بأنه “غير غربي” و“غير مسيحي”، ولا ينسجم إطلاقا مع قيم الحضارة الغربية.

كما شنّ هجوما مباشرا على قادة مسيحيين إنجيليين في الولايات المتحدة برروا العدوان الإسرائيلي على غزة وقتل المدنيين، ويرى أن مواقفهم تتناقض مع تعاليم المسيحية نفسها.

وتساءل كارلسون بغضب في إحدى حلقاته:
“إذا ارتكب رجل جريمة، فهل نقتل أطفاله؟ سواء كان ذلك في مينيابوليس أو في غزة. لا، نحن لا نفعل ذلك”.

بهذه التصريحات، خرج كارلسون بوضوح عن النهج التقليدي لليمين الأميركي القائم على الاصطفاف التام مع إسرائيل، مقتربا من خطاب المدافعين عن حقوق الفلسطينيين، وهو خطاب ظلّ لسنوات محصورا في أوساط اليسار التقدمي.

كما أثارت تصريحات أخرى لكارلسون حول الإسلام، في ديسمبر/كانون الأول 2025، جدلا إضافيا، بعدما اتهم إسرائيل بإطلاق حملات دعائية ضد المسلمين داخل الولايات المتحدة.

وأوضح أن “كره المسلمين ليس سوى عملية نفسية كلاسيكية أخرى تقودها الحكومة الإسرائيلية، بهدف ترسيخ فكرة أن أعداء إسرائيل هم بالضرورة أعداء الأميركيين”.

وأضاف أنه لا يعرف أي شخص قُتل على يد ما وصفه بـ“الإسلام الراديكالي” خلال السنوات الأربع والعشرين الماضية، مؤكداً رفضه لما سماه “كره المسلمين”، وداعياً إلى الحكم على الأفراد بوصفهم أفراداً، لا على الجماعات على أساس هويتها الدينية أو الثقافية.

وأثارت هذه التحولات غضبًا عارمًا في صفوف حلفاء تاكر كارلسون السابقين داخل التيار المحافظ. فعلى سبيل المثال، سارع المذيع اليميني البارز إيريك إريكسون إلى مهاجمته، واصفًا إياه بأنه أصبح “حليفا” لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وأنه يروّج لدعاية “المعادين للسامية في الجامعات الأميركية”، على حدّ تعبيره.

كما هاجمه عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية تكساس، دان كرينشو، عبر منصة “إكس”، مقدرا أن “كارلسون بات يقف مع أعداء أميركا ويطعن حلفاءها”.

من جهته، انتقد السيناتور الجمهوري تيد كروز بشدة استضافة كارلسون أخيرًا لشخصيات وصفها بأنها “متطرفة ومعادية لليهود، مثل السياسي الأميركي نيك فوينتيس”.
وقال كروز: إن أي إعلامي “يجلس صامتًا أمام من يمتدح الزعيم النازي أدولف هتلر وينكر الهولوكوست (المحرقة اليهودية)، فهو جبان ومتواطئ في الشر”، في إشارة مباشرة إلى كارلسون.

بدوره، شنّ بن شابيرو، المعلق السياسي وأحد أبرز أبواق الدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة، هجومًا لاذعًا على زميله السابق، ورأى أن قرار كارلسون استضافة فوينتيس يمثل “حماقة أخلاقية” و“دليلًا على سقوط المعايير”.

وهكذا وجد كارلسون نفسه معزولًا إلى حدّ كبير من قبل أطياف واسعة داخل اليمين الأميركي المؤيد لإسرائيل، في مقابل ترحيب لافت بتحوّله من قِبل مؤيدي الحق الفلسطيني، لا سيما من الأجيال الأميركية الشابة التي قادت انتفاضات طلابية واسعة في الجامعات احتجاجًا على العدوان الإسرائيلي على غزة.

من هو؟

وُلد تاكر كارلسون عام 1969 في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، لأسرة أميركية محافظة؛ إذ كان والده، ريتشارد كارلسون، يشغل منصبًا تنفيذيًا في وكالة «صوت أميركا»، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل الدبلوماسي.

بدأ كارلسون مسيرته المهنية في مجال الصحافة المكتوبة بعد حصوله على شهادة في التاريخ عام 1991، ثم اتجه خلال تسعينيات القرن الماضي إلى العمل التلفزيوني، عبر برامج حوارية سياسية على شبكتي «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي».

وخلال سنواته الأولى في الإعلام، تبنّى كارلسون مواقف اليمين الأميركي التقليدي؛ فأيّد التدخلات العسكرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك غزو العراق، قبل أن يعترف لاحقًا بندمه على ذلك النهج التدخلي.

كما عُرف عنه في تلك المرحلة دفاعه العلني عن الصهيونية المسيحية بصفتها جزءًا من منظومته الفكرية المحافظة، حيث كان يشيد بقادة إنجيليين داعمين لإسرائيل، من بينهم مايك هاكبي، حاكم أركنساس السابق والسفير الأميركي الحالي لدى تل أبيب.

في عام 2009، انضم كارلسون إلى شبكة «فوكس نيوز» بصفته معلقًا سياسيًا، قبل أن يحظى في عام 2016 بفرصة تقديم برنامج خاص يحمل اسمه، تزامنًا مع صعود التيار اليميني الشعبوي في الولايات المتحدة.

وسرعان ما حقق البرنامج نجاحًا لافتًا، إذ تجاوز عدد مشاهديه أربعة ملايين مشاهد في الليلة الواحدة، ما أتاح لكارلسون منصة واسعة للترويج لآرائه اليمينية المتشددة، وتقديم أطروحات قومية محافظة اقتربت تدريجيًا من أقصى اليمين الأميركي.

وخلال تلك المرحلة، تبنّى خطابًا يدافع عن ما يُعرف بـ«تفوق الهوية البيضاء» داخل المجتمع الأميركي، وشنّ هجومًا حادًا على الهجرة، فضلًا عن ترويجه لنظريات مؤامرة متعددة، الأمر الذي أسهم في نقل أفكار كانت تُعد هامشية إلى قلب المشهد السياسي والإعلامي في البلاد.

ورغم توجيه انتقادات متكررة له بنشر معلومات مضللة وتأجيج خطاب الكراهية، حافظ برنامجه على شعبيته الواسعة وتأثيره العميق في قطاعات كبيرة من الجمهور، بما في ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عُرف عنه متابعته المنتظمة لبرنامج كارلسون.

غير أن مسيرة كارلسون داخل «فوكس نيوز» لم تخلُ من الأزمات والتوترات الداخلية، والتي بلغت ذروتها في أبريل/نيسان 2023، حين أعلنت الشبكة، بشكل مفاجئ، إنهاء برنامجه رغم نجاحه الجماهيري.

وجاء هذا القرار في أعقاب تسوية قانونية ضخمة بلغت قيمتها 787 مليون دولار، اضطرت «فوكس نيوز» إلى دفعها ضمن دعوى تشهير، اتُّهمت فيها الشبكة وعدد من مذيعيها، من بينهم كارلسون، بنشر مزاعم كاذبة بشأن تزوير الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020 التي فاز بها جو بايدن.

وقد شكّل هذا الإقصاء صدمة في الأوساط الإعلامية والسياسية، خاصة مع تداول تقارير تشير إلى أن القرار لم يكن مرتبطًا فقط بالقضية القانونية، بل أيضًا بتراكم الخلافات بين كارلسون وإدارة الشبكة المحافظة، التي رأت في بعض توجهاته وخطابه عبئًا سياسيًا وتجاريًا على القناة.

عقب خروجه من «فوكس نيوز»، سارع كارلسون في صيف 2023 إلى استثمار شهرته الواسعة، وأطلق برنامجًا رقميًا خاصًا به عبر الإنترنت، ليصبح خلال فترة وجيزة أحد أشهر مقدمي البرامج السياسية على منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة. وحققت حلقاته الجديدة ملايين المشاهدات، مستفيدًا من تحرره من القيود والضوابط التحريرية التقليدية.

وزاد من زخم حضوره الإعلامي إجراؤه حوارًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2023، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ كان أول إعلامي أميركي يحاور ساكن الكرملين بعد تلك الحرب.

وخلال هذه المرحلة، تمتع كارلسون بهامش واسع من الاستقلالية في التعبير عن مواقفه، فلم يتردد في انتقاد السياسات الخارجية لواشنطن، بما في ذلك معارضته للدعم الأميركي لأوكرانيا في حربها مع روسيا، وكذلك للدعم غير المشروط لإسرائيل خلال عدوانها على قطاع غزة.

ويُعد كارلسون اليوم من أكثر الشخصيات الإعلامية تأثيرًا داخل الولايات المتحدة، مستندًا إلى قاعدة جماهيرية واسعة؛ إذ يتجاوز عدد متابعيه على منصة «إكس» تسعة ملايين متابع، فيما تحصد حلقاته ملايين المشاهدات، ما يجعله أحد أبرز الأصوات المؤثرة في تشكيل الخطاب اليميني الأميركي المعاصر.

كسر المحرمات

أثارت مواقف تاكر كارلسون الجديدة اهتمامًا واسعًا في إسرائيل، وقوبلت بردود فعل غاضبة من مسؤولين ووسائل إعلام عبرية سارعت إلى وصمه بالتطرف و«معاداة السامية»، وهي تهمة جاهزة كثيرًا ما تلجأ إليها تل أبيب في مواجهة منتقدي سياساتها.

فقد نشرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل تقريرًا مطولًا في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025 تناولت فيه مقابلة كارلسون مع الناشط اليميني نيك فوينتيس، مقدرة أنه أظهر «انسجامًا لافتًا مع أطروحات منكري الهولوكوست والمعادين لإسرائيل». كما أشارت الصحيفة إلى أن كارلسون حافظ على علاقات وثيقة بدوائر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم تحوّله إلى ناقد شرس لإسرائيل ومنصة، بحسب وصفها، لخطاب «مراجعي المحرقة».

بدورها، حذّرت صحيفة جيروزاليم بوست من تغلغل خطاب كارلسون داخل قاعدة الحزب الجمهوري، ووصفت استضافته لفوينتيس بأنها محاولة لـ«تبييض معاداة السامية».

وفي الولايات المتحدة، شنّت رابطة مكافحة التشهير (ADL) ومنظمات يهودية أخرى هجومًا على تصريحات كارلسون الأخيرة، متهمة إياه بترديد مزاعم مؤامراتية تاريخية معادية لليهود.

كما اتهمه موقع جويش جورنال الأميركي باحتقار «المسيحيين الصهاينة» والترويج لما وصفه بـ«اتهام خطير» مفاده أن إسرائيل تعمدت قصف الكنائس وقتل مسيحيين في غزة.

وخلال العدوان على القطاع، قصفت قوات الاحتلال الكنائس الثلاث في غزة (كنيسة القديس برفيريوس، وكنيسة العائلة المقدسة، وكنيسة المعمداني)، ما أدى إلى مقتل 23 مسيحيًا بشكل مباشر، فيما توفي آخرون بسبب نقص الدواء والغذاء، ليصل عدد الضحايا المسيحيين إلى 44 شخصًا.

ورغم هذه الوقائع، رأى الموقع أن طرح كارلسون يشكّل «إحياءً لأسطورة معادية للسامية» تتهم اليهود تاريخيًا بقتل المسيحيين، ولكن «بغطاء جديد».

ولم يتأخر الرد الرسمي الإسرائيلي؛ إذ وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كارلسون بأنه «يدافع عن الرواية الحمساوية»، خلال إحاطة خاصة مع إحدى الشخصيات الأميركية المقربة من التيار المحافظ. وأكد نتنياهو أن إسرائيل «ستواصل الدفاع عن نفسها وعن الحضارة الغربية في مواجهة الإرهاب والدعاية المغرضة»، في إشارة غير مباشرة إلى تصريحات الإعلامي الأميركي.

في المقابل، قال كارلسون في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إن «العدو الحقيقي للحضارة الغربية ليس المسلمين ولا اليهود ولا السود ولا أي جماعة دينية أو عرقية، بل بنيامين نتنياهو، الذي يقدّم نفسه حاميًا للقيم الغربية، بينما بات اليوم أحد أبرز التهديدات لها».

ولم تقتصر تداعيات مواقف كارلسون على إسرائيل والداخل الأميركي فحسب. ففي مارس/آذار 2025، أجرى مقابلة حصرية في الدوحة مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بُثّت عبر منصاته الرقمية، ما أثار موجة جديدة من الجدل.

ورأى منتقدوه أن كارلسون بات يروّج للرواية القطرية الداعمة للفلسطينيين، فيما سارعت ناشطة اليمين المتطرف لورا لومر إلى اتهامه بأنه «مدفوع من المسلمين ضد أميركا وإسرائيل لخدمة أجندة سياسية»، زاعمة تلقيه 200 ألف دولار مقابل ترتيب المقابلة، وهو ما نفاه كارلسون بشكل قاطع.

وخلال مشاركته في منتدى الدوحة، صعّد كارلسون لهجته أكثر، داعيًا إلى إعادة تقييم التحالف الأميركي مع إسرائيل، وخفض الأولوية الممنوحة لها لصالح تعزيز الشراكات مع دول الخليج، مثل قطر والسعودية.

وقال: إن العلاقات مع دول الخليج توفّر «فوائد واضحة» للولايات المتحدة، على عكس إسرائيل التي وصفها بأنها «دولة بلا موارد ولا قيمة جيوستراتيجية حقيقية لأميركا»، معتبرًا أن هذا التحالف بات «كلفة وخسارة صافية» للأميركيين دون مقابل يُذكر.