انقلب السحر على الساحر.. لماذا فشل "رأس الأفعى" في جذب الجمهور؟

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

منذ اللحظات الأولى لعرضه في موسم رمضان 2026، لم ينتظر مسلسل "رأس الأفعى" طويلًا حتى يتحول من عمل درامي يُفترض أن ينافس على نسب المشاهدة إلى مادة خصبة للسخرية والاستهزاء على منصات التواصل الاجتماعي.

وبدل أن يشدّ الجمهور بحبكة متماسكة أو أداء مقنع، بدا العمل وكأنه بيان سياسي مصوَّر أكثر منه دراما تلفزيونية، يقدّم خطابًا تعبويًا مباشرًا يفتقر إلى الحد الأدنى من الذكاء الفني والعمق الدرامي.

العمل الذي قُدّم بوصفه معالجة فنية لملف سياسي حساس، سرعان ما انكشف –في نظر كثير من المتابعين– كمنصة دعائية مكشوفة، توظّف الصورة والصوت والحوار لتصفية حسابات أيديولوجية، لا لتقديم رؤية درامية متعددة الزوايا.

ومع توالي الحلقات، تزايدت الانتقادات التي اتهمت المسلسل بتزييف الوقائع، وتسطيح الشخصيات، واختزال تعقيدات المشهد السياسي في قوالب جاهزة وشعارات مباشرة، أقرب إلى خطب المنابر منها إلى نصوص الدراما.

لم يكن الغضب الشعبي نابعًا فقط من مضمون الطرح، بل من طريقة تقديمه. فالشخصيات بدت كاريكاتورية إلى حدّ الفجاجة، أبطال مطلقو النقاء في مواجهة خصوم مطلقَي الشر، بلا مساحات رمادية، ولا صراع داخلي، ولا تطور درامي حقيقي.

الحوار جاء ثقيلًا، مباشرًا، مشحونًا بخطاب اتهامي لا يترك للمشاهد مساحة للتفكير أو التأويل، وكأن العمل يفترض سلفًا قناعة الجمهور، ويكتفي بتكرارها بصياغات مختلفة.

وتحت وطأة هذا الطرح الأحادي، فقد المسلسل أهم مقومات العمل الدرامي: الإقناع. فالمشاهد لم يجد أمامه عالما متكاملا ينبض بالحياة، بل مشاهد أقرب إلى إعادة تمثيل لرواية سياسية رسمية، تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة قابلة للتشكيل وفق الحاجة، لا بوصفه سياقًا معقدًا يتطلب تدقيقًا وتوازنًا. وهو ما دفع كثيرين إلى وصف العمل بأنه يقدّم “رواية واحدة” لا تقبل النقاش، ويقصي أي سردية مغايرة.

الأداء التمثيلي لم يسلم بدوره من النقد. فبعض الشخصيات ظهرت وكأنها تؤدي أدوارًا مكتوبة مسبقًا في الوعي العام، لا شخصيات درامية لها دوافعها وتناقضاتها الخاصة. 

وغلب على الأداء طابع الانفعال والخطابية، ما عزز الشعور بأن العمل موجّه لإثارة مشاعر محددة بدل بناء تجربة فنية متكاملة. ومع كل حلقة جديدة، كانت الفجوة تتسع بين ما يطمح إليه العمل من تأثير، وما يحققه فعليًا من ردود فعل ساخرة وغاضبة.

على منصات التواصل، تحوّلت مقاطع من المسلسل إلى “ميمز” متداولة، تُقتطع من سياقها لتُستخدم دليلا على ما عدّه المتابعون ضعفًا في الكتابة أو مبالغة في الطرح.

وسرعان ما أصبح العمل موضوع نقاش يومي، لا بوصفه إنجازًا دراميًا، بل مثالًا على ما يحدث حين يُختزل الفن في وظيفة سياسية مباشرة. وانتشرت تعليقات تتهم صُنّاعه بالتخلي عن الحياد الفني، وتسخير الدراما كأداة لإعادة إنتاج خطاب رسمي، بدل أن تكون مساحة للنقد والتساؤل.

اللافت أن الجدل لم يقتصر على المضمون السياسي، بل نال حتى البناء الفني ذاته؛ فالحبكة بدت متوقعة، تفتقر إلى المفاجأة أو التعقيد، وتعتمد على صدامات مباشرة ومواقف نمطية، دون تطوير حقيقي للأحداث.

ومع غياب التدرج الدرامي، تحوّلت بعض الحلقات إلى تكرار للرسالة نفسها بطرق مختلفة، ما عزز الانطباع بأن الهدف ليس سرد قصة، بل تثبيت فكرة محددة في ذهن المشاهد.

كما أشار منتقدون إلى أن العمل يتعامل مع جمهور رمضان –الذي يتنوع بين مختلف التوجهات– وكأنه كتلة واحدة متجانسة، تقبل الطرح الأحادي دون مساءلة. وهو تقدير وصفه كثيرون بأنه استخفاف بوعي المشاهد، الذي بات أكثر قدرة على التفريق بين العمل الفني المتماسك والمنتج الدعائي المباشر. فالجمهور، في نهاية المطاف، يبحث عن قصة تُحكى بإتقان، لا عن خطاب يُملى عليه.

وفي خضمّ هذه العاصفة، بدا أن المسلسل خسر معركته الأساسية: كسب ثقة المشاهد. فحتى من يشاركونه الموقف السياسي لم يجدوا فيه عملا يرتقي إلى مستوى درامي مقنع، بينما رأى معارضوه فيه تجسيدًا صارخًا لتسييس الفن وتوجيهه.

وهكذا، وجد “رأس الأفعى” نفسه عالقًا بين طموح التأثير السياسي ومتطلبات الفن، دون أن ينجح في تحقيق أي منهما بشكل متوازن.

خلاصة المشهد أن المسلسل تحوّل، من حيث لا يريد، إلى نموذج حيّ للجدل حول علاقة الدراما بالسلطة، وحدود التوظيف السياسي للفن.

فحين يُختزل العمل الفني في وظيفة أيديولوجية مباشرة، يفقد قدرته على الإقناع، ويخاطر بأن يتحول إلى مادة للتهكم بدل أن يكون مساحة للتأمل. وبين السخرية والغضب، يظل “رأس الأفعى” مثالًا على أن الجمهور قد يغفر الانحياز، لكنه لا يغفر ضعف الحرفة ولا الاستخفاف بذكائه.

قيمة وقامة

لم يقتصر الجدل الذي أثاره مسلسل “رأس الأفعى” على النقد الفني أو السجال السياسي، بل امتدَّ إلى إعادة فتح ملف سيرة الدكتور محمود عزت على نطاق واسع.

فمع تصاعد الحملة الدرامية ضده، برزت على المنصات الرقمية موجة تدوينات تُعرّف به، وتستعرض مسيرته الأكاديمية والدعوية والتنظيمية، وتؤكد مكانته داخل جماعة الإخوان المسلمين وقيمته العلمية والسياسية.

وتحت وسوم متداولة مثل #رأس_الأفعى و#محمود_عزت و#الإخوان_المسلمون، سلّط ناشطون الضوء على جوانب مختلفة من حياة نائب المرشد العام للجماعة، متوقفين عند مسيرته الأكاديمية أستاذًا في كلية الطب، ودوره التنظيمي داخل الجماعة، ويرون أن العمل الدرامي تعمّد تشويه صورته وتقديمه في إطار أحادي يفتقر إلى التوازن.

وأعرب كثيرون عن رفضهم لما وصفوه بـ"الإساءة" و"التنكيل المعنوي" بشخصية تجاوزت الثمانين من العمر، وقضت عقودًا بين العمل الجامعي والنشاط التنظيمي.

وُلد عزت عام 1944، وانضم إلى صفوف الجماعة مطلع ستينيات القرن الماضي، قبل أن يُعتقل عام 1965 في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ويقضي سنوات في السجن حتى الإفراج عنه في السبعينيات.

لاحقًا، اختير عضوًا في مكتب الإرشاد، أعلى هيئة قيادية في الجماعة، ثم تولى منصب القائم بأعمال المرشد عقب اعتقال المرشد العام محمد بديع في أغسطس/آب 2013، بعد أيام من فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وأُعيد اعتقاله في أغسطس/آب 2020 في القاهرة، بعد سنوات من الملاحقة الأمنية.

مغالطات تاريخية

أحد أبرز محاور الجدل تمثل في اتهام المسلسل بعرض وقائع تاريخية بصورة غير دقيقة، خاصة فيما يتعلق بحادثة المنشية عام 1954 ومحاولة اغتيال عبد الناصر.

فقد استنكر ناشطون إظهار عزت بوصفه "العقل المدبر" لتلك الأحداث، مشيرين إلى أنه كان في العاشرة من عمره آنذاك، ما عدوه خللًا زمنيًا واضحًا. وتداول مغردون منشورات ساخرة تتساءل عن كيفية تحميل طفل مسؤولية حدث سياسي وقع قبل بلوغه سن المراهقة.

ويرى منتقدو العمل أن هذا الخلط بين الأزمنة يعكس إشكالية أعمق تتعلق بتوظيف الدراما في إعادة صياغة السرديات التاريخية، وتقديم روايات مختزلة أو مبسطة لوقائع معقدة.

وبحسب هؤلاء، فإن أي معالجة فنية لملفات سياسية حساسة تستدعي قدرًا أكبر من الدقة والالتزام بالسياق التاريخي.

اغتيال معنوي 

في سياق متصل، عبّر ناشطون عن مخاوفهم على صحة عزت وسلامته، ويرون أن المسلسل يشكل محاولة "اغتيال معنوي" تمهيدًا لاستهدافه سياسيًا أو قضائيًا.

وطالب بعضهم بالإفراج عنه، مشيرين إلى تقدمه في السن ووضعه الصحي، ومؤكدين أن الخلاف السياسي لا يبرر تشويه السمعة أو التحريض.

نتائج عكسية

ومن اللافت أن عددا من المعلقين رأوا أن المسلسل جاء بنتائج عكسية، إذ دفع شريحة من الجمهور إلى البحث عن سيرة عزت والتعرف على خلفيته الأكاديمية والتنظيمية.

وأشاروا إلى تزايد عمليات البحث عن اسمه في محركات البحث، ويرون أن الجدل الدائر حوله أعاد تسليط الضوء على شخصيته وتاريخ الجماعة.

في المقابل، يرى آخرون أن هذا الاهتمام لا يعني بالضرورة تغييرًا في المواقف السياسية، بل يعكس فضولًا عامًا يولده الجدل الإعلامي. فكلما تصاعدت الحملات المتبادلة، اتسعت دائرة المتابعين، حتى لو بدافع التحقق أو الاطلاع فقط.

نكتة قومية

وصف بعض النشطاء المسلسل بأنه تحوّل إلى "نكتة قومية"، ويرون أن السخرية الشعبية منه تعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الإعلامي الرسمي وتلقي الجمهور.

وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، متسائلين عما إذا كانت الدراما قد تحولت إلى "سلاح سياسي" يُستخدم لتثبيت سردية معينة أو تعزيز شرعية سياسات بعينها.

وفي هذا السياق، طُرحت تساؤلات حول حدود توظيف الفن في الصراع السياسي، ومدى قدرة الأعمال الدرامية على التأثير في الوعي العام حين تغلب الرسالة الأيديولوجية على البناء الفني.

مكايدة سياسية

وتعرض المسلسل لسخرية واسعة من قبل الناشطين على منصتي “إكس” و"فيسبوك"  وعدوه محاولة فاشلة لتشويه صورة الإخوان المسلمين واستهزأوا بالمستوى الفني المتدني للمسلسل والمبالغة في تصوير الشخصيات، مؤكدين أن العمل مجرد محاولة للكيد السياسي أكثر من كونه عمل درامي جاد.