هل يرضخ الإطار الشيعي بالعراق لإرادة واشنطن ويستغني عن قانون "الحشد"؟

"المشهداني أكد أن الإطار التنسيقي متخوف من تمرير قانون الحشد الشعبي"
مع نشر البرلمان العراقي جدول أعمال جلساته لأيام 25، 26، 27 أغسطس/ آب 2025، وخلوها من قانون "الحشد الشعبي" الذي تسعى قوى شيعية لإقراره، برز تساؤل مهم عن مدى رضوخ الأخيرة للضغوطات الأميركية وتخليها عن قانون طالما تحدت واشنطن بتمريره.
وتسعى قوى شيعية قريبة من إيران، خصوصا تلك التي تمتلك فصائل مسلحة إلى إجراء تعديل لقانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، وذلك بوضع هيكلة كاملة للقادة والعناصر وتثبيت الحقوق التقاعدية، وإبقائه تشكيلا مسلحا مستقلا عن باقي الأجهزة الأمنية.
تهديدات مباشرة
وبخصوص رفع قانون "الحشد" من الجلسات، قال رئيس البرلمان، محمود المشهداني، إن "الجانب الأميركي أبلغنا أن لكم الحق في تشريع أي قانون كونكم دولة ذات سيادة، لكن بعض القوانين إذا جرى تشريعها تتعارض مع قوانينا الأميركية، فسيترتب عليها موقف".
وأوضح المشهداني خلال مقابلة تلفزيونية في 24 أغسطس، أن "الجانب الأميركي أكد إيقاف التعاون إذا شرّعنا قوانين محددة هم يرفضونها"، لافتا إلى أن "الرسالة الأميركية كانت واضحة، أنه في حال أقررتم هذه القوانين، فإن لدينا عقوبات سياسية واقتصادية وأمنية".
وأشار إلى أن "الدولة العراقية صارت لديها قراءة على مستوى الرئاسات والقيادات السياسية، وحتى على مستوى قادة الحشد الشعبي أيضا، وقلنا لو فرضنا أن التهديدات بنسبة 5 بالمئة صحيحة، فإنها تشكل خطرا على العراق، لأنه مازلنا بحاجة للدعم الأمني والاقتصادي".
وبيّن المشهداني أنه "إذا جرى معاقبة شركة النفط العراقية الوطنية (سومو) والمصرف العراقي للتجارة (رسمي)، فلا يمكن دفع رواتب للموظفين، وبالتالي الشارع العراقي لن يرحمنا".
وحذر رئيس البرلمان من "العناد والإلحاح في موضوع تمرير قانون الحشد الشعبي، ويجب قراءة الموضوع بشكل هادئ، وأن المصلحة هو بتأجيله لمدة ثلاثة أشهر، وهذا الرأي الراجح، لكن البعض يرفض ويريد إقراره وعدم الاستجابة للتهديدات".
وعبّر المشهداني عن تخوفه من "نية العدو (لم يسمه) من شن هجوم جوي وضرب أهداف محددة ومراكز حيوية، لأن منظومة الدفاع الجوية للعراق تساوي صفرا، أي أننا ليس لدينا قدرة على التصدي، وبالتالي علينا أن نأخذ أي تهديد على محمل الجد".
وأشار إلى أن "العراق في عين العاصفة، وهو مستهدف عقائديا، لأن إسرائيل الكبرى لا تقوم إلا بعد خراب بابل وآشور، لذلك علينا أن نتماسك وتكون لدينا وحدة موقف بين المكونات العراقية".
وأكد المشهداني أن "الإطار التنسيقي لديهم نفس المخاوف، لكن بعض من يضغط منهم في الوقت الحالي لتمرير قانون الحشد الشعبي يسعى وراء الأصوات في الانتخابات البرلمانية المقبلة"، نافيا "دفع المكوّن السني- كما يروج البعض- نحو إقرار القانون حتى توجه ضربة للحشد".
وفي هذه النقطة تحديدا، أكدت مصدر في البرلمان العراقي لـ"الاستقلال"، طالبة عدم الكشف عن هويتها، أن "وفدا رفيعا من السفارة الأميركية زار البرلمان العراقي، وتحدث بكل وضوح أن أي تمرير لقانون الحشد الشعبي، فإنه سيقابل بضرب أهداف محددة مسبقا".
وأوضحت أن "التهديد الأميركي كان يعني استهداف قادة فصائل مسلحة في الحشد الشعبي، وهذا ما أثار حفيظة القوى الشيعية بالبرلمان وتحدى بعضهم أن يجري تمرير القانون ردا على هذه التهديدات".
وتوقعت المصدر أن "يتوقف الإطار التنسيقي عن المطالبة بتمرير قانون الحشد الشعبي بعد هذا التهديد الصريح، لأن الأمر لم يعد مجرد تكهنات بماذا سيحصل في حال جرى إقرار مثل هذا القانون".
مهلة محددة
وفي السياق ذاته، كشفت وكالة "المستقلة" العراقية في 24 أغسطس، أن "الإدارة الأميركية منحت الحكومة العراقية مهلة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع لوضع خطة عملية واضحة لنزع سلاح الحشد الشعبي أو دمجه بالكامل ضمن المنظومة الأمنية الرسمية".
وأوضحت الوكالة نقلا عن مصادر حكومية عراقية (لم تسمها)، أن الولايات المتحدة حذرت من أن "تجاهل هذه المهلة سيعرض بغداد إلى سلسلة جديدة من العقوبات الاقتصادية والسياسية".
ولفتت إلى أن "العقوبات التي قد تُفرض لن تقتصر على شخصيات وقيادات مرتبطة بالحشد، بل قد تمتد لتشمل قطاعات اقتصادية حساسة مثل التحويلات المالية والتعاملات التجارية الدولية، الأمر الذي قد يضاعف من أزمة الاقتصاد العراقي".
من جهته، قال المحلل السياسي العراقي القريب من الإطار التنسيقي، عماد المسافر، إن "الولايات المتحدة كانت ضد العديد من القوانين ووجهت تهديدات، لكن شرعت القوانين ولم تنفذ التهديدات".
وأوضح المسافر خلال مقابلة تلفزيونية في 23 أغسطس، أن "الولايات المتحدة سبق أن رفضت تشريع العراق قوانين تجريم التطبيع مع إسرائيل، وتجريم المثلية الجنسية، وقانون الأحوال الشخصية، لكن جرى إقرارها في البرلمان ولم تفعل واشنطن شيئا".
ولفت إلى أن "الولايات المتحدة لا تستطيع فرض عقوبات على العراق كونه يصدر أكثر من 3 ملايين برميل نفط، وبالتالي لا يمكن حرمان السوق العالمية من هذه الكميات، فضلا عن أنه لا يوجد إجماع دولي على فرض حصار على البلد كما حصل عندما اجتاح الكويت عام 1990".
وتساءل المسافر، قائلا: "إذا جرى الاستجابة للتهديدات الأميركية، فكيف سنتعامل إذا طلبت الأخيرة من العراق التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وإذا لم نفعل فإنها ستفرض عقوبات اقتصادية على البلد؟".
في المقابل، يرى الكاتب العراقي جبار عبد الزهرة العبودي، أن "الانسحاب العسكري الأميركي المرتقب من العراق الذي بدأ قبل أيّام بالانسحاب من قاعدة عين الأسد (غرب) والتمركز والتموضع في مواقع أخرى في إقليم كردستان هو انسحاب صوري ضمن حسابات تكتيكية تستدعيها الأوضاع الإقليمية والدولية المتوترة".
ومطلع سبتمبر/ أيلول 2024، توصلت واشنطن وبغداد إلى تفاهم بشأن خطة لانسحاب قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق، وأنها تنص على خروج مئات من قوات التحالف بحلول 25 سبتمبر 2025، والبقية بحلول نهاية العام التالي.
وبحسب الكاتب العراقي، فإن الانسحاب الأميركي "ينطوي على مخطط انتقامي من الشيعة بوجه عام على مستوى الطائفة ومن الفصائل المسلحة الشيعية والحشد الشعبي بوجه خاص، ولكن شرر ناره سيصل إلى كل بيت عراقي ولن يستثني أحدا منهم".
وتوقع "إقبال الوسط الشيعي العراقي على مآسٍ ومخاطر جمة لا حدود لها، وكل ذلك بسبب المطالبة المستمرة لأميركا وحلفائها للانسحاب من العراق من قبل المكون السياسي الشيعي فقط دون سواه".
وأشار إلى أن "من الأهداف الإستراتيجية لتكتيك الانسحاب هو انخراط أميركا في توجيه ضربات شديدة صاروخية بالمسيرات لمقار الحشد الشعبي والفصائل الأخرى إلى جانب إذكاء نار حرب في الداخل العراقي".
وتنشر الولايات المتحدة نحو ألفي عسكري في العراق لتقديم المشورة والمساعدة لقواته منذ اجتياح "تنظيم الدولة" للعراق عام 2014، إضافة إلى وجود عسكريين من دول أخرى أغلبها أوروبية في إطار التحالف الدولي.

ضغط متواصل
وتحولت مطالبات واشنطن بحل قوات الحشد الشعبي من الرسائل إلى التصريحات العلنية، يطلقها المسؤولون الأميركيون، بشكل علني خلال اتصالات ولقاءات مع نظرائهم العراقيين.
وجدد القائم بالأعمال الأميركي في بغداد ستيفن فاجن، قلق الولايات المتحدة من مقترح قانون الحشد الشعبي، وذلك خلال لقائه مع النائب الأول للبرلمان محسن المندلاوي.
وبحسب منشور للسفارة الأميركية في بغداد، على منصة "إكس" في الثاني من أغسطس، ذكّر فاجن وزير خارجيته ماركو روبيو، أن تشريع قانون الحشد الشعبي سيؤسس لنفوذ إيراني ويقوّي الجماعات الإرهابية المسلحة، مما يهدد سيادة العراق".
وفي اتصال حمل ما وصفه بعض المراقبين بأنّه "إملاءات أميركية"، عبّر روبيو لرئيس الوزراء العراقي محمد السوداني، عن مخاوف بلاده بشأن مشروع القانون الذي ما يزال قيد المناقشة في البرلمان.
وشدَّد الوزير الأميركي خلال بيان في 22 يوليو، على أن "تشريع هذا النوع من القوانين سيؤدي إلى ترسيخ النفوذ الإيراني والجماعات المسلحة الإرهابية التي تقوض سيادة العراق".
وسبق أن طالبت السفارة الأميركية، الحكومة العراقية بضرورة محاسبة عناصر كتائب حزب الله وقادتها، بسبب حادثة دائرة الزراعة في الدورة جنوب بغداد.
وقالت السفارة في 27 يوليو: إن الضحايا "قُتلوا على يد الكتائب"، ودعت الحكومة العراقية إلى "اتخاذ إجراءات لتقديم هؤلاء الجناة وقادتهم إلى العدالة دون تأخير"، مبينة أن "المساءلة أمر أساسي للحفاظ على سيادة القانون ومنع تكرار أعمال العنف".
وفي خضمّ هذه الأزمات خرج السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، بتصريح خلال مقابلة تلفزيونية في 8 أغسطس، أشار فيه إلى “انتفاء الحاجة للحشد الشعبي”.
وأكّد أن "جميع الفصائل المسلحة موجودة فيه، وليس من الممكن أن يكون دور الحشد نفسه كما كان خلال الحرب ضد تنظيم الدولة".
ودافع صديق عن موقف لندن الداعم لواشنطن في معارضة تشريع القانون، بالقول إن "تشكيل الحشد الشعبي جاء لمحاربة الإرهاب ممثلا بتنظيم الدولة, وطالما انتهت مهمته بدحره فلم تعد هناك حاجة إليه".
وأشار إلى أن الحكومة العراقية "هي التي طلبت إنهاء مهمة التحالف الدولي، وبريطانيا شريكة رئيسة فيه، على تقدير أن تنظيم الدولة لم يعد يشكل خطرا".
وبحسب السفير، فإن "الحشد الشعبي يمثّل تهديدا للعراق نفسه؛ لأن فصائل منضوية فيه لا تلتزم بقرارات القائد العام للقوات المسلحة، إضافة إلى أنها تهدد دولا أخرى؛ لأن بعضها سبق أن استهدف أهدافا بالمنطقة، وبالتالي فهي تستجلب الخطر للبلد، وهذا خارج إطار سياسة الدولة".
المصادر
- قانون «الحشد الشعبي» يدخل السباق الانتخابي في العراق
- مشروع قانون الحشد الشعبي يشطب من أجندة البرلمان العراقي
- أمريكا تهدد بغداد: 3 أسابيع فقط لنزع سلاح الحشد الشعبي وإلا العقوبات!
- انسحابات من “الحشد الشعبي” في العراق.. ضغوط أميركية أم ترتيبات داخلية؟
- مآلات الإنسحاب الأمريكي من العراق
- المشهداني: تهديدات أمريكية وراء تأجيل قانون الحشد الشعبي