مجلة أميركية: سقوط الأسد هزيمة لموسكو وكارثة لطهران وتحد لواشنطن

أمل موسكو في الحفاظ على دولة حليفة قد تلاشى بشكل نهائي
يشكل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا هزيمة خطيرة لروسيا وكارثة لإيران، ولكن من الخطأ الجسيم أن نفترض أن هذا التطور يعد بالضرورة نجاحا للولايات المتحدة.
هكذا تقيم مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية المشهد السوري، مبينة أن "موسكو وواشنطن قد تواجهان الآن تحديات مماثلة في سوريا".

الموقف الروسي
وأضافت أن هناك ثلاثة عوامل دفعت روسيا للتدخل في الحرب السورية لإنقاذ نظام الأسد، أولها كان الرغبة العامة في الحفاظ على دولة حليفة.
وأشارت إلى أن سوريا واحدة من دول معدودة بقيت لروسيا بعد إطاحة واشنطن بالأنظمة السابقة في العراق وليبيا.
ثانيا، الرغبة في الحفاظ على القواعد البحرية والجوية الروسية الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط.
ثالثا، كان هناك خوف روسي عميق من أن يؤدي انتصار الإسلاميين إلى تحول سوريا إلى قاعدة للإرهاب ضد روسيا وشركائها في آسيا الوسطى، وفق تعبير المجلة.
وقد زاد هذا القلق بسبب وجود العديد من المقاتلين من الشيشان وغيرها من المناطق الإسلامية في روسيا بصفوف المعارضة وقتها بسوريا.
وترى المجلة أن "أمل موسكو في الحفاظ على دولة حليفة قد تلاشى بشكل نهائي، أما بالنسبة للتهديد الإرهابي، فسنضطر إلى الانتظار لمعرفة التطورات".
وقالت: "بالنظر إلى التحديات الضخمة التي ستواجهها في إعادة بناء الدولة السورية، يبدو من الجنون أن ترعى الحكومة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام الإرهاب الدولي".
"وكجزء من إستراتيجيته العامة للتخلي عن ماضيه مع تنظيم القاعدة، وعد زعيم الهيئة (أحمد الشرع) أبو محمد الجولاني، بعدم القيام بذلك".
وبحسب المجلة، فإنه سيظل هناك تساؤل حول قدرة "هيئة تحرير الشام" على السيطرة على حلفائها وبعض من أتباعها.
ففي أفغانستان، وعدت حركة طالبان بعدم دعم الإرهاب الدولي عند عودتها إلى السلطة، ويبدو أنهم قد وفوا بوعدهم، وفق تقييم المجلة الأميركية.
لكنها استدركت أن "مع ذلك، لا يزال تنظيم الدولة في خراسان (ISK) المتمركز في أفغانستان يواصل دعمه للإرهاب الدولي.
ومن خلال مزيج من ضعف السيطرة على بعض مناطق أفغانستان وعدم الرغبة في الانخراط في صراع جديد، لم تتمكن طالبان من منعه بشكل كامل.
واستطردت: "يبقى موضوع القاعدة البحرية الروسية في طرطوس وقاعدة الطيران قرب اللاذقية" في نطاق سيطرة موسكو في سوريا.
ولكن أفادت تقارير بأن الأسطول الروسي المتمركز في طرطوس قد غادر الميناء بالفعل.

اتفاق مؤقت
وتشير التقارير إلى أنه قد جرى التوصل إلى اتفاق بين موسكو و"هيئة تحرير الشام" لضمان أمن القواعد، ولكن إذا كان الأمر صحيحا، فقد يكون هذا الترتيب مؤقتا فقط، وفق المجلة.
وقالت المجلة: "نظرا للطبيعة المعقدة والضبابية لعلاقاته مع جميع جيران سوريا، قد يكون من الحكمة للنظام الجديد في دمشق السماح ببقاء القواعد العسكرية الروسية (ربما مقابل إمدادات روسية من النفط والطعام) من أجل موازنة خياراته الدبلوماسية والاقتصادية".
ومع ذلك، ترتبط هذه القضية ارتباطا وثيقا بسياسة الحكام الجدد تجاه الأقليات الإثنية والدينية في سوريا، التي دعمت عموما نظام البعث.
وتعتقد مجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأميركية أن نظام "هيئة تحرير الشام" في دمشق -الذي يسعى لطمأنة العلويين والمسيحيين- قد يرى مصلحة في السماح بوجود القواعد الروسية.
لكن، في المقابل، قد ينظر نظام يخشى من تمرد الأقليات (ومن الدعم الخارجي لهذا التمرد) إلى القواعد الروسية على أنها داعم محتمل لهذا التمرد المحتمل.
وأضافت أنه "لكي تحتفظ روسيا بقواعدها ضد إرادة الحكومة السورية الجديدة، ومع دعم القوى المحلية العلوية والمسيحية، سيتطلب ذلك تدخل السفن والطائرات الروسية بالإضافة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات البرية".
وتعتقد أنه نظرا للحرب في أوكرانيا، فمن غير المحتمل أن تكون روسيا قادرة على تخصيص مثل هذه القوات.
وعلاوة على ذلك -وكما حدث مع الانهيار السريع للدولة الأفغانية بالوكالة عن الولايات المتحدة- فإن الطريقة التي انهارت بها قوات النظام في مواجهة الثوار بقيادة هيئة تحرير الشام لن تشجع روسيا على مواصلة القتال في سوريا.
وبصورة أخرى، تواجه السياسة الأميركية في سوريا نفس القضايا: فهل تسعى واشنطن للاحتفاظ بقواعدها (التي انطلقت منها هجمات ضد تنظيم الدولة وقوات النظام البعثي)؟ وهل يتجاهل الحكام الجدد هذه القواعد أم يحاولون طردها؟
في هذا السياق، أشارت المجلة إلى أن أكبر قضية تهم الولايات المتحدة هي مصير الأكراد السوريين.
فخلال الحرب السورية، وبمساعدة ضخمة من الولايات المتحدة والدولة الكردية شبه المستقلة في شمال العراق، احتل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) جزءا كبيرا من شمال شرق سوريا.
كما أن لدى الولايات المتحدة عدة قواعد وعمليات لوجستية في المنطقة، وفق ما تقول المجلة.

الدور التركي الحاسم
وأوضحت أن "الطرف الذي يبدو أنه كان حاسما في انتصار هيئة تحرير الشام، والذي استفاد من هذا النصر بلا شك، هو تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان".
فقد انطلق هجوم هيئة تحرير الشام من المنطقة الخاضعة للسيطرة التركية شمال سوريا، ولم يكن ليحدث لولا الدعم التركي، بحسب تأكيد المجلة.
كما يشير الاستخدام الناجح جدا لهيئة تحرير الشام للطائرات المسيّرة إلى أن هناك مساعدة تركية في الهجوم.
وذكرت المجلة الأميركية أن "تركيا لديها مصلحتان أساسيتان في سوريا، الأولى هي إقامة وضع يسمح بعودة الثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا الذين فروا من وطنهم خلال الحرب إلى ديارهم".
وقد يكون هذا قابلا للتحقق الآن، إذا تمكنت الحكومة الجديدة في دمشق من إرساء السلام والنظام الأساسي وتلقي بعض المساعدات الدولية.
وأفادت تقارير بأن مئات من اللاجئين قد بدأوا بالفعل بالاصطفاف للعودة إلى سوريا من تركيا.
أما المصلحة التركية الثانية فهي تقليص قوة التنظيمات الكردية الانفصالية في سوريا والأراضي الخاضعة لسيطرتهم.
وفي الوقت نفسه ومع العملية التي شنتها هيئة تحرير الشام ضد نظام البعث، بدأ الجيش الوطني السوري، المدعوم بالقوة الجوية التركية هجوما ضد "حزب الاتحاد الديمقراطي" المصنف إرهابيا لدى أنقرة، ونجح في السيطرة على مدينة منبج.
وهذا يخلق وضعا يكون فيه وكلاء مدعومون من عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو" يهاجمون وكيلا أميركا دون أن يكون بإمكان الولايات المتحدة فعل الكثير حيال ذلك.
وأردفت المجلة أنه "إذا دفعت تركيا النظام الجديد في دمشق للانضمام إلى الهجوم على الأراضي الخاضعة للتنظيمات الكردية في شمال شرق سوريا، فإن ذلك سيفرض على واشنطن معضلات مشابهة لتلك التي تواجه روسيا في الغرب".
وتساءل: هل تتخلى إدارة الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، عن حلفائها الأكراد، وفقا لبيانه الذي قال فيه "هذه ليست معركتنا. دعها تتطور. لا تتدخلوا"؟
أم أن متطلبات "المصداقية" ستجبر واشنطن على مساعدتهم، حتى لو كان ذلك على حساب إثارة أزمة عميقة مع تركيا؟
وقالت المجلة: "إن الشرق الأوسط يشبه طاولة البلياردو، فقد تتسبب حركة إحدى الكرات في تطاير الكرات الأخرى باتجاهات مختلفة، وتصطدم بدورها في بعضها بعضا".
والفرق هنا هو أنه، على عكس البلياردو، حتى أكثر الخبراء فطنة ليس بإمكانهم التنبؤ باتجاه حركة الكرات؛ ولا يوجد لاعب خارجي يمكنه السيطرة عليها.
وتعتقد المجلة أن "النهج الأكثر حكمة تتبناه الصين، التي تستورد قدرا كبيرا من طاقتها من المنطقة في حين تتجنب عمدا التدخل والانحياز إلى أي طرف في صراعاتها".
وكما قال أحد الدبلوماسيين الصينيين قبل سنوات عديدة في جلسة خاصة: "ما الذي يدفعنا للتورط في هذه الفوضى؟".
















