صدع غير مسبوق.. هل تشعل غيرنلاند المواجهة المنتظرة بين أميركا وأوروبا؟

"الولايات المتحدة موجودة بالفعل هناك في قاعدة بيتوفيك الفضائية"
مع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على احتلال غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، يدق معهد بريطاني ناقوس الخطر بشأن مستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). مؤكدا أن الدول الأوروبية ليست عاجزة عن مواجهة التهديدات الأميركية.
ومنذ الهجوم الأميركي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، كرر مسؤولون حكوميون أميركيون وشخصيات مؤثرة مقربة من حركة "ماغا" (MAGA)، وترامب نفسه، تهديداتهم بضرورة احتلال غرينلاند.
وقد أثارت مزاعمهم، بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على غرينلاند لحماية الأمن القومي الأميركي، قلقا أكبر في الدنمارك مما كان عليه الحال عند إطلاقها لأول مرة في أوائل عام 2025.
ويزعم الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة "بحاجة" إلى غرينلاند لموقعها الإستراتيجي في القطب الشمالي، علما بأن غرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمارك.

أميركا موجودة بالفعل هناك
وقال معهد "تشاتام هاوس" (Chatham House)، في تقرير له: "صحيح أن روسيا والصين قد كثفتا أنشطتهما العسكرية في القطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة. وإذا أطلقت روسيا صواريخ على الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تحلّق فوق غرينلاند".
وهذا من شأنه أن يجعل المنطقة قاعدة انطلاق مفيدة لتعزيز الوجود الأميركي، وموقعا إستراتيجيا لنشر صواريخ اعتراضية أميركية، كجزء من منظومة الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية” التي تُعد أولوية لإدارة ترامب.
لكن ما ليس واضحا هو سبب حاجة واشنطن للسيطرة الكاملة على غرينلاند للدفاع عن نفسها؛ فالولايات المتحدة موجودة بالفعل هناك في قاعدة بيتوفيك الفضائية، وهي منشأة تابعة لقوات الفضاء الأميركية تعمل منذ عام 1943.
وتسمح اتفاقية دفاعية بين الولايات المتحدة والدنمارك، أُبرمت عام 1951، للولايات المتحدة بمواصلة استخدام القاعدة التي تستضيف السرب الثاني عشر للإنذار الفضائي.
وهو فريق يُشغّل أنظمة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية الأميركية، بالإضافة إلى فريق يُشرف على جزء من شبكة الأقمار الصناعية الأميركية العالمية.
وتضم القاعدة مهبطا جويا نشطا وأقصى ميناء مياه عميقة في الشمال، ما يجعلها مركزا حيويا للبنية التحتية.
وخلال الحرب الباردة، نشرت الولايات المتحدة ما يصل إلى 6 آلاف جندي في معسكرات متفرقة في أنحاء الجزيرة.
ومن الممكن أن تزيد من وجودها العسكري مجددا إذا رأت ضرورة لتعزيز وجودها في المنطقة، دون المساس بالسيادة الدنماركية.

انهيار حلف الناتو
بدورها، أوضحت الدنمارك رفضها القاطع للتهديدات الأميركية؛ فقد أصدرت رئيسة الوزراء، ميتي فريدريكسن، بيانا ذكّرت فيه إدارة ترامب بأن الولايات المتحدة والدنمارك حليفتان في الناتو، وأن للولايات المتحدة بالفعل حق الوصول إلى غرينلاند بموجب اتفاقية دفاعية قائمة.
وقالت أيضا: إن أي هجوم على غرينلاند سيؤدي إلى انهيار حلف الناتو؛ وهذا ليس مبالغة، وفق المعهد؛ إذ يصعب تصور كيف يمكن للتحالف أن يتعافى من خرقٍ صادم للمعاهدة يتمثل في إقدام دولة عضو على مهاجمة دولة عضو أخرى للاستيلاء على أراضيها.
وتابع المعهد أن "التغييرات التي طرأت على السياسة الأميركية في عهد الرئيس ترامب تُهدد مصداقية التزام الولايات المتحدة بضمانة المادة الخامسة في حلف الناتو".
"كما أن تهديد الولايات المتحدة -بوصفها الدولة الأقوى بفارق كبير داخل الحلف- بمهاجمة دولة عضو في الناتو، من شأنه أن يُلحق مزيدا من الضرر بمصداقية هذه المادة".
وقال: "إن موقف الولايات المتحدة الذي يسمح لمصالحها بتجاوز القانون الدولي يُمثل تحديا معياريا لحلف الناتو أيضا. فقد وَصف الناتو نفسه بأنه تحالف قائم على القيم المشتركة لأعضائه، لا سيما فيما يتعلق بالديمقراطية وسيادة القانون".
"ويشكّل هذا الأساس ذاته منطلقا لجزء كبير من انتقادات الناتو للسلوك الروسي تجاه أوكرانيا ودول أخرى. ومن ثم، فإن أي انحراف أميركي عن هذه القيم لا يضعف الناتو عسكريا فحسب، بل يقوضه سياسيا كذلك". وفق التقرير.

أوراق ضغط مهمة
وقال المعهد البريطاني: "يتعين على القادة الأوروبيين التفكير مليا في حذرهم إزاء انتقاد إدارة ترامب بسبب تحركاتها في فنزويلا. فقد استخدمت فرنسا لغة قوية نسبيا لإدانة الهجمات الأميركية ووصفتها بأنها غير قانونية، في حين اتّسم موقف دول أخرى، مثل المملكة المتحدة، بقدر أكبر من الحذر".
وأضاف: "يبدو من الواضح أن الهجوم كان غير قانوني، حتى وإن كانت هناك تساؤلات حول الظروف التي أوصلت الرئيس مادورو إلى السلطة".
وأردف: "لكن بالنظر إلى الشكاوى التي وُجهت إلى الغرب بشأن نفاقه خلال حرب إسرائيل وغزة، فمن الأجدر بالدول أن تُعلن موقفها بوضوح أكبر؛ إذ إن أي تردد أو مواربة لن يخدم مصالحها على المدى الطويل".
وشدد المعهد على أن "أنماط التحالفات التقليدية تعاد صياغتها بوتيرة يومية، وقد تجد الدول الأوروبية نفسها مستقبلا بحاجة إلى دعم دول في أميركا الجنوبية أو من دول الجنوب العالمي الأخرى".
وأشار إلى أن "القادة الأوروبيين سيظلون قلقين إزاء قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها في ظلّ أن الولايات المتحدة باتت أكثر تقلبا، وربما أكثر عدائية. كما أن التهديد الروسي لا يزال قائما".
وشدَّد على أنه "لا ينبغي لأية دولة أن توهم نفسها بإمكانية العودة إلى الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية كما كان الحال في السابق".
وأوضح المعهد البريطاني أن "الانسحاب الأميركي التدريجي من أوروبا يظل خيارا أفضل من الانسحاب المتسرع. غير أن على الدول الأوروبية ألا تبالغ في الثقة بقدرتها على التأثير في صنع القرار الأميركي في مثل هذه القضايا".
ومن ثم، يتعين عليها إدانة التحرك الأميركي في فنزويلا بوضوح، وإصدار مواقف داعمة للدنمارك وغرينلاند، وقد صرّح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بالفعل بأن مستقبل غرينلاند ينبغي أن يُحسم من قبل الدنمارك وغرينلاند.
في الوقت نفسه، يتعين على الدول الأوروبية التفكير بجدية في شكل حلف الناتو بدون الولايات المتحدة، وتسريع الاستثمار في القدرات التي لا تزال الولايات المتحدة تتفوق فيها، مثل شبكات القيادة والسيطرة، وتحييد الدفاعات الجوية المعادية، وسائر القدرات المساندة المماثلة.
وسيكون على الدول الأوروبية أيضا أن تفكر بجدية في طبيعة الخصم الذي قد تصبح عليه الولايات المتحدة، لا سيما في حال أقدمت على مهاجمة غرينلاند.
وكثير من هذا التفكير ينبغي -وسيجري- بهدوء أو في القنوات السرية، لكن لم يعد بوسع الدول تجاهل هذا الاحتمال.
وعلى الرغم من القلق القائم بشأن قدراتها، تمتلك الدول الأوروبية أوراق ضغط مهمة يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تتجاهلها.
فالقوات والمعدات العسكرية الأميركية المتمركزة في أوروبا لا تهدف فقط إلى تعزيز الردع في إطار حلف الناتو، بل تشكل القواعد الأوروبية أيضا منصات شديدة الأهمية لدعم العمليات الأميركية.
ومن شأن سحبها أن يجعل تنفيذ بعض العمليات في الشرق الأوسط والمناطق الشمالية البعيدة أصعب بكثير.
وإذا واصلت الولايات المتحدة توجيه تهديدات لدول أعضاء في حلف الناتو، فقد تلجأ الدول الأوروبية إلى جعل الأمور أكثر صعوبة أمام واشنطن.
ويمكنها، على سبيل المثال، رفض تزويد السفن الأميركية بالوقود في الموانئ الأوروبية، أو الامتناع عن استقبال العسكريين الأميركيين الجرحى للعلاج في المستشفيات العسكرية الأوروبية، أو فرض رسوم مرتفعة مقابل استمرار تمركز القوات الأميركية. كما يمكنها طرح إغلاق بعض المنشآت العسكرية.
وهذه إجراءات كانت تُعد حتى وقت قريب غير واردة. لكنها قد تسهم في تذكير الولايات المتحدة بأن تذمرها المتزايد من "اعتماد أوروبا عليها أمنيا" يتجاهل حقيقة أن هذا الوضع كان مصلحة مشتركة للطرفين لفترة طويلة.













