لماذا يتحفظ الفاتيكان على المشاركة في "مجلس السلام" المزعوم بشأن غزة؟

"يتمثل السيناريو الأسوأ في نشوء أزمة شرعية تحول المجلس إلى بنية منافسة للتعددية الدولية"
بات قطاع غزة الفلسطيني خلال العقود الأخيرة، إحدى أكثر النقاط حساسية في منظومة الشرق الأوسط؛ حيث تتقاطع فيه ثلاثة مستويات نادرا ما تجتمع: الأمن، والإدارة الإقليمية، والاعتراف السياسي، بحسب المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية (IARI).
وفي كل محطة من محطات أزمة غزة، يبرز السؤال ذاته: بعد انحسار الإبادة الإسرائيلية أو احتوائها مؤقتا، من يمتلك القدرة الفعلية على إدارة النظام العام، وتوفير الخدمات الأساسية، وقيادة إعادة الإعمار والانتقال السياسي، من دون التسبب بفراغ في السلطة بالقطاع الفلسطيني؟
مجلس ترامب
ووفق المعهد، تذبذب الفاعلون الدوليون تاريخيا بين مسارين: الأول يقوم على التعددية الكلاسيكية من خلال الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، والثاني يعتمد على إنشاء هياكل مخصصة أكثر مرونة، تقودها تحالفات دولية تمتلك في الغالب محركا سياسيا وماليا مهيمنا.
في هذا السياق، يندرج ما تشهده الأسابيع الأخيرة، مع بروز هيئة دولية جديدة روج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت مسمى "مجلس السلام"، وتهدف إلى تنسيق جهود الاستقرار وإعادة الإعمار في غزة، مع إمكانية تحولها إلى نموذج قابل للتكرار في أزمات أخرى.
وعقدت واشنطن اجتماعا تمهيديا بمشاركة أكثر من 20 دولة، في حين اختارت بعض الدول الحضور بصفة مراقب، في مؤشر على الحذر السياسي المحيط بالمبادرة.
في المقابل، أعلن "الكرسي البابوي"، عبر بيانات صادرة عن وزارة خارجية الفاتيكان، عدم مشاركته في هذه الهيئة، وهو موقف اعتبره المعهد الإيطالي ذا دلالة خاصة، لكون الفاتيكان يفضل إدارة الأزمات ضمن الأطر التقليدية للتعددية الدولية، كما أبدى تحفظه على مشاركة إيطاليا بصفة مراقب.
وأوضح المعهد أن أهمية موقف الفاتيكان لا تنبع من كونه فاعلا عسكريا أو ماليا، بل من دوره بوصفه “مضاعفا للشرعية”.
إذ إن انخراطه في أي مسار سياسي يمنحه قبولا أوسع في الأوساط الدبلوماسية والدينية والإنسانية، بينما يشكل انسحابه إشارة سلبية تتعلق بالشكل السياسي للمبادرة، لا بالضرورة بهدفها المعلن.

كيان مواز
يشير المعهد إلى أن البعد الجيوسياسي للمبادرة لا يتعلق فقط بمن يجلس إلى طاولة النقاش، بل بالطاولة التي تتحول إلى مركز لصنع القرار.
فإذا اضطلعت هيئة تقودها الولايات المتحدة بدور غرفة القيادة في غزة، فإن مركز ثقل إدارة الأزمة ينتقل، ولو رمزيا، من منظومة الأمم المتحدة إلى منصة أضيق وأكثر انتقائية.
ويرى المعهد أن هذا التحول قد يفضي إلى آليات أسرع وأكثر فاعلية، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول التمثيل والولاية والمساءلة.
ويحدد المعهد ثلاثة عناصر تجعل المشروع عالي الحساسية سياسيا: أولها المشاركة الجزئية لبعض الحلفاء الغربيين بصفة مراقب، ما يعكس ارتفاع الكلفة السياسية للانضمام الكامل.
وثانيها الجانب الأمني، المرتبط بالحاجة إلى قواعد اشتباك واضحة، وسلسلة قيادة محددة، وأفق سياسي ذي مصداقية، إذ إن الاستقرار دون تصور للحوكمة يتحول إلى إدارة دائمة للمخاطر.
أما العنصر الثالث، فيتعلق بالتمويل، حيث إن الالتزامات المعلنة، رغم ضخامتها، قد لا تكون كافية قياسا بحجم احتياجات إعادة الإعمار، ما يضع علامة استفهام حول استدامة المشروع.

لماذا يرفض الفاتيكان المشاركة؟
يطرح المعهد ثلاث فرضيات لتفسير موقف الفاتيكان. الأولى تتعلق بالدفاع عن المركزية الإجرائية للأمم المتحدة، خشية أن يؤدي ترسيخ نموذج مواز تقوده قوة عظمى إلى سابقة قابلة للتكرار في أزمات أخرى.
أما الفرضية الثانية، فمرتبطة بإدارة مخاطر السمعة، إذ إن الانخراط في غرفة قيادة ذات أبعاد أمنية ميدانية يربط الرصيد الدبلوماسي بقرارات عملياتية مثيرة للجدل، ما قد يؤدي إلى تآكل الشرعية في حال فشل المشروع.
في حين ترتبط الفرضية الثالثة بالبعد الأوروبي، ولا سيما الدور الإيطالي، حيث قد يسعى الفاتيكان إلى منع تحول المشاركة الأوروبية المترددة إلى وضع دائم يختزل دور أوروبا في التمويل والدعم اللوجستي دون نفوذ سياسي فعلي.
ويضيف المعهد قراءة أوسع مفادها أن "مجلس السلام" قد يكون مؤشرا على تشكل عقيدة جديدة في إدارة ما بعد النزاعات، تقوم على تحالفات سريعة وانتقائية.
في المقابل، يفضل الفاتيكان الحفاظ على الأدوات متعددة الأطراف والقنوات الرسمية للوساطة الدولية، ما يجعل قراره بعدم المشاركة إعلان موقف مبدئي ونهج سياسي.
ويخلص المعهد إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة. أفضلها أن تتجنب الهيئة الجديدة تقديم نفسها بديلا عن الأمم المتحدة، مع قبولها بآليات المساءلة، واستثمار الأوروبيين لوضعية المراقب لفرض معايير حوكمة صارمة.
أما السيناريو الوسيط، فيقوم على عمل "مجلس السلام" كغرفة قيادة مؤقتة بتمويل موجه لمشاريع محددة، دون رؤية سياسية شاملة، وهو ما يستدعي –بحسب المعهد– تجنب تحول الحلفاء الغربيين إلى مجرد ممولين بلا نفوذ.
في المقابل، يتمثل السيناريو الأسوأ في نشوء أزمة شرعية تؤدي إلى اختناق أمني واحتكاكات بين الحلفاء، بما يحول المجلس إلى بنية منافسة للتعددية الدولية، ويقوض فعاليته على الأرض.
وفي هذه الحالة، يوصي المعهد الأوروبيين بالعودة إلى مظلة الأمم المتحدة أو الانخراط في أطر إقليمية أكثر شرعية.















