من الوساطة إلى الشراكة الأمنية.. قصة التحول في موقف مسقط من أزمة اليمن

التمدد الإماراتي اتسم بقدر غير مسبوق من الجرأة والشراسة
لم تعد الأزمة السعودية–الإماراتية في اليمن مجرد خلاف تكتيكي عابر بين حليفين سابقين، بل تحوّلت خلال أسابيع قليلة، إلى عاصفة سياسية وأمنية تعيد رسم خرائط النفوذ داخل الخليج وعلى تخوم بحر العرب.
فبعد سنوات من إدارة التنافس بين الرياض وأبوظبي تحت مظلة شراكة عام 2015، انفجر الخلاف إلى العلن مع اتساع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في جنوب اليمن، وتمدده نحو محافظات الشرق اليمني القريبة من الحدود العُمانية.
وفي قلب هذه اللحظة المتحولة، برزت مسقط، التي عُرفت لعقود بدبلوماسية الوساطة والنأي بالنفس، بوصفها شريكًا صامتًا للرياض، في تحول غير مسبوق في سلوكها الإقليمي.

تهديد تراكمي
وفق تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، نُشر في 9 يناير/كانون الثاني 2026، جرى تقاسم معلومات استخباراتية وتعاون غير معلن بين عُمان والسعودية في ضربات استهدفت المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا في محافظة المهرة، أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 ومطلع يناير 2026.
ولا يمكن فهم هذا التحول العُماني بمعزل عن المشهد الأوسع، فالسعودية، التي دعمت مجلس القيادة الرئاسي اليمني بوصفه واجهة الشرعية المعترف بها دوليًا، دخلت خلال الأسابيع الأخيرة في مواجهة مباشرة مع المجلس الانتقالي، وسط اتهامات للرياض لأبوظبي بتسهيل فرار رئيس المجلس عيدروس الزبيدي من عدن إلى الإمارات عبر أرض الصومال ثم مقديشو.
وفي خضم هذا التصعيد، أظهرت تقارير دولية أن السعودية بدأت ترجمة مكاسبها الميدانية إلى مسار نفوذ سياسي وتنموي في جنوب اليمن، من خلال تعهدات دعم مالي وإعادة تموضع في مناطق كانت تُعد، حتى وقت قريب، ضمن الهامش الحيوي للنفوذ الإماراتي.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي: من الحياد إلى الاصطفاف، لماذا اختارت عُمان الوقوف إلى جانب السعودية ضد الإمارات في اليمن؟
لطالما قدّمت عُمان نفسها وسيطًا لا طرفًا، ويزخر تاريخها الحديث بأدوار خلفية في ملفات شديدة الحساسية، من فتح قنوات التواصل الأميركية–الإيرانية، إلى إدارة خطوط اتصال متوازية مع الحوثيين ودول الخليج في آن واحد.
ويكفي التذكير بأن مسقط لعبت دورًا في الوساطة لاحتواء تصعيد محتمل بين واشنطن والحوثيين في مايو/أيار 2025، وفق إعلان رسمي عُماني وتقارير لوكالة رويترز.
غير أن عامي 2025–2026 شكّلا لحظة مفصلية، إذ انتقلت الأزمة اليمنية من كونها ملفًا بعيدًا إلى تهديد مباشر يلامس الحدود العُمانية. فمحافظة المهرة ليست مجرد ساحة هامشية في شرق اليمن، بل تمثل الامتداد الجغرافي والقبلي الأقرب إلى عُمان، ومعبرًا بالغ الحساسية لأي تحول في ميزان القوى قرب السياج الحدودي.
وفي هذا السياق، بدا التقدم العسكري لقوة انفصالية مدعومة إماراتيًا نحو الشرق اليمني بمثابة اقتراب من مجال النفوذ الطبيعي لمسقط، وكأنه كسرٌ لـ"المسافة الآمنة" التي حافظت عليها عُمان لعقود.
ويقدم تقرير "ميدل إيست آي" صورة مكثفة لهذا التحول؛ إذ نقل عن مصادر دبلوماسية أن مسقط شاركت معلومات استخباراتية مع الرياض، وتعاونت بشكل غير معلن في ضربات ضد المجلس الانتقالي في المهرة، بعدما رأت أن اندفاعه شرقًا يمثل تجاوزًا يهدد أمنها القومي بشكل مباشر.
وفي مثل هذا السياق، يغدو الحياد ترفًا سياسيًا، حين يتحول التوسع العسكري إلى سيناريو يلامس الحدود ويهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ في بيئة قبلية شديدة الحساسية.
لكن القلق العُماني من أبوظبي لا يقتصر على اليمن وحده. ففي يناير/كانون الثاني 2011، أعلنت السلطنة اكتشاف شبكة تجسس مرتبطة بجهاز أمن الدولة الإماراتي، استهدفت النظام الحاكم وآليات عمل الحكومة والجيش، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن وكالة الأنباء العُمانية ومصادر رسمية.
وعلى الرغم من احتواء القضية دبلوماسيًا لاحقًا، فإنها تركت أثرًا عميقًا في تصور مسقط للتهديدات غير المرئية، تلك التي لا تمر عبر الدبابات، بل عبر الاختراق والتجنيد وبناء شبكات النفوذ داخل المجتمعات.
ومنذ ذلك التاريخ، بات مفهوم "الأمن الناعم" جزءًا لا يتجزأ من الحسابات الإستراتيجية العُمانية عند التعامل مع محيطها الأكثر ثراءً ونفوذًا.
وعليه، فإن دعم الإمارات مشروعًا انفصاليًا يقترب من حدود المهرة لا يُقرأ في مسقط كحدث معزول، بل كحلقة ضمن مسار تراكمي من محاولات التمدد والتأثير.
وتزداد هذه الحساسية تعقيدًا بفعل الجغرافيا الاقتصادية؛ إذ ترتبط عُمان بعلاقات تجارية وحركة أعمال وثيقة مع الإمارات، خصوصًا دبي، ما يجعل أي صدام مباشر مكلفًا. غير أن تحوّل التهديد إلى سيادي وحدودي يجعل الكبح خيارًا أكثر واقعية من الوساطة التقليدية.
خط أحمر
لماذا المهرة تحديدًا؟ لأنها المحافظة الهادئة سياسيًا، مقارنة بعدن وتعز وصنعاء، لكنها تقع على تخوم بحر العرب والربع الخالي، وتلامس فعليًا الفضاء الأمني والتجاري العُماني.
وتاريخيًا، بنت مسقط روابط اقتصادية منظمة مع هذا المجال الحدودي، من بينها تأسيس منطقة المزيونة الحرة في محافظة ظفار عام 1999، لتعزيز التجارة العابرة للحدود، وفق بيانات رسمية عُمانية.
هذه الروابط لا تمثل تفصيلًا اقتصاديًا فحسب، بل تشكل بنية نفوذ ناعم تمنح عُمان حضورًا مؤثرًا في محيطها الحدودي، وتجعل من المهرة ساحة توازن لا تحتمل دخول لاعبين مسلحين بثقل إقليمي.
ومن هذا المنطلق، فإن احتمال سيطرة قوة انفصالية مدعومة إماراتيًا على منفذ بحري أو شريط ساحلي قريب من الحدود العُمانية يُعد، في الحسابات الإستراتيجية لمسقط، فتحًا لباب موطئ قدم دائم للإمارات على تخوم بحر العرب، في منطقة تُصنف ضمن المجال الحيوي العُماني.
لذلك، ومع تزايد مؤشرات الانفصال أو محاولات فرض وقائع جديدة على غرار نموذج "أرض الصومال"، مالت عُمان إلى منطق المنع بدل الموازنة، وقدّمت دعمًا للتحرك السعودي بوصفه حاجز صدّ أول.
وفي 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن السعودية، بحكم حدودها الطويلة مع اليمن، تنظر تقليديًا إلى تفكيك البلاد أو توسع نفوذ قوى انفصالية باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها، لا سيما حين يقترن بتغوّل طرف إقليمي منافس كالإمارات في الجنوب.
ومع اندفاع المجلس الانتقالي نحو حضرموت والمهرة، بلورت الرياض ردًا عسكريًا وسياسيًا، تمثل في ضربات جوية وعمليات ميدانية أعادت خلط الأوراق.
وبحسب الصحيفة، وفّر هذا التدخل السعودي لعُمان فرصة مثالية لإبعاد الخطر عن حدودها عبر قوة أكبر تتصدر المشهد، من دون أن تظهر مسقط في واجهة الصراع أو تحرق أوراق الوساطة التي لا تزال تحتاجها في ملفات أخرى.
لذلك جاء السلوك العُماني أقرب إلى المشاركة الصامتة منه إلى الاصطفاف الخطابي؛ إذ حافظت مسقط على لغة رسمية تدعو إلى التفاهم والسلام وحسن الجوار، وفق بيانات وزارة الخارجية، بينما كانت قنوات التنسيق مع الرياض تعمل بعيدًا عن الأضواء.

وهم الانفصال
تضيف "الغارديان" أن تمدد المجلس الانتقالي نحو الشرق مثّل لحظة اندفاع، بينما شكّل فرار عيدروس الزبيدي لحظة ارتداد. فخروجه من عدن إلى أبوظبي عبر مسارات معقدة لم يُقرأ مجرد حادثة شخصية، بل مؤشرًا على انقسام داخلي وانكشاف الغطاء الإقليمي.
هذه النهاية الرمزية لمشروع الاستقلال السريع حملت دلالتين لعُمان: الأولى أن القوة التي اقتربت من حدودها يمكن كبحها إذا توفرت إرادة سعودية حاسمة، ما يخفف الضغط الحدودي من دون مغامرة عُمانية مباشرة. والثانية أنها كشفت حدود قدرة الإمارات على حماية وكلائها حين يتحول المشروع إلى عبء دبلوماسي يهدد بإشعال مواجهة خليجية أوسع.
وفي هذا السياق، قال الباحث السياسي حسين عطوي في حديث لـ"الاستقلال" إن "التحول في مواقف دول مثل عُمان والكويت لا يمكن فصله عن طبيعة المشروع الإماراتي نفسه، الذي تجاوز حدود النفوذ في ساحات النزاع، وبات يشكل تهديدًا مباشرًا لمنظومة مجلس التعاون الخليجي".
وأضاف أن أبوظبي "لم تعد تكتفي بإدارة الصراعات بالوكالة، بل انتقلت إلى منطق التفكيك وبناء شبكات نفوذ تضرب استقرار الدول المجاورة من الداخل".
وأشار عطوي إلى أن هذا السلوك "لم يعد قابلاً للاحتواء دبلوماسيًا"، مؤكدًا أن التمدد الإماراتي اتسم بـ"جرأة وشراسة غير مسبوقتين"، عبر دعم مشاريع انفصالية واختراقات أمنية وأدوات ضغط ناعمة وخشنة في آن واحد.
وختم بالقول إن هذا الواقع "دفع دولًا كانت تفضل موقع الوسيط، مثل عُمان والكويت، إلى إعادة حساباتها جذريًا"، مقدرا أن "الانحياز للسعودية لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية"، وأن الرياض باتت تمثل "خط الدفاع الأخير في مواجهة مشروع يهدد ليس فقط ساحات النزاع، بل البنية الداخلية للخليج نفسه".
المصادر
- How Oman went from mediator to silent Saudi partner in Yemen fight
- Saudi Arabia says UAE helped Yemeni separatist leader flee as crisis deepens
- Oman says foreign minister met Saudi counterpart to discuss Yemen
- سياسة سلطنة عُمان الخارجية تجــــــــــــاه دول مجلس التعــــــــــــــــاون لدول الخليج العربية 2011- 2018.















