تركيا تقطع العلاقات مع إسرائيل للمرة الثانية.. دلالات التصعيد وتوقيته

"ما قاله فيدان تكثيف للإجراءات وليس قطعا جديدا للعلاقات"
إعلان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في 29 أغسطس/آب 2025، عن قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل بالكامل، وإغلاق الأجواء أمام طائراتها، كان محيرا، لأن أنقرة أوقفت بالفعل التجارة مع إسرائيل منذ 2 مايو/ أيار 2024.
القرار الذي قيل إنه جاء احتجاجا على إبادة غزة، وصف بأنه ليس جديدا لأنه سبق لتركيا إعلان عدة خطوات عن قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية، عامي 2023 و2024، وقابلته وسائل إعلام معادية لأنقرة بنشر تقارير عن استمرار الصادرات التركية لإسرائيل.
مصادر تركية أوضحت أن ما أعلنه فيدان، كان مجرد تذكير بالموقف التركي خلال جلسة استثنائية للبرلمان، خُصصت لمناقشة تطورات الأوضاع في غزة، ولم يكن تصريحا أو موقفا جديدا، ولكنه مع ذلك كان إعلانا عن "إجراءات تنفيذية أكثر صرامة" ضد دولة الاحتلال.
ويدور حديث حول أن التصعيد في هذا التوقيت وبهذه الصورة واللغة الحادة من فيدان جاء بسبب قصف وتوغل إسرائيل في الأراضي السورية والذي يضر بالأمن القومي التركي ويهدد بجر الطرفين إلى تصادم وصراع إقليمي، لا بسبب اعتراف إسرائيل بما يسمى "إبادة الأرمن".
جديد أم مزيد
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، اتخذت أنقرة سلسلة قرارات متتالية بـ"عقوبات" ضد تل أبيب، تضمنت "تقليص" التجارة معها من بداية الحرب وحتى 2 مايو/ أيار 2024، بنحو 30 بالمئة.
وفي 9 أبريل/ نيسان 2024، زادت تركيا العقوبات بوقف تصدير 1019 سلعة إلى إسرائيل في 54 قطاعا تجاريا وصناعيا، وفق وكالة "الأناضول" التركية، في 29 أغسطس 2025.
وأخيرا في 2 مايو 2024، أوقفت تركيا كليا "جميع عمليات التصدير والاستيراد والتجارة العابرة مع إسرائيل في كل فئات السلع، ولم يعد هناك أي نشاط تجاري لتركيا مع إسرائيل، بما في ذلك المعاملات في الجمارك والمناطق الحرة"، وفق وكالة “أسوشيتدبرس” في 29 أغسطس 2025.
لذا كان ما أعلنه الوزير التركي هو كشف حساب للبرلمان، ولكنه زاد عليه أمورا قاطعة بمثابة تشديد للإجراءات التنفيذية، وأكد أن بلاده "قطعت العلاقات التجارية مع إسرائيل بشكل كامل".
وقال فيدان: "لقد أغلقنا موانئنا أمام السفن الإسرائيلية، ولا نسمح للسفن التركية بالذهاب إلى موانئ إسرائيل"، كما منعنا دخول الطائرات الإسرائيلية إلى أجوائنا.
وأضاف "لا نسمح لسفن الحاويات التي تحمل أسلحة وذخائر إلى إسرائيل بدخول موانئنا، ولا للطائرات بدخول مجالنا الجوي"، دون الخوض في تفاصيل.
وفي 21 أغسطس 2025، قالت مصادر وكالة "رويترز"، إن سلطات الموانئ التركية بدأت بشكل غير رسمي في مطالبة وكلاء الشحن بتقديم خطابات تؤكد أن السفن غير مرتبطة بإسرائيل ولا تحمل بضائع عسكرية أو خطرة متجهة إلى البلاد".
وقال مصدر آخر: إن "السفن التي تحمل العلم التركي ستُمنع من الرسو في الموانئ الإسرائيلية".
وبعدما قال الوزير التركي: إن أنقرة أوقفت بالفعل تعاملاتها التجارية مع إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة، نقلت وكالات الأنباء ما قاله بصفته قرارا جديدا.
"لكن الوزير كان يسرد ما فعلته تركيا قبل عامين وتتشدد فيه حاليا"، وفق خبراء ومحللين للشأن التركي.
وأوضحوا أن تركيا لم تقطع العلاقات مع إسرائيل "مجددا"، بل رفعت من حدة إجراءاتها، وما قاله فيدان يُعد المزيد من التصعيد وليس قرارات جديدة.
وقال الصحفي التركي حمزة تكين، إن فيدان “لم يعلن قطع العلاقات التجارية مع الاحتلال الإسرائيلي بل كان يسرد إجراءات تركيا ضد الاحتلال”.
وشدد تكين في منشور عبر “إكس” في 29 أغسطس، على أن “تركيا قطعتها بشكل تام وكامل مع الاحتلال منذ نحو عام ونصف العام، وهذا الأمر ما زال مستمرا”.
بعبارة أخرى، هذه الخطوات تعكس قرارات تنفيذية عميقة لتعطيل العلاقات الاقتصادية واللوجستية مع إسرائيل، وتُكمل مسارا تقليصيا بدأ بالانسحاب الدبلوماسي والتجاري مع العلاقات مع الاحتلال بعد حرب غزة.
لذا وصف الناطق الرسمي لحكومة إسرائيل ما قاله فيدان بأنها "تكثيف للإجراءات وليس قطعا جديدا للعلاقات"، وفق صحيفة "هآرتس" العبرية.
وتبلغ قيمة الاتفاقيات التجارية بين تركيا وإسرائيل، والتي ألغتها تركيا كليا، 7 مليارات دولار سنويا، بسبب العدوان على غزة، وفق صحيفة "جيروزاليم بوست".
تام أم جزئي
ومع هذا نقلت وكالة "رويترز" في 29 أغسطس 2025، عن "مصدر دبلوماسي تركي" أن وزير الخارجية "كان يقصد الرحلات الجوية الحكومية الإسرائيلية والرحلات الجوية التي تحمل أسلحة إلى إسرائيل".
وشرح ذلك بقوله: "تصريحات الوزير تتعلق بالرحلات الجوية الإسرائيلية الرسمية والرحلات التي تحمل أسلحة أو ذخيرة إلى إسرائيل، وهذا لا ينطبق على الرحلات التجارية العابرة".
وروجت صحف عبرية لما نقلته “رويترز” عن المسؤول التركي، وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في عنوان تقريرها في 29 أغسطس: "بعد التهديدات.. تركيا توضح أن قواعد المجال الجوي تؤثر فقط على "رحلات وأسلحة الحكومة الإسرائيلية".
وقالت: إن تركيا أوضحت أن "القيود على المجال الجوي لا تنطبق إلا على رحلات الحكومة الإسرائيلية والطائرات التي تحمل أسلحة أو ذخيرة، وليس على رحلات الترانزيت التجارية".
وأعلنت شركات الطيران الإسرائيلية وسلطات الطيران أنها لم تتلق أي إخطار رسمي من تركيا.
ونقلت صحيفة "جيروزالم بوست" في 29 أغسطس 2025، عن مسؤول إسرائيلي قوله: إن "تركيا سبق أن أعلنت في الماضي قطع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، لكن العلاقات استمرت رغم ذلك".
ونشر نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي خريطة لحركة الطيران فوق تركيا، من موقع "فلايت رادار"، تبين تحليق طائرة إسرائيلية بالمجال الجوي التركي رغم تصريحات وزير الخارجية عن منع الطائرات الإسرائيلية من التحليق بالمجال الجوي التركي.
وأكدت شركات الطيران الإسرائيلية أنها لا تزال تعبر المجال الجوي التركي رغم إعلان الإغلاق، وفق صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في 29 أغسطس، ما يشير إلى صحة ما قاله الدبلوماسي التركي لوكالة "رويترز" أن الحظر لا يشمل الطيران المدني.
وكان لافتا مع هذا أن تصريحات فيدان عن وقف التجارة بالكامل، أوجعت الإسرائيليين، ورد عليها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ما يدل على أهمية الموقف التركي.
ورغم أن التداعيات الاقتصادية للقرار لم تتضح بعد، إلا أن إغلاق المجال الجوي التركي قد يؤدي إلى زيادة زمن الرحلات الجوية الإسرائيلية المتجهة إلى دول مثل جورجيا وأذربيجان بما يقارب الساعتين.
وتستخدم شركات الطيران الإسرائيلية المجال الجوي التركي بشكل رئيس للرحلات المتجهة إلى جورجيا، وقالت شركة “يسرائير”: إن عمليات السفر مستمرة كالمعتاد، وبشكل طبيعي دون أي تغيير"، وفق "يديعوت أحرونوت" في 29 أغسطس 2025.
علاقة الأرمن
وأشاع صحفيون ومواقع معادية لحكومة أردوغان أن قرار أنقرة (الذي عدوه جديدا) لم يكن لصالح غزة، ولكنه غضب من الموقف الإسرائيلي، بعدما زعم نتنياهو أن تركيا (العثمانية) كانت وراء ما يُسمي "إبادة الأرمن".
ورأوا أن "قرار" تركيا قطع العلاقات (التجارية والاقتصادية) بشكل كامل، جاء كرد فعل على تصريح نتنياهو الذي اتهم تركيا بارتكاب إبادة ضد الأرمن، وهو ما أثار غضب أنقرة، التي وصفت ذلك بأنه محاولة للتهرب من اتهامه بإبادة غزة.
وكان الموقف الرسمي لإسرائيل هو عدم الاعتراف رسميا بالأحداث على أنها "إبادة جماعية"، وذلك لأسباب سياسية ودبلوماسية مرتبطة بعلاقاتها مع تركيا وأذربيجان.
لكن نتنياهو خرق هذا الموقف الرسمي وقال في 26 أغسطس 2025، إن "مذبحة الأرمن على أيدي الإمبراطورية العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى كانت عملا من أعمال الإبادة الجماعية:.
وقال في مقابلة مع البودكاستر الأميركي، باتريك بت ديفيد، وليس عبر بيان رسمي، ردا على سؤال "لماذا لم تعترفوا بالإبادة للأرمن؟": "أعتقد أننا فعلنا ذلك، والكنيست مرر قرارا بهذا الخصوص".
وعندما أصرّ المذيع على أن الاعتراف يجب أن يصدر عن نتنياهو بصفته رئيس الحكومة، أجاب: "لقد فعلت ذلك للتو".
وعلى مدار السنوات الماضية، طُرحت في الكنيست عدة مقترحات قوانين للاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الأرمنية، لكنها لم تُقر، وغالبا ما طُرحت للنقاش في فترات توتر مع تركيا، ووصفها رئيس الكنيست الأسبق رؤوفين ريفلين عام 2012 بأنها "قضية سياسية"، أي يتم الحديث عنها وقت توتر العلاقات.
وكان وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أكد أوائل عام 2025، حين كان وزيرا للخارجية، أنه يعترف بـ"الإبادة الأرمنية".
وقال كاتس في منشور ردا على ما قال إنه "تباهي تركيا بتسليم مواد إلى المحكمة في لاهاي (تتعلق بحرب الإبادة في غزة): لم ننس محرقة الأرمن والمجازر ضد الأكراد".
وتوقعت صحيفة "هآرتس" في 27 أغسطس أن يتصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا، في أعقاب اعتراف نتنياهو بالإبادة الأرمنية، لكن مصادر تركية نفت علاقة ما أعلنه فيدان باعتراف إسرائيل بإبادة الأرمن.
ولم تُبد السلطات التركية أي إشارات إلى ربطها هذا الموضوع بإجراءاتها الأخيرة ضد إسرائيل؛ إذ إن العلاقات متوترة منذ فترة طويلة، والقلق حول الملف الأرميني لم يكن محور القرار التركي الأخير، بقدر ما هو تصاعد إبادة غزة، وفق تقارير تركية.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة رفضت تركيا "حرب الإبادة الجماعية" على غزة وهاجم أردوغان نتنياهو، وقارنه بالزعيم النازي أدولف هتلر، واستدعت الدولتان سفيريهما، وتعمل بعثاتهما الدبلوماسية حاليا على مستوى منخفض.
ويقول جابي كيفوركيان، وهو طبيب يعيش في القدس، في مقال بموقع "عرب 48" في 22 أبريل/نيسان 2025، إن تردد إسرائيل في الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، هو "أن إسرائيل تريد عد الشعب اليهودي هو الضحية الوحيدة للإبادة الجماعية في جميع أنحاء العالم".
المصادر
- فيدان يؤكد أن تركيا قد قطعت التجارة مع إسرائيل
- فيدان: مقاومة الفلسطينيين ستغير مجرى التاريخ
- Turkey completely severes economic ties, closes airspace to Israel
- Turkey bars Israeli ships from its ports, restricts airspace
- Turkey closes its airspace to Israeli planes and curbs Israel-bound trade over the Gaza war
- بعد الامتناع عن ذلك لسنوات: نتنياهو يعترف بإبادة الأرمن