آخرها "الدعم السريع".. كيف اتسعت رقعة الخلافات بين السعودية والإمارات؟

الخلاف بين الرياض وأبو ظبي بشأن محمية الياسات وصل إلى الأمم المتحدة
في حادثتين منفصلتين، ظهرت مجددا الخلافات بين السعودية والإمارات، ما أثار تساؤلات عن مستقبل العلاقة بين البلدين الخليجيين، اللتين بدأت تزداد بينهما رقعة الخلاف في مساحات تَعَدّت الجغرافيا الخليجية إلى المنطقة بالكامل.
وأبرز الخلاف بين السعودية والإمارات، الذي وصل إلى أروقة الأمم المتحدة ما يمكن وصفه بـ"التنافس المبطن" أو "التنازع على الريادة الإقليمية" بين الجارتين الخليجيتين خلال العقد الماضي، بعدما كانتا الحليفتين الأقرب إلى بعضهما من بقية الدول الخليجية.
"محمية الياسات"
القضية التي لم تحل بين الطرفين هي الحدود البحرية بين البلدين، فقد جددت السعودية رفضها قيام الإمارات بترسيم حدودها من جانب واحد من خلال تطبيق نظام الخطوط المستقيمة على سواحلها.
وفي 4 فبراير/ شباط 2025، أرسلت السعودية مذكرة شفوية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ترفض فيها رفضا قاطعا مذكرة وجهتها الخارجية الإماراتية في 11 مارس/ آذار 2-24، بشأن تطبيق نظام خطوط الأساس المستقيمة على سواحلها ولا تعترف بما ورد فيها.
وأكدت السعودية أنها لا تعترف بأي آثار قانونية ناشئة عن تطبيع دولة الإمارات بشكل منفرد نظام خطوط الأساس المستقيمة، لمخالفتها اتفاقية الحدود المبرمة بين البلدين بتاريخ 21 أغسطس/آب 1974، وكذلك قواعد وأحكام القانون الدولي.
وسبق أن أصدر مجلس الوزراء الإماراتي القرار رقم 35 عام 2022 المتضمن إعلان تطبيق نظام خطوط الأساس المستقيمة مقابل سواحلها، والذي يتبين منه أن الخطوط المستقيمة المقابلة للساحل السعودي لا علاقة لها بساحل دولة الإمارات.
وبناء على ذلك، فإن الإمارات ترى أن "محمية الياسات" تقع في المياه الإقليمية التابعة لها، مؤكدة أنها "لا تعترف للسعودية بأي مناطق بحرية أو حقوق سيادية أو ولاية بعد خط الوسط الفاصل بين البحر الإقليمي لدولة الإمارات والبحر الإقليمي للسعودية المقابل لمحافظة العديد"، وفق مذكرتها.
وفي المقابل، أكدت الحكومة السعودية في مذكرات سابقة رفضها هذا الإعلان، وتمسكها باتفاقية الحدود المبرمة بين البلدين في أغسطس/ آب 1974 الملزمة للطرفين، والتي بموجبها تمتد المنطقة البحرية للمملكة قبالة ساحل محافظة العديد إلى وسط الخليج العربي.
وبحسب وثيقة رسمية نشرها موقع الأمم المتحدة، مؤرخة في 18 مارس 2024، تقول رسالة من وزارة الخارجية السعودية موجهة إلى الأمين العام: إنها "لا تعتد ولا تعترف بأي أثر قانوني" لإعلان الإمارات أن "الياسات" منطقة بحرية محمية، وذلك بحسب مرسوم أميري عام 2019.
وتقع منطقة "الياسات" البحرية بالقرب من المياه الإقليمية للإمارات التي أعلنت عنها أنها محمية لأول مرة عام 2005، وأنها تضم 4 جزر مع المياه المحيطة بها، وتقع في أقصى جنوب غرب أبوظبي، بحسب وزارة التغير المناخي والبيئة في الإمارات.
وبحسب الرسالة التي بعثتها وزارة الخارجية الإماراتية إلى الأمم المتحدة، فإنه جرى التأكيد على أن دولة الإمارات ظلّت منذ عام 1975 "تبلغ السعودية عبر الرسائل بأن أجزاء من اتفاقية عام 1974 لا يمكن تنفيذها بصيغتها الحالية وطالبت بتعديلها".
وفي 1974، وقع البلدان اتفاقية لتسوية خلافاتهما الحدودية عُرفت باتفاقية جدة، تنازلت بموجبها السعودية عن مطالبتها بجزء من واحة البريمي الغنية بالنفط، وهي منطقة تقع بين شمال غرب عُمان والإمارات. مقابل ذلك، وبحسب الاتفاقية المبرمة، فإن السعودية تحصل على مجموعة من الأراضي الغنية بالنفط في الحدود بين البلدَين مثل جزيرة الحويصات، فيما تنازلت دولة الإمارات عن 80 بالمئة من حقل الشيبة النفطي، وعن 50 كيلومترا من ساحلها.
كذلك اعترفت السعودية بموجب تلك الاتفاقية بالإمارات كدولة مستقلة، وكان ذلك في بدايات مرحلة تأسيسها.

"الدعم السريع"
وفي قضية أخرى، كشفت الخلافَ بين السعودية والإمارات، إثر نشر وكالة السودان للأحداث والأنباء "سينا" خبرا تحدثت فيه عن مقتل 5 عناصر من قوات "الدعم السريع" السودانية، خلال اشتباكاتهم مع جماعة "الحوثي" اليمنية على الحدود مع السعودية.
الخبر الذي نشرته وكالة "سينا" غير الرسمية، في 15 مارس، أثار غضبا سعوديا؛ إذ انبرت حسابات سعودية لمهاجمة الإمارات، واتهامها بفبركة الأخبار للإضرار بالمملكة عبر نشرها في وكالات أنباء مُزَيّفة لا تمتّ إلى السودان بصلة.
ما أثار غضب السعوديين، هو ترويج الخبر من حساب إماراتي معروف يدعى "يوسف"، ويتابعه أكثر من 100 ألف، رغم أنه عرف بتخصصه في تناول الأخبار الرياضية وليست السياسية.
وذكرت حسابات سعودية أن وكالة "سينا" التي تحاول تضليل الرأي العام من خلال اسمها القريب من الوكالة الرسمية "سونا"، وعبر الأخبار التي تنشرها، ممولة من الإمارات، وتروّج لقوات الدعم السريع في السودان.
واتهم ناشطون سعوديون على منصة "إكس" الإعلامي الإيراني (الأحوازي) أمجد طه، المعروف بقُرْبه من دولة الإمارات العربية المتحدة، بأنه من يدير هذه الوكالة المزيفة "سينا".
وعلى وقع الجدل الحاصل، نشرت وكالة "سونا" الرسمية توضيحا في 15 مارس، أكدت فيه أن "سينا" هي "منصة مزيفة، لا تمثل الدولة، ولا تربطها أي علاقة بالمؤسسات الإعلامية السودانية الرسمية".
وثبّتت "سونا" اتهامات الناشطين السعودية، بقولها: إن "الإمارات من تقف خلف هذه الوكالة المزيفة، وأوكلت إدارتها لأمجد طه الأحوازي، الحاصل على الجنسية البريطانية، والذي يكتب في صحيفة (إسرائيل اليوم)"، علما أن طه من أشد المؤيدين للاحتلال الإسرائيلي.
وتطور السجال بين الحسابات السعودية والإماراتية على منصة "إكس" بشكل مسبوق إلى تبادل الطرفين الشتائم، والسخرية من مؤسسي البلدين؛ الشيخ زايد آل نهيان، والملك عبد العزيز آل سعود.
وروّجت حسابات إماراتية بأن رئيس الدولة محمد بن زايد هو زعيم المنطقة، والحاكم الأكثر فاعلية وأهمية في الشرق الأوسط، ونشروا صورة للأخير إلى جانب قيادة مصر والأردن في إشارة لقيادة ثلاثة، وتجاهل صريح للسعودية وولي عهدها الأمير محمد بن سلمان.
احتدام الصراع، دفع الحكومة الإماراتية للتدخل في 16 مارس، إذ أكد المكتب الوطني للإعلام أهمية التزام جميع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الدولة بالقيم والمبادئ التي تعكس سياسات الدولة ونهجها القائم على الاحترام والتسامح والتعايش.
وشدد المكتب على ضرورة "مراعاة الضوابط الأخلاقية والقانونية عند استخدام المنصات الرقمية، وضرورة الامتناع عن نشر أي محتوى قد يتضمن إساءة أو انتقاصا من الثوابت والرموز الوطنية، أو الشخصيات العامة، أو الدول الشقيقة والصديقة ومجتمعاتها".
وقال رئيس المكتب، عبد الله آل حامد، عبر منصة “إكس”: إن "أخلاق الوالد المؤسس الشيخ زايد ستظل نهجا راسخا ونبراسا لأبناء الإمارات، نقتدي بها في أقوالنا وأفعالنا.. في عالم التواصل الاجتماعي، علينا أن نتمسك بهذا الإرث الخالد، فحكمته تعلمنا الكلمة الطيبة".
تراجع العلاقة
لم تكن الحادثتان الأخيرتان، بعيدتين عن حالة الفتور والبرود التي اعْتَرت العلاقة بين السعودية والإمارات منذ نحو عامين، والتي ظهرت واضحة في تراجع مستوى الزيارات الرسمية بين قادة البلدين، خصوصا بعد الشرخ بينهما في أزمتي اليمن والسودان.
وتدعم الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وقوات الدعم السريع في السودان، بينما تسعى السعودية إلى فرض دبلوماسيتها في الخرطوم والوقوف إلى جانب الجيش الرسمي، ودحض مساعي الانفصال في الأراضي اليمنية.
ومن أبرز الخلافات الاقتصادية العلنية التي حدثت خلال العقدين الماضيين بين البلدين، اعتراض الإمارات على اقتراح استضافة الرياض مقرَّ البنك المركزي لمجلس التعاون الخليجي وانسحابها من اتفاق الوحدة النقدية الخليجية، وهو ما أسهم في تعطيل مشروع إصدار عملة خليجية موحدة وبنك مركزي تابع للمجلس.
وفي يوليو/تموز 2021، أرادت السعودية تمديد قرار تخفيض إنتاج الدول الأعضاء بمنظمة أوبك بلس الذي كان من المفترض أن تنتهي مدة سريانه في أبريل/نيسان 2022 إلى نهاية العام ذاته للتعويض عن الخسائر التي تكبدتها الدول الأعضاء جراء الانخفاض الحاد في أسعار النفط خلال أزمة وباء كوفيد- 19 والحفاظ على استقرار السوق.
لكن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، أصر على زيادة حصة بلاده من الإنتاج، قائلا في تصريحات إعلامية: "لا يعقل أن نقبل باستمرار الظلم والتضحية أكثر مما صبرنا وضحينا"، حيث عد الاقتراح غير عادل ومن شأنه تكبيد بلاده خسائر فادحة.
ورغم أنه تم التوصل إلى حل وسط بعد ذلك بشهر، إلا أن التوترات ظلت قائمة وانتشرت تكهنات وشائعات حول وجود نية لدى الإمارات للانسحاب من أوبك بلس، وهو ما نفاه في وقتها مسؤولون إماراتيون.
وفي يوليو 2023، انفردت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية بنشر تصريحات الأمير محمد بن سلمان، والتي جاءت خلال لقائه بصحفيين في الرياض في ديسمبر 2022، حيث اتهم خلالها دولة الإمارات بأنها "طعنتنا في الظهر"، وواصل حديثه قائلا: "سيرون ما يمكنني القيام به".

أمضى ابنا زايد وسلمان نحو عقد من الزمان في الصعود إلى قمة القيادة السياسية في العالم العربي في مسيرة اقتربا خلالها في الأفكار والتوجهات، لكنهما الآن يتنازعان حول من يتخذ القرارات في الشرق الأوسط، وسط مشهد يخفت فيه الوجود الأميركي شيئا فشيئا، وفقا للصحيفة.
ويرى مراقبون، أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي في التعاطي مع قضايا المنطقة، قد يفضي إلى تشكل خارطة تحالفات خليجية جديدة، قد تتقارب فيها قطر والسعودية كما حصل في التعاطي مع الملف السوري بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ودعم الإدارة السورية الجديدة.
ويرى المراقبون أن ملفات المنطقة، خصوصا السودان واليمن، قد تسهم في تعميق حالة الخلاف بين السعودية والإمارات، إضافة إلى ملف ترسيم الحدود البحرية بينهما، والتي فشل الطرفان في حلها داخليا والتوجه بها إلى الأمم المتحدة، وهذا يؤكد حالة الفتور في العلاقة بين الجانبين.
المصادر
- توضيح مهم من وكالة السودان للأنباء (سونا)
- تجدد الخلاف السعودي الإماراتي على منطقة الياسات القريبة من سواحل أبوظبي
- من سينتصر في الخلاف بين السعودية والإمارات؟
- المكتب الوطني للإعلام يؤكد ضرورة التزام مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالقيم والسياسات الوطنية
- السعودية والإمارات ـ صراع خفي على النفوذ وزعامة المنطقة؟
- الخلاف الحدودي السعودي-الإماراتي على الياسات: نزاع حدودي أم صراع نفوذ؟

















