رغم معاناة التونسيين.. لماذا يخفي قيس سعيد حقيقة أزمة الخبز؟

تمر تونس بأزمة خبز متواصلة منذ أسابيع تعيد إلى الأذهان الأحداث الدموية التي وقعت نهاية عام 1983 وبداية 1984، حين وقعت انتفاضة الخبز التي أدت إلى مقتل أكثر من 150 شخصا.
واستنكرت صحيفة إيطالية تحميل الرئيس التونسي قيس سعيد مسؤولية الأزمة على ما يسميهم "محتكرين ومضربين" الذين زج ببعضهم في السجن، مؤكدة أن الأسباب الحقيقية اقتصادية ومالية.
أزمة متفاقمة
وقالت صحيفة "نيغريسيا" في مطلع تقريرها، إن التونسيين يقفون في طوابير طويلة خارج المخابز بمختلف المناطق في الأسابيع الأخيرة
ويعود الكثير منهم إلى منازلهم دون الحصول على الخبز الفرنسي "الباغيت" الذي يشهد إنتاجه تراجعا كبيرا نتيجة نقص مادة الفرينة (الدقيق أو الطحين).
والسبب في كل هذا، أن الحكومة تجد صعوبة في خلاص شحنات القمح التي يتم توريدها نتيجة عدة عوامل على رأسها الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ فبراير/ شباط 2022.
والجفاف الذي ضرب البلاد في السنوات الأخيرة وخاصة الأزمة الاقتصادية الخانقة.
وحكومة تونس، كما يحدث في دول أخرى في المنطقة، تحتكر الطحين الذي تشتريه في الغالب من السوق الدولية خاصة من أوكرانيا وروسيا، ثم تقوم بتوزيعه على المخابز والأفران.
وهذا الاحتكار ينبع من حقيقة أن اقتصاد البلاد يرتكز على أجور منخفضة (الحد الأدنى للأجور 480 دينارًا، أي ما يعادل 140 يورو)، ما دفع الدولة منذ السبعينيات إلى احتكار المشتريات لتوفيرها في السوق بأسعار منخفضة.
لكن بما أن تونس بلد مثقل بالديون لاسيما وأن نسبة المديونية 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فهي الآن تعاني من نقص في السيولة، بينما من ناحية أخرى يطالب الموردون بالدفع لهم مسبقا.
وبحسب ما أورده أخيرا موقع "الشعب" الإخباري، المرتبط بالاتحاد العام التونسي للشغل، تنتظر ثماني بواخر محملة بالحبوب في خليج صفاقس لدفع ثمن شحناتها قبل تفريغها.
وأشار الموقع إلى أن باخرة روسية تنتظر منذ 19 يوليو/ تموز 2023 لتفريغ حمولتها من الشعير في حين توجد باخرة أوكرانية راسية منذ 27 من نفس الشهر محملة كذلك بالشعير وأخرى إيطالية تحمل القمح الصلب.
فضلا عن باخرة روسية دخلت الموانئ التونسية في 5 أغسطس/ آب 2023 محملة بالقمح اللين وأخرى قدمت كذلك في 8 أغسطس من روسيا وهي تحمل الشعير، فيما رست باخرة أوكرانية يوم 14 أغسطس محملة بالشعير.
رواية مزيفة
وأكدت الصحيفة أن جوهر المسألة يتعلق بنقص الموارد لخلاص شحنات الحبوب فيما تتخذ رواية الرئيس سعيد، إلى جانب خياراته وقرارته "اتجاها آخر" مشيرة إلى اتهامه أطرافا تقف وراء اختلاق الفوضى واصفة الوضع بالمعقد.
وكان الرئيس التونسي قد كرر في أحدث زياراته إلى عدة مخابز بأن أزمة الخبز مفتعلة وبأنه يجب ألا تتكرر بالنسبة للعودة المدرسية والجامعية أو بالنسبة إلى عدد من المواد الأساسية الأخرى .
ومن قرارته، تذكر الصحيفة بأنه قرر في 14 أغسطس 2023، إنهاء مهام بشير الكثيري، الرئيس المدير العام لديوان الحبوب، الهيئة الحكومية التي تشرف على مناقصات توريد القمح والشعير.

كما دعا سعيد وزيرة العدل إلى إثارة تتبعات جزائية ضد كل المحتكرين في مجال توزيع الحبوب وسائر المواد الأخرى التي شهدت ارتفاعا غير مسبوق للأسعار.
ومنذ أيام تم إيقاف محمد بوعنان، رئيس اتحاد المخابز التابعة لمنظمة الأعراف "للاشتباه في احتكاره ومضارباته بمواد غذائية مدعومة وفي غسيل أموال".
وفي وقت سابق، هاجم سعيد جمعية المخابز العصرية التابعة لكونفدراليّة المؤسّسات المواطنة التونسيّة (كونكت)
المخابز في تونس
والمخابز نوعان في تونس، الأولى تضم 3737 مخبزة تستفيد من الدقيق المدعوم الذي توفره الدولة، وتنتج خبز الباغيت بتكلفة 190 مليما من الدينار التونسي، أي ما يعادل حوالي 7 سنتات يورو.
إلى جانب هذه المخابز المدعمة، ولدت المخابز "العصرية" في عام 2011 وهي اليوم تقدر بحوالي 1500 إلى ألفين وتشتري دقيقًا يعرف بأنه "خاص"، ومدعوم جزئيًا فيما تبلغ كلفته ثلاثة أضعاف.
وأسعار منتجات هذه المخابز العصرية لا تحددها الدولة خصوصا وأنها أكثر تنوعًا (خبز بدون ملح وخبز دقيق كامل) وتشمل أيضًا الحلويات والكعك.
ويرتبط النوعان المختلفان من المخابز بنقابات وجمعيات من فئات مختلفة وقد فقدت المخابز العصرية منذ مطلع أغسطس الحق في حصة محدودة من الدقيق المدعم لصناعة الخبز.
من جانبه، أعلن الرئيس سعيّد في 27 يوليو عن وقف تزويد المخابز العصرية بالدقيق المدعوم، متّهمًا باستخدامه لإنتاج الكعك وأنواع الخبز المختلفة، بالإضافة إلى خبز الباغيت الشعبي، وبالتالي الحصول على هوامش أكثر على المبيعات.
وقال إن "الخبز واحد لكل التونسيين، وإن التلاعب بالخبز قسّمه بين خبز للأغنياء وخبز للفقراء وكأنها طريقة ملتوية لرفع الدعم عن الحبوب."
وقد أدى هذا القرار إلى إغلاق 90 بالمئة من المخابز العصرية مما تسبب في بطالة أكثر من 20 ألف موظف، بحسب نقابتهم التي أعلنت استئناف وقفاتها الإحتجاجية في 21 أغسطس أمام مقر وزارة التجارة بالعاصمة.
في خضم هذا الوضع، الضحية دائما هي المواطن، تستنكر الصحيفة الإيطالية لتختم تقريرها بأن "أزمة الخبز" تضرب بشدة التونسيين الذين سئموا بالفعل من زيادة التضخم والفقر، الذي بات يؤثر الآن على حوالي 20 بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم 12 مليون نسمة.

















