جذور قديمة.. لماذا اختارت إثيوبيا تركيا لتساعدها على حل مشكلاتها؟

قسم الترجمة | منذ ٥ أعوام

12

طباعة

مشاركة

تحدث موقع تركي عن رغبة عدد من الدول الإفريقية في جعل تركيا وسيطا، ومن أبرزها إثيوبيا التي أصبحت مسرحا للأزمات داخليا وخارجيا.

وزار رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي أنقرة في 30 سبتمبر/أيلول 2021، وعقد سلسلة من الاجتماعات المهمة مع رئاسة الشؤون الخارجية، ووكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا)، ورئاسة أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى.

جاء ذلك تزامنا مع تحضير أنقرة للقمة التركية الإفريقية الثالثة بعد القمتين اللتين عقدتهما في عامي 2008 و2014.

وقال موقع "فيكير تورو" التركي: "من بين دول إفريقيا، كان من اللافت الحركة الدبلوماسية التي بدأت بين تركيا وإثيوبيا التي تستضيف الاتحاد الإفريقي (يمثل 55 دولة يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة)".

وأوضح الكاتب سرحات أوراكتشي أن إثيوبيا تعتبر ثاني أكبر دولة في القارة الإفريقية بعدد سكان يزيدون على 110 ملايين نسمة.

ولفت إلى وجود ما يقرب من 200 شركة تركية تعمل في إثيوبيا بما أنها تعتبر النجم الصاعد للقارة اقتصاديا.

واستدرك قائلا: فكما هو معروف، أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي تولى السلطة في عام 2018، زيارة إلى أنقرة في أغسطس/آب 2021 استغرقت يوما واحدا والتقى بالرئيس رجب طيب أردوغان وجها لوجه لأول مرة. 

والواقع أن أهمية هذا الاجتماع تكمن في الدور الذي يمكن أن تتولاه تركيا في حل المشاكل التي تواجهها إثيوبيا.

جذور قديمة

وأضاف الكاتب: كانت إثيوبيا مسرحا لأزمات عميقة على مدى السنوات الأربع أو الخمس الماضية. 

فبينما تتصارع مع القاهرة والخرطوم بسبب سد النهضة الضخم الذي أقامته في موقع قريب من منبع نهر النيل، تعاني على الناحية الأخرى من أزمة "تيغراي" والنزاع الحدودي مع السودان.

ومع أن آبي أحمد حصل على جائزة نوبل للسلام في وقت قصير بسبب السلام الذي أقامه مع إريتريا بعد أن أدهش رؤساء الدول الغربية بخطابه وإصلاحاته الديمقراطية في عام 2018، فإن مصداقية نظامه آخذة في التلاشي في الأوساط الغربية مع اندلاع أزمة تيغراي. 

ويتابع الكاتب: بما أن إثيوبيا تلقت الدعم من دول مثل الصين وروسيا والهند وإريتريا ورواندا وجنوب السودان وكينيا، وتواجه الآن صراعا مع مصر والسودان اللتين تشتركان معها في نهر النيل، فإن هذا يضع تركيا في موقف حرج كفاعل صاعد في القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب أوراكتشي، تستند العلاقات بين تركيا وإثيوبيا (الحبشة سابقا)، إلى ماض عميق. 

فعلى الرغم من أن الإمبراطورية العثمانية خاضت سلسلة من الحروب مع الحبشيين في القرن الـ 16 بعد إنشائها مقاطعة الحبشة في مصوع (إريتريا حاليا)، بدأ عهد من العلاقات الودية بين البلدين في القرن الـ 17، خاصة في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

وقال: أما في عهد الجمهورية فقد حافظت الحكومة التركية على هذه العلاقات. وكانت سفارة أنقرة في أديس أبابا هي المبنى التركي الوحيد الباقي في إفريقيا جنوب الصحراء. 

وفي الواقع، جرت مراسلات ودية بين مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك والإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي. 

غير أن هذه العلاقات شهدت انقطاعا خلال الغزو الإيطالي لإثيوبيا في عام 1936، لتعود بعد ذلك من جديد في عام 1957.

ونظرا لكونها الدولة الإفريقية الوحيدة غير المستعمرة وأنها تشكل مركز الاتحاد الإفريقي وبسبب علاقاتها التاريخية مع تركيا، بدأت أنقرة تنفيذ سياسة "الانفتاح على إفريقيا" في عام 2005 من إثيوبيا. 

وافتتحت وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) مكتبها الأول في القارة السمراء، في العاصمة الإثيوبية.

وتابع الكاتب: كذلك بدأت الخطوط الجوية التركية رحلات من إسطنبول إلى أديس أبابا. 

وأحرزت العلاقات بين البلدين تقدما في العديد من المجالات، لا سيما في الدبلوماسية والتجارة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. 

واليوم، يبلغ حجم التجارة بين تركيا وإثيوبيا حوالي 650 مليون دولار، فيما تبلغ الاستثمارات التركية هناك 2.5 مليار دولار. 

ومن المتوقع أن تأخذ العلاقات الثنائية بعد لقاء أردوغان بآبي أحمد الأخير بعدا جديدا. 

ثلاث أزمات

ويلفت أوراكتشي: تواجه إثيوبيا اليوم ثلاث أزمات كبرى، أولها أزمة سد النهضة الذي تسبب في تصعيد التوتر بين إثيوبيا ومصر والسودان شيئا فشيئا على مدار السنوات العشر الماضية. 

وفيما وصل إليه الأمر، أصبح السد مسألة بقاء بالنسبة للسودان ومصر بما أنه بني عند منبع النيل الأزرق، وإن كانت القضايا المتعلقة بالمدة التي سيستغرقها ملء السد بدلا من وجوده هي محور الخلاف حاليا.

وشرح الكاتب ذلك بالقول: من المعروف أن انخفاض منسوب المياه في نهر النيل قد يترك مصر والسودان في مواجهة مشاكل اقتصادية عميقة، خاصة وأن قسما كبيرا من السكان يعيشون على ضفتي النيل ويعتمد كلا البلدين على النيل للإنتاج الزراعي. 

وعلى الناحية الأخرى تسعى إثيوبيا إلى إيجاد داعمين لأطروحتها في هذه القضية كما تفعل مصر والسودان. 

وفي ظل عدم تمكن الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة من إيجاد حل للأزمة حتى الآن، برزت أهمية تركيا ورأيها في القضية بما أنها حققت مشروعا مهما مثل مشروع جنوب شرق الأناضول (مشروع يقترح بناء سدود ومحطات طاقة كهرومائية وشبكة ري على نهري الفرات ودجلة)، يقول الكاتب.

ويضيف: أما الأزمة الثانية فهي النزاع الحدودي في منطقة "فاشاغا" التي تقع بين إثيوبيا وجارتها السودان. 

إذ تصاعد التوتر بين البلدين مع وصول حل أزمة سد النهضة إلى طريق مسدود، وراح البلدان يحشدان جيوشهم على جانبي الحدود. 

وهنا صرحت إثيوبيا مرارا أنها تقبل بوساطة تركيا التي تتمتع بعلاقات جيدة مع كلا الطرفين. وقد لقيت هذه التصريحات ترحيبا واستحسانا من الجانب السوداني.

أما الثالثة فهي أزمة تيغراي، حيث يتعلق الأمر في أساسه بالتوازنات العرقية داخل البلاد. 

إذ بدأت جبهة تحرير شعب تيغراي تتجه إلى الهامش بسبب خلافاتها مع آبي أحمد، وذلك بعد أن كانت نشطة في إدارة الدولة الإثيوبية كحزب سياسي شرعي حتى عام 2018. 

وبدأ الصراع بعدما أجرت الجبهة انتخابات إقليمية في تيغراي لم تعترف بها الحكومة، وبدأت معها الاشتباكات المسلحة بين الجيش الإثيوبي وقوات الجبهة في شمال البلاد اعتبارا من نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

ووقتها، أعلنت الحكومة "جبهة التحرير الشعبية" منظمة إرهابية تحاول الإطاحة بالنظام الدستوري، لتبدأ معها أزمة إنسانية مروعة وحركة هجرة سريعة إلى السودان في تيغراي التي يعيش فيها حوالي 7 ملايين نسمة. 

ولذلك كانت إحدى الرسائل التي تضمنتها زيارة آبي أحمد لأنقرة تتمثل في أن تعمل تركيا كوسيط بين جبهة تحرير شعب تيغراي والحكومة الإثيوبية. 

وعلى الرغم من أن هذا يبدو اقتراحا جيدا، فإنه من غير المتوقع أن يحدث ذلك من الناحية العملية نظرا للقومية العرقية والبنية الأيديولوجية لجبهة تحرير شعب تيغراي، وفقا لما يراه الكاتب التركي.

ألغام دبلوماسية

ويعتبر أوراكتشي أن توقعات إثيوبيا من تركيا تتجاوز مهمة الوساطة التي فتحت للنقاش بالفعل، إلى الحصول على مساعدة عسكرية في أزمة تيغراي الآخذة في التوسع. 

والواقع أن اتفاقية التعاون العسكري بين البلدين الذي تم التوقيع عليه خلال زيارة آبي أحمد لأنقرة، تهدف إلى تحقيق هذه التوقعات.

ويرى الكاتب أن الخط الممتد من القرن الإفريقي إلى مصر يشبه حقل ألغام دبلوماسية بسبب المشاكل التي جرى تناولها بإيجاز أعلاه. 

وبينما تدفع هذه الأزمات إثيوبيا على الاقتراب من تركيا، فإنها تلزم مصر والسودان على التعامل مع أنقرة.

وينبع ذلك من عدم رغبة مصر والسودان في تطوير إثيوبيا علاقاتها مع تركيا من جانب واحد.

وفي ظل الظروف الحالية، لا يبدو من الممكن لتركيا أن تقدم دعما غير مشروط لإثيوبيا.

 إذ عليها أن تتابع إلى جانب مصر والسودان، الصومال التي نجحت تركيا في ترسيخ نفسها كلاعب مهم فيها منذ عام 2011. 

لذلك، تحاول تركيا صياغة معادلاتها حول إثيوبيا في ضوء التطورات المتعلقة بكل من مصر والسودان والصومال، يقول الكاتب.

ويضيف: من ناحية أخرى تملك تركيا علاقات إستراتيجية مع السودان أيضا. فقد وقعت العديد من الاتفاقيات بينهما بعد عام 2017، مع عزم بمواصلة تلك الشراكة.

 وبالنظر إلى هذا، يبدو أن تولي تركيا دور الوسيط في النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان أكثر احتمالية منه في الأزمات الأخرى، وفقا لتقييم الكاتب.

أما العلاقات مع مصر، فقد أصبح إعادتها على جدول الأعمال أمرا مهما بعد انقطاع طويل.

ويوضح الكاتب أن "الصورة التي حاولنا رسمها أعلاه تجعل من الضروري إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة بين البلدين، خاصة وقد زاد اهتمام مصر والسودان بتركيا بما لا يدع مجالا للشك بعد أن أعطتها إثيوبيا دور الوسيط".

ويختم أوراكتشي مقاله بأن "وضع سياسة بناءة تعنى بجميع أبعاد المشاكل بين هذه البلدان، لا يختلف عن السير في حقل ألغام بالنسبة لتركيا".

 خاصة وأن تعميق العلاقات مع إثيوبيا يوفر فرصة للتقارب مع إريتريا، ما يعني أن تتاح الفرصة أمام تركيا لتصبح اللاعب الرئيس في القرن الإفريقي رغم عرقلة الإمارات والسعودية.

ويضيف محذرا: أزمة سد النهضة والدراما الإنسانية التي خلفتها أزمة تيغراي قد تلقي بظلالها على العلاقات التركية الإثيوبية أيضا. 

إذ تستعد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لتوسيع العقوبات التي فرضتها على عناصر تورطوا في أعمال عنف وجرائم قتل وتعذيب في تيغراي التي عانى فيها 400 شخص من الجوع. 

لذلك، ينبغي عدم تجاهل ذلك أثناء صياغة المعادلات ذات الصلة، يقول الكاتب.