العلاقة بين نظام السيسي وحزب الله.. جسور ممتدة فوق دماء الشعوب

أثير الكثير من الجدل بعد الكشف عن لقاءات استخباراتية بين جهاز المخابرات العامة المصرية، بقيادة اللواء عباس كامل، أحد أبرز وأهم رجال رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، وبين حزب الله اللبناني.
وتناول الطرفان مجموعة من الملفات على رأسها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر، والأزمة الاقتصادية في لبنان، وتطورات الوضع السوري.
عاد التواصل المثير ما بين 10 و12 أغسطس/ آب 2021 عندما أجرى سفير مصر النشط في لبنان ياسر علوي، أول اتصال مع وفيق صفا، مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، ما دلل على انتهاج الدبلوماسية المصرية نهجا جديدا تجاه لبنان ومنطقة الشام.
التواصل المصري مع حزب الله صاحب الأجندة الإيرانية، والمصنف كمنظمة إرهابية من قبل 60 دولة، وأبرز المتورطين في إشعال الحرب السورية، عن طريق دعم نظام بشار الأسد، الذي ارتكب مجازر مروعة، فتح باب التساؤلات عما تريده القاهرة من الحزب الشيعي، وإلى أي مدى تتوافق رؤاهما في القضايا الإقليمية القائمة؟
نهج استباقي
في عددها الصادر نهاية أغسطس/ آب 2021، وصفت مجلة "إنتيليجنس أونلاين" الفرنسية، المعنية بشؤون الاستخبارات، طبيعة العلاقات القائمة بين المخابرات المصرية وحزب الله اللبناني بأنها إستراتيجية جديدة انتهجتها مصر، لم يرسمها اللواء عباس كامل بمفرده.
وبينت أن هذه الإستراتيجية رسمها معه معتز زهران، سفير مصر لدى الولايات المتحدة، وفايزة أبو النجا، مستشارة عبد الفتاح السيسي لشؤون الأمن القومي.
وذكرت المجلة "أن رئيس المخابرات المصرية، أجرى محادثات سرية مع حزب الله، على أمل أن تدعو الحركة الشيعية اللبنانية الفصائل المحاصرة في غزة إلى الهدوء (مع إسرائيل)".
وأوردت أنه ما بين 10 يونيو/ حزيران و12 أغسطس/ آب من العام 2021، تم استقبال مدير مكتب المخابرات العامة المصرية، في معقل حزب الله الكائن في حارة حريك، بالضاحية الجنوبية من بيروت.
وقالت "إن المحادثات مع الجانب المصري التي قادها نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، وهاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي للحزب، وابن عمة والدة زعيم الحزب حسن نصر الله، تناولت الأزمة في لبنان والوضع في سوريا".
لكن علاقات حزب الله مع (حركة المقاومة الإسلامية) حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى كانت في الأساس محور هذا اللقاء الفريد، وفق المجلة.
ومنذ صعود السيسي إلى الحكم عام 2014، عمل على فتح خط اتصال دائم مع حزب الله اللبناني، في علاقة اتسمت بالهدوء، ولم تتأثر بعواصف السياسة، ولا بالتجاذبات بين الحزب الشيعي والمحور السعودي، الذي يعد من أهم داعمي النظام المصري.
علاقات ممتدة
بدأ التواصل بين نظام السيسي وحزب الله، عند قدوم وفد رفيع المستوى من الحزب اللبناني إلى القاهرة، لتقديم العزاء في الكاتب الصحفي المصري، محمد حسنين هيكل، في 22 فبراير/ شباط 2016.
وخلال الزيارة التقى أفراد من الحزب بمسؤولين في المخابرات العامة المصرية، وبحثوا معهم آليات التعاون في عدة ملفات في سوريا والعراق.
وقتها خرج مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب محمد عفيف، وأعلن أن علاقاتهم مع مصر مفتوحة.
علق آنذاك الصحفي المصري وائل قنديل، في لقاء متلفز عبر قناة الجزيرة 24 فبراير/ شباط 2016، قائلا: "إن السيسي يناور دول الخليج، ولا يقيم علاقاته معها على أساس المبادئ، وإنما وفقا للمنح والمساعدات".
وأضاف: "هنا يلتقي مع حزب الله الذي لا يتصرف حاليا كحزب مقاومة، ولكن كمليشيا طائفية"، وأشار إلى أن الطرفين، ومعهما إسرائيل، يحرصان على عدم سقوط نظام بشار الأسد".
وفي 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، نشرت صحيفة اليوم السابع، التابعة للنظام المصري، تصريحات للسيسي، إبان الأزمة بين المملكة العربية السعودية، وحزب الله، حيث سئل عن موقفه، فأكد أنه لن يتخذ أي إجراء ضد الحزب.
وعن إمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران أو حزب الله، قال "أعارض الحرب، ولا نريد إشكاليات أخرى، ولا زيادة التحديات والاضطرابات الموجودة في المنطقة". وأضاف أنه لن يزج بمصر في الأزمة اللبنانية الخليجية.
وفي 6 يناير/ كانون الثاني 2015، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تقريرا تحت عنوان "السيسي يتقارب مع حزب الله".
أكدت الصحيفة أنه على خلفية الصراع ضد تنظيم الدولة، ومد يد السيسي لإنقاذ الأسد في سوريا، حدث للمرة الأولى منذ سنوات تطابق في مصالح ورؤى معينة بين القاهرة ونصر الله.
وذكر: "السيسي ﻻ يتحدث بوضوح عن إسقاط نظام الأسد أو عن تدخل عسكري، بل عن حل سياسي فقط، وهو ما يمنحه نقطة امتياز لدى حزب الله والنظام السوري".
ووصفت الصحيفة العبرية الدبلوماسية الجديدة وانهيار جبل الجليد بين الجانبين، تحت جملة "مصر وحزب الله ينهيان سنوات الجفاء".
رؤى موحدة
شهدت مصر عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، تغيرا في النهج السياسي، حيث قامت دبلوماسية السيسي آنذاك على دعم بشار الأسد صراحة، والتواصل على جميع الخطوط الدبلوماسية والاستخباراتية، وهو ما جاء متفقا مع نهج حزب الله اللبناني.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أدلى السيسي على هامش زيارته للبرتغال، بتصريحات أكد فيها أن "الأولوية الأولى لنا أن ندعم الجيش الوطني في سوريا (قوات الأسد)".
وفي 14 فبراير/ شباط 2017، نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالا للمعلق أرون كيسلر، يتحدث فيه عن العلاقة المتطورة بين مصر وسوريا.
قال كيسلر إن "السيسي هو أحد القادة العرب القلائل الذين لم يخفوا دعمهم الواضح لدمشق، التي علقت الجامعة العربية عضويتها منذ عام 2011".
وتابع أن "مصر أعادت العلاقات مع سوريا بعد الانقلاب على (الرئيس الراحل محمد) مرسي، الذي قام بقطعها، واتخذ موقفا متشددا من نظام بشار الأسد".
ولم تقف الرؤى الموحدة بين النظام المصري، وحزب الله اللبناني، تجاه سوريا على الأعراف الدبلوماسية، أو المساعي الاستخباراتية.
ففي 30 يوليو/ تموز 2020، نقلت وكالة الأناضول التركية (رسمية) عن مصادر خاصة، أن "نظام السيسي أرسل قوات مسلحة مؤخرا إلى ريف حلب ومحيط إدلب شمالي سوريا، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني".
الوكالة كشفت عن وجود نحو 150 جنديا مصريا دخلوا سوريا وقتها عبر مطار حماة العسكري، وانتشروا في ريفي حلب الغربي وإدلب الجنوبي.
وبعد ذلك، تحدثت كثير من التحليلات عن توحد الموقف أيضا في التوجهات العسكرية، واصطفاف الجنود المصريين على الجانب السوري المضطرب.
لا ثوابت
المختص بالعلاقات المصرية العربية الصحفي المصري، محمد يوسف، يرى أنه "منذ اندلاع ثورات الربيع العربي وسقوط الأنظمة العتيقة في الشرق الأوسط تباعا، تميزت العلاقات الدبلوماسية بكونها غير ثابتة، ولا تسير على وتيرة واحدة، فأعداء الأمس أصدقاء اليوم، والعكس صحيح".
وبخصوص العلاقات بين مصر وحزب الله اللبناني، فلا يمكن إغفال أنه كانت هناك قضية أمنية ضد الحزب في مصر زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتم القبض على عناصر موالية له اتهمت في محاولة إحداث تفجيرات بالقاهرة وحكم عليهم بأحكام مشددة، وفق ما قال يوسف لـ"الاستقلال".
واستدرك: "لكن اليوم غير الأمس وحزب الله حاليا جزء من الدولة اللبنانية وشكل الحكومة، وضالع في المعادلة داخليا وخارجيا".
وعند الحديث عن قطاع غزة أو سوريا أو العراق، لا يمكن إسقاط حسن نصر الله وحزبه من الحسابات، وبالتالي من الطبيعي أن تحدث نقاط التقاء، وتعاون استخباراتي، بحسب تقديره.
وتابع: "كون الحزب مصنفا إرهابيا لدى كثير من دول العالم، وفي الخليج والسعودية بالتحديد، فإن ذلك يجعل طبيعة اللقاءات والمباحثات سرية وغير معلنة، وعليها كثير من علامات الاستفهام، خاصة فيما يتعلق بالشأن السوري".
ويعتقد أنه "عاجلا أو آجلا، ستتم مقاضاة الحزب باعتباره طرفا أصيلا في المعركة وارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري، وبالفعل وضع حسن نصر الله وعدد من القادة على لائحة العقوبات الأميركية".
وأضاف أن الدور الآخر الذي تلعبه مصر في القضية الفلسطينية، والمباحثات مع الفصائل هناك داخل قطاع غزة والضفة الغربية، يجعلها تحاول الإمساك بجميع الخيوط وتحديدا علاقة تلك الفصائل بالقوى الخارجية كحزب الله وإيران.
ويوضح أن ذلك الدور المصري يستلزم تنسيقا استخباراتيا حقيقيا، لا تواصل عبر وسطاء.
المصادر
- Egyptian intelligence approaches Hezbollah to protect Gaza ceasefire
- السيسي وحسن نصر الله.. علاقة هادئة لا تهتزّ بالتوترات الإقليمية (تقرير)
- ماذا يريد السيسي وحزب الله من بعضهما؟
- يديعوت: السيسي يتقارب مع حزب الله
- لماذا يتودد حسن نصرالله.. للرئيس السيسى؟
- زيارة "حزب الله" للقاهرة.. التوقيت والدلالات (خبيران)

















