الصومال يدخل نفقا مظلما.. إلى أين تقوده "حرب قرارات" فرماجو وروبلي؟
.jpg)
في محاكاة للأنظمة الانقلابية، يحاول الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو، تجميد عمل رئيس الوزراء محمد حسين روبلي وحكومته، وتمديد رئاسته بلا انتخابات، والاستعانة بأجهزة عسكرية للهيمنة على السلطة، ما يهدد بعودة البلاد لفترة الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الـ20.
فرماجو، الذي انتهت ولايته في 8 فبراير/شباط 2021 قرر في 16 سبتمبر/ أيلول 2021 تجميد وسحب صلاحيات رئيس الوزراء، المنوط به ترتيب عملية الانتقال السياسي، بدعوى أن "قراراته لا تعجبه ومتسرعة".
روبلي، وصف مرسوم الرئيس بأنه "باطل وغير قانوني" واتهمه بـ"الفشل" في قيادة البلاد لانتخابات شفافة ويخالف الدستور، ويسعى لعرقلة انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2021؛ لـ"البقاء في السلطة بلا شرعية".
تجاوزات خطيرة
صراع الرئيس والحكومة وراءه أزمة سياسية مندلعة في البلاد منذ 2020، حين أربك فرماجو المشهد السياسي بإصدار مرسوم مدد به فترة حكمه لمدة عامين وأجل الانتخابات لعام 2023 عقب انتهاء ولايته رسميا.
محاولة فرماجو البقاء في السلطة بدون انتخابات بمرسوم 14 أبريل/نيسان 2021، بعدما فشل في تنظيم الانتخابات التي كانت مقررة نوفمبر/تشرين الثاني 2020، ثم فبراير/شباط 2021، تسببت في "أزمة دستورية خطيرة".
إذ رفضت المعارضة والبرلمان هذا المرسوم والتمديد، ووقعت اشتباكات في العاصمة مقديشو بين مسلحين تابعين للمعارضة والجيش، ما أثار مخاوف عودة البلاد لعقود سابقة من الحرب الأهلية منذ 1991.
واضطر البرلمان الذي وافق على مرسوم الرئيس في البداية للتراجع أيضا، وأصدر في 1 مايو/أيار 2021، قرارا بإجماع أعضائه الـ140، بإلغاء قرار تمديد ولاية الرئيس، وتكليف رئيس الوزراء بالإعداد لإجراء انتخابات جديدة.
كما قرر البرلمان الفيدرالي الذي انتهت ولايته أيضا اعتبارا من ديسمبر/كانون الأول 2020، إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية لمجلس الشيوخ (الغرفة السفلى) في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021.
وقرر أن يسبق انتخاب رئيس الدولة، تعيين رؤساء الأقاليم لأعضاء مجلس النواب (الغرفة العليا)، الذين سينتخبون الرئيس، بين 1 أكتوبر/تشرين الأول و25 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بحسب النظام الانتخابي المعقد غير المباشر.

وبرر الرئيس فرماجو بأن تأجيل الانتخابات "لم يكن رغبة في التمسك بالسلطة"، وإنما لرغبته في إجراء الانتخابات القادمة بنظام "شخص واحد، صوت واحد"، بدلا من الاقتراع العشائري غير المباشر.
لكن تحليلا لموقع "The New Humanitarian" نشر في 20 مايو/أيار 2021 يرى أن "هذا النظام الذي يريده الرئيس هدفه إضعاف المعارضة التي ترغب في النظام العشائري".
المعارضة ترى أن رئاسة فرماجو اتسمت بتجاوزات خطيرة، مثل التدخل بقوة في السياسة الفيدرالية، وتنصيب فارماجو للقادة الداعمين له في ولايات الجنوب الغربي، وجالمودوغ، وهيرشابيل.
وتضم المعارضة رئيسين سابقين هما الشيخ شريف أحمد وحسين شيخ محمود، ورئيس الوزراء الأسبق حسن علي خير، وهم يحظون بدعم عشيرة "الهوية" التي تتخذ من مقديشو مقرا لها.
وانضم إليهم رؤساء ولايتي جوبالاند وبونتلاند في تحالف سياسي جديد، هو "منتدى الإنقاذ الوطني".
صراع الكرسي
هناك توتر في العلاقة بين فرماجو وروبلي منذ عدة أشهر، جراء تأجيل الانتخابات وتولي كليهما منصبه بشكل مؤقت وتنافسهما سويا على من له الحق في تعيين وإقالة المسؤولين.
ونتج عن هذا التنافس، إصدار كل منهما قرارات ألغاها الآخر أو لم يعترف بها، ما أضعف البلاد التي تواجه مأزقا سياسيا ومخاطر انقسام واحتمالات حرب، مع المعاناة من تمرد تقوده "حركة الشباب" المسلحة التي لها صلات بتنظيم "القاعدة".
لم يكن قرار فرماجو بتجميد صلاحيات وقرارات روبلي هو أول خلاف، ففي الأشهر الأخيرة وقعت عدة صدامات بينهما على خلفية إقالات وتعيينات في مناصب أمنية حساسة ورفض كل منهما لقرارات الآخر.
سبق لفرماجو اتخاذ نفس القرار بتجميد صلاحية الحكومة في توقيع اتفاقيات جديدة في 8 أغسطس/آب 2021، ورد رئيس الوزراء أيضا حينئذ رافضا قراره ودعا الوزراء إلى تجاهلها، باعتبار أن مدة ولاية الرئيس انتهت في 8 فبراير/شباط 2021.
وأوضح روبلي أنه "وفقا للمادة 97 البند 1، من الدستور المؤقت، تعود السلطة التنفيذية للدولة إلى مجلس الوزراء، الذي هو أعلى سلطة تنفيذية"، وأنه لحين تأدية رئيس وزراء جديد القسم، سيحتفظ هو وحكومته بمناصبهم.
سبق هذا في 5 سبتمبر/ أيلول 2021 إقالة روبلي رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطنية فهد ياسين، المقرب من الرئيس، بسبب اختفاء الموظفة بالجهاز، إكرام تهليل.
لكن فرماجو، ألغى هذا القرار بدعوى أنه "غير شرعي وغير دستوري"، وعين في 8 سبتمبر/ أيلول 2021 بديلا من اختياره، ورقى "ياسين" المقال لمنصب مستشار الأمن القومي.
نتج عن هذا الصراع بين الرئيس ورئيس الوزراء أزمة سياسية عميقة في البلاد منذ العام 2020.
أطماع فرماجو
وبسبب قرار فرماجو تمديد رئاسته عامين وتأجيل الانتخابات حتى 2023، تطور الاحتقان السياسي، إلى انقسام سياسي وأمني، ومواجهات بين مقاتلين مسلحين تابعين للمعارضة والجيش الحكومي.
حدثت انشقاقات بارزة داخل الشرطة والجيش، وشوهد تبادل إطلاق نار قرب القصر الرئاسي، ما أجبر الرئيس على التراجع عن قرار التمديد تحت ضغط الشارع والشركاء الدوليين.
بعد المواجهات، جرى إبرام اتفاق بين الرئيس ورؤساء الولايات الخمسة برعاية أممية وإفريقية من 15 بندا يوم 17 سبتمبر/أيلول 2020 ينص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
جاء هذا الاتفاق كحائط صد أمام "أطماع" فرماجو الساعي لتمديد فترة حكمه ويخشى خسارة الانتخابات المقبلة.
الآن، ومع تكرار محاولات الرئيس (المنتهية ولايته) تجميد عمل الحكومة والسيطرة على القرار في البلاد، يغامر بإثارة القلاقل مرة أخرى قبل شهر واحد من الانتخابات المقررة أكتوبر/تشرين الأول 2021.

وتخشى المعارضة أن يسعى الرئيس في حالة تجميده عمل رئيس الوزراء والحكومة للانفراد بالقرارات والاتفاقيات الخارجية لتقوية حكمه، وربما التدخل في الانتخابات المقبلة لتعزيز فرص فوزه.
ليست الانتخابات فقط هي المشكلة، ولكن أيضا المسار الكامل لعملية بناء الدولة في الصومال، التي تفككت منذ عام 1991، وجرى لملمتها عام 2012 لكنها لا تزال تعاني الصراعات السياسية والعشائرية والحزبية.
لعب بالنار
في تقرير أصدرته 14 سبتمبر/أيلول 2021 حذرت مجموعة الأزمات الدولية الفرقاء الصوماليين من "اللعب بالنار"، داعية "كل الأطراف إلى احتواء التصعيد".
وقالت المجموعة، وهي منظمة أبحاث: إن "المخاطر كبيرة في أن تنزلق البلاد إلى العنف بينما يواصل الزعيمان جهودهما لتقويض بعضهما البعض".
وشددت على "ضرورة أن يأخذ الجانبان خطوة إلى الوراء"، مضيفة: "بدلا من البحث بشكل مستمر عن أمور خلافية، عليهما أن يركزا على تنظيم الانتخابات التي طال انتظارها".
وأكدت المجموعة أنه: "يتعين على الشركاء الدوليين أن يسموا علنا المعرقلين، وأن يهددوهم بعقوبات إن لم يغيروا نهجهم وأن يعدوا لتدابير تستهدف من يواصلون زعزعة الاستقرار".
من جانبها، حذرت أيضا بعثة الأمم المتحدة في الصومال عبر بيان في 17 سبتمبر/ أيلول 2021، من أن الصراع يمكن أن "يقوض استقرار الصومال ويعرقل العملية الانتخابية".
وأضافت أن "الانقسام والتسييس المستمرين يهددان بتقويض التقدم المهم الذي تم إحرازه"، داعية إياهما إلى إجراء "الانتخابات المؤجلة دون مزيد من التأخير".

وفي اليوم نفسه، أصدر رؤساء الولايات الصومالية الخمس، التي تتمتع باستقلال شبه ذاتي بيانا مشتركا قالوا فيه: إنهم "قلقون" حيال هذا الصراع الدائر في صلب المؤسسات الفدرالية.
وشددوا على أنه "لا يخدم المصلحة العامة ويؤدي إلى انعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي"، ودعوا الزعيمين إلى "حل كل النزاعات من خلال الوساطة واحترام الدستور".
كما دعا رؤساء ولايات جوبالاند وجالمودوغ وهيرشابيل وبونتلاند وولاية جنوب غربي الصومال "اللجان الانتخابية المستقلة إلى تسريع العملية الانتخابية".
تدخلات خارجية
تعتبر التقاطعات والتدخلات الإقليمية والدولية في الشأن الصومالي من أبرز المشاكل التي تواجهها البلاد، وتنعكس على تعقيد مشاكلها الداخلية.
ولم يشهد الصومال استقرارا سياسيا منذ إسقاط حكم الجنرال محمد سياد برى في يناير/كانون الثاني 1991 من القرن الماضي، حيث تبع ذلك انهيار الدولة المركزية، واندلاع الحرب الأهلية التي حولت الصومال لأفقر دول العالم.
منذ ذلك الحين زادت التدخلات الإقليمية والدولية في البلاد بسبب موقعها الإستراتيجي على البحر الأحمر والملاحة العالمية وطرق التجارة والنفط.
وبسبب هذه الفوضى والتدخلات الأجنبية، انفصل الإقليم الشمالي تحت اسم (جمهورية أرض الصومال) في مايو/أيار 1991، كما دخلت بقية الأقاليم والمحافظات في حرب أهلية مريرة.
وزاد الأوضاع اشتعالا، التدخل العسكري الأميركي في أكتوبر/تشرين الأول 1993 والصدام مع قوات الجنرال محمد عيديد.
خرج الأميركان من الصومال ليوكلوا إثيوبيا التدخل نيابة عنهم خلال الأعوام من (2006-2009)، بدعوى مقاومة "حركة الشباب" التي تتبع تنظيم "القاعدة".
دفع موقع الصومال الإستراتيجي الذي يشرف على مضيق باب المندب، المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر، الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها في الصومال للتحكم بحركة النفط القادم من بلدان الخليج، والتصدي لأي توسع روسي بالمنطقة.
كما دفع دولا إقليمية أخرى للتدخل بقوة، كما فعلت الإمارات للسيطرة على موانئ الصومال اقتصاديا، وانعكس هذا على صراعات قوى بين الإمارات وتركيا على النفوذ هناك.
حدثت تدخلات إقليمية أخرى في الصومال من جانب إثيوبيا وكينيا بخلاف أميركا والإمارات وإسرائيل، ما زاد من تعقيد الوضع السياسي، بسبب ترتيب كل قوة خارجية مع أطراف وتيارات داخلية لضمان نفوذها في الصومال.
خريطة القوى
ورغم تمكن الصومال من إرساء مؤسسات الحكم الدائمة عام 2012، إلا أن هذه المؤسسات ظلت تعاني من الضعف والهشاشة بسبب الصراعات القبلية والعشائرية، والتنافس الإقليمي والدولي على أرضه.
وانعكس هذا على خلافات متكررة بين أقطاب الحكم كالرئيس ورئيس الوزراء، ورئيس البرلمان، وبين رئيس الحكومة وبين وزرائه، وبين البرلمان والرئاسة، وبين الحكومة والمعارضة، وبين الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم.
وتداخلت الخلافات السياسية الداخلية وتقاطعت مع نفوذ القوى الإقليمية والدولية، وظهر هذا في مناسبات مختلفة، منها طرد فرماجو، السفير الكيني في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 وقطع العلاقات في الشهر التالي، لاتهامه بالتدخل في انتخابات ولاية جوبالاند، التي تتنازع مع كينيا على ملكية احتياطيات النفط والغاز قبالة ساحل الولاية.
وأيضا رفض الحكومة الاتحادية بمقديشو في مارس/آذار 2018، اتفاقية ثلاثية وقعتها حكومة "أرض الصومال" المنفصلة مع إثيوبيا، و"موانئ دبي العالمية" (حكومية إماراتية) لتطوير ميناء بربرة باعتبارها "انتهاكا لسيادة البلاد".
ودعم الصومال علاقته مع تركيا، التي افتتحت في سبتمبر/أيلول 2017، قاعدة عسكرية كبيرة جنوب مقديشو، تعد أكبر معسكر تركي للتدريب العسكري خارج تركيا.
الهدف الرئيس من إقامة هذه القاعدة هو المساعدة في إنشاء جيش صومالي قوي قادر على مواجهة حركة "الشباب" وغيرها من الجماعات المسلحة.
وهناك روابط دينية وتاريخية بين تركيا والصومال منذ دخول العثمانيين لمقديشو في القرن الـ16 للدفاع عنها ضد الطموحات الإمبراطورية البرتغالية.
ومع تصاعد أزمة سد النهضة، عادت مصر لتعزيز نفوذها في الصومال ودول إفريقية وتوسيع نفوذها بالمنطقة، في إطار حماية مصالحها وحقوقها في مياه النيل.
وفي إطار جهودها لكسب المزيد من الدعم من دول المنطقة، استضافت مصر في أغسطس/آب 2021، رئيس الوزراء الصومالي بناء على دعوة من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية.

وقال طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لموقع "المونيتور" 21 أغسطس/آب 2021: إن استضافة المسؤول الصومالي له علاقة بالأهمية القصوى للقرن الإفريقي بالنسبة لمصر خاصة تلك المطلة على البحر الأحمر.
وفي إشارة للقاعدة العسكرية التركية في الصومال، قال فهمي: إن "ما يقلق مصر هو استضافة الدول التي تعاني من الاضطرابات لبعض القواعد العسكرية الأجنبية".
جدير بالذكر أن تركيبة القوى السياسية في الصومال تستند إلى القبلية والعشائرية والمناطقية لا الأحزاب السياسية، إلا أن هذا لم يمنع من ظهور أفكار وأيديولوجيات خاصة خلال الانتخابات وصياغة مشروعات سياسية.
وبحسب آخر انتخابات جرت في البلاد عام 2017، برزت ثلاثة تكتلات سياسية في البرلمان الصومالي، أولها: الإسلاميون (الإخوان المسلمون والتيار السلفي وجماعة آل الشيخ المنافسة للإخوان).
وثانيها: المؤيدون لرؤساء الولايات الحكومية، وثالثها: التيار المستقل ويضم شبابا وشيوخا مؤهلين يحملون الدرجات العلمية ولديهم وجود في الشارع.
وأبرز التيارات في الصومال هي، "الإسلامي" بتشعباته المختلفة، وتيار الرئيس الحالي فرماجو المتمثل في حزب العدالة والمساواة الصومالي (tayo party)، وتيار الرئيس السابق حسن شيخ والمتحالفين معه داخل البرلمان من الإسلاميين.
المصادر
- Somalia’s Politicians Play with Fire – Again
- Back from the brink? Somalia’s political crisis explained
- Somalia’s election impasse: A crisis of state building
- الأحزاب السياسية في الصومال: تجليات الواقع ورهانات المستقبل
- Egypt pledges support to Somalia, eyeing Horn of Africa influence
- الصومال.. هل ستنهي الانتخابات الانقسام السياسي وتبعد شبح الحرب؟


















