سفير فرنسا الجديد في الجزائر.. هل ينهي حالة البرود الدبلوماسي؟
.jpg)
قرر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 9 يونيو/ حزيران 2020، تعيين فرانسوا غوييت سفيرا جديدا لبلاده في الجزائر، خلفا للسفير إكزافييه دريانكور، الذي سيحال إلى التقاعد.
يعتبر هذا الإجراء أول تغيير يتخذه ماكرون على الصعيد الدبلوماسي، إثر اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، في 3 يونيو/حزيران 2020، وبعد توتر شاب العلاقات مع الجزائر مؤخرا.
منذ ما يزيد عن عام، وهناك توتر دبلوماسي يخيم على العلاقات الجزائرية - الفرنسية بسبب ما يعتبره الجزائريون حملات إعلامية فرنسية "مسيئة وغير بريئة "تستهدف بلادهم، وخاصة ما يشهده من تحول سياسي.
لطالما شكلت ملفات الذاكرة المرتبطة بالحقبة الاستعمارية الفرنسية للجزائر (1830 – 1962) نقطة الخلاف بين البلدين، غير أن مستجدات المشهد السياسي الجزائري منذ اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير/ شباط 2019، باتت أساس الفتور والتوتر الشديد في العلاقات بين البلدين.
الوضع الإقليمي المتغير يحتم على فرنسا كما يرى متابعون، محاولة استعادة دورها الذي تقلص ما بعد ثورات الربيع العربي، وتدخل قوى إقليمية أخرى على غرار تركيا وروسيا في الملعب الليبي المتحرك.

المكالمة الهاتفية
المكالمة الهاتفية جاءت في أعقاب توتر غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، وصل حد استدعاء السفير الجزائري في باريس من أجل التشاور، وهي خطوة متقدمة لم يسبق للجزائر أن قامت بها من قبل، وذلك في أعقاب بث قناة حكومية فرنسية لفيلم وثائقي تناول الحراك الشعبي والشباب، وهو الفيلم الذي أثار حفيظة السلطات الجزائرية.
يبدو هذا التغيير الذي طرأ على رأس الدبلوماسية الفرنسية في الجزائر، محاولة لتجاوز الخلافات القديمة وسعيا من فرنسا التي خسرت نفوذها الإستراتيجي في منطقة المغرب العربي خاصة مع تطور الأحداث الجارية في ليبيا على غير رغبة الفرنسيين.
اتصال ماكرون مع تبون، شمل أيضا استعراض "العلاقات الثنائية واتفقا بشأنها على إعطائها دفع طموح على أسس دائمة تضمن المصلحة المشتركة المتبادلة، والاحترام الكامل لخصوصية وسيادة كلا البلدين"، حسبما، نقلت وكالة الأنباء الجزائرية.
تم أيضا الاتفاق على "تجاوز الخلافات ودفع العلاقات الثنائية، موازاة مع تأكيدهما على التنسيق من أجل بسط الأمن والاستقرار في ليبيا ومنطقة الساحل".
الوزير المستشار والناطق باسم الرئاسة الجزائرية بلعيد محند أوسعيد قال: إن المكالمة الهاتفية بين تبون وماكرون "سمحت بتوضيح الكثير من الأمور"، وأشار إلى أن رئيس الجمهورية "يكن كل الاحترام للرئيس ماكرون، لأن له نوايا طيبة في تحسين العلاقات مع الجزائر".
وأضاف محند أوسعيد خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الجزائرية: "هناك لوبيات معروفة تعمل على تعكير صفو العلاقات بين البلدين. لوبيات مصالح مرتبطة ربما بأطراف في المنطقة (في إشارة للمغرب كما يبدو)، وهناك لوبيات أيديولوجية تحمل حقدا تاريخيا للجزائر، لم تهضم استقلال الجزائر"، معتبرا أن هذه اللوبيات "تضر بمصلحة فرنسا أكثر ما تضر بمصلحة الجزائر".

سفير جديد
السفير الفرنسي في الجزائر، منصب ذو حساسية عالية بسبب العلاقات التاريخية بين البلدين واستعمار فرنسا للجزائر على مدى 132 عاما.
وسائل إعلام جزائرية من بينها موقع "آخر الأخبار عن الجزائر" ومجلة "تشالنج" الاقتصادية الفرنسية، كشفت أن سفير فرنسا حاليا في المملكة العربية السعودية، فرانسوا غوييت، هو من سيخلف كزافييه درينكور في الجزائر بعد بلوغه سن التقاعد.
باريس كانت تبحث منذ فترة عن كيفية تجاوز فترة البرود الدبلوماسي مع الجزائر، ويبدو أن الاختيار وقع على السفير المحنك فرانسوا غوييت الذي يعمل منذ 2016 في الرياض، وعمل من قبل 4 أعوام كسفير لفرنسا في تونس، بعد أن شغل نفس المنصب لثلاثة أعوام في ليبيا، وقبلها في الإمارات.
غوييت يتحدث اللغة العربية بطلاقة، وعمل مستشارا للسفارة الفرنسية في دمشق، ونيقوسيا وكان على علاقة جيدة مع الصحفيين الفرنسيين والعرب في باريس عندما شغل منصب نائب مدير عام المكلف بالإعلام بداية التسعينيات.
يبدو أن أحد أسباب اختيار، غوييت هو ارتباطه بالفنانة حليمة غوييت، الفرنسية من أصول جزائرية والتي ساعدت كثيرا في تونس للتقارب بين عالم الثقافة والفن والمجتمع المدني مع السفارة الفرنسية.
كان غوييت قد توجه إلى تونس في فترة حرجة لخلافة السفير الفرنسي بوريس بوايون، الذي كانت له علاقات متشنجة مع السلطات التونسية وكان مقربا من الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.
حالة نادرة
قبل أيام من إعلان ماكرون عن تعيين السفير الجديد في الجزائر، قال موقع "أفريكا إنتيليجانس": إن أيام السفير الحالي كزافييه دريانكور باتت معدودة، مشيرا إلى أن الجزائر أبلغت باريس بأن دريانكور بات شخصا غير مرغوب فيه، وأنه أحد أسباب توتر العلاقات الثنائية، مع أنه شغل المنصب مرتين في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة و"كان محبوبا كثيرا آنذاك".
عين دريانكور صيف 2017 سفيرا لبلاده في الجزائر، بعد أشهر من تولي إيمانويل ماكرون سدة الرئاسة في قصر الإليزيه، وهي حالة نادرة أن يعود سفير إلى منصب نقل منه في مدة لم تتجاوز الثلاث سنوات.
لم يكن السفير الفرنسي محظوظا في رحلته الثانية إلى الجزائر، التي عاشت على وقع أحداث متسارعة، تجسدت في السنة الثانية من مهمته، في الجدل الذي أثاره مشروع العهدة الخامسة لبوتفليقة، والذي انتهى بانفجار الشارع في 22 فبراير/شباط 2019، والإطاحة ببوتفليقة في 2 أبريل /نيسان 2019، واعتقال محيطه من السياسيين ورجال المال والأعمال النافذين والمنتفعين.
الإعلام الفرنسي، يقدم السفير كزافييه دريانكور على أنه صديق لعائلة الرئيس السابق وبعض الوجوه المقربة من النظام السابق، ما جعله في دائرة الشبهة لدى السلطة الجديدة.
وسائل إعلام محلية ذكرت حينها أن "اجتماعات مشبوهة" كانت تنتظم برعاية ومباركة من السفارة الفرنسية في الجزائر، الأمر الذي زاد من حدة الضغط على دريانكور، إلى الحد الذي حال دون قيامه بمهمته كما يجب.
ويرى مراقبون أن الجمود الذي يطبع العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ سقوط نظام "العصابة" كما يحلو للبعض تسميته، وتوجس الطرف الجزائري من تنسيق غير ظاهر بين رموز النظام السابق والسفير الفرنسي، خلف حالة من الحذر المفرط لدى الدبلوماسي الفرنسي، بشكل حد من نشاطه، في وقت كان يتعين عليه أن يبذل جهودا أكبر لتنوير سلطات بلاده، بما يجري خلف الجدران، في بلد ليس كغيره من البلدان بالنسبة للمستعمرة السابقة للجزائر.
تسريبات تحدثت عن طلب دريانكور من ماكرون إعفاءه من منصبه، وبررت الرسالة التي تداولها الإعلام الجزائري، الطلب بـ"الصعوبات التي أصبح يواجهها دريانكور، في أداء مهمته الدبلوماسية، بسبب الرقابة الشديدة التي سلطت عليه من قبل السلطات الجزائرية، بسبب شبهات حول لقاءات سرية جمعته ببعض رموز العصابة وجهات فرنسية".
استدعاءات متكررة
خلال شهرين، استدعت الجزائر دريانكور، مرتين، قبل أن تستدعي سفيرها لدى باريس، صالح البديوي، للتشاور.
نهاية مارس/ آذار 2020، استدعت الخارجية الجزائرية دريانكور، وأبلغته احتجاجها الشديد على استضافة قناة "فرانس 24" (حكومية) محللا زعم أن الجيش الجزائري حَوَّلَ مساعدات لمواجهة فيروس كورونا قادمة من الصين، إلى مستشفى عسكري في العاصمة الجزائر.
ومنتصف مايو/أيار 2020، ذكرت صحيفة "لوبينيون" الفرنسية أن الخارجية الجزائرية استدعت السفير الفرنسي (لم تحدد تاريخا)، للاحتجاج على صورة نشرتها قيادة الجيش الفرنسي على حسابها بتويتر، تمس بالوحدة الترابية والوطنية للجزائر، بعد نشر علم الأمازيغ بجانب علم الجزائر، قبل أن يتم حذفها لاحقا.
وأعلنت الجزائر، في 27 مايو/أيار 2020، استدعاء سفيرها في باريس صالح البديوي، للتشاور، احتجاجا على بث قناة حكومية فرنسية فيلما وثائقيا حول الحراك الشعبي أثار غضبا لدى الشارع الجزائري.
وقالت الخارجية الجزائرية، في بيان: إن استدعاء سفيرها يأتي "على خلفية بث بعض القنوات العمومية (الحكومية) الفرنسية برامج هاجمت فيها الشعب الجزائري ومؤسساته".
"الجزائر الجديدة"
كان أول مظاهر التدخل الفرنسي في بداية الحراك حينما دعا ماكرون إلى "فترة انتقالية لمدة معقولة"، إلى جانب إظهاره الدعم والتأييد لمواقف بوتفليقة، قبل أن يعلن الأخير استقالته في 2 أبريل/نيسان 2019.
لكن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان سارع لاحقا إلى استدراك الموقف قائلا: إن بلاده "تتابع من كثب الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الجزائر، لكن الأمر يرجع إلى الجزائريين في تحديد مستقبلهم".
وأضاف: "علينا أن ندع العملية الانتخابية تتقدم، وفرنسا تتابع الأمر باهتمام، نظرا إلى الروابط التاريخية بيننا".
وتواصل مسلسل التدارك وفي خطابه بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، خصص السفير الفرنسي في الجزائر، جزءا منه، للكلام عن "الجزائر الجديدة" التي تختلف تماما عن تلك التي يعرفها منذ 6 سنوات وأكثر، قائلا: إنه "ومنذ 22 فبراير/شباط 2109، وحتى اليوم تفاجأ كغيره من سفراء الدول، بهذه الثورة التي تطالب بالتغيير".
دريانكور وفي مقطع من الخطاب، انتشر كثيرا، قال: "مهما كان المستقبل الذي تكتبونه (الجزائريون) فإن شيئا واحدا لن يتغير وسيبقى، وهو العلاقة ما بين فرنسا والجزائر".
المصادر
- فرانسوا غوييت ، هل سيكون السفير المقبل لفرنسا في الجزائر؟
- السفير الفرنسي في الجزائر : “برنار باجولي تحدث بصفة شخصية”
- السفير الفرنسي: “نريد الحفاظ على مكانة اللغة الفرنسية في الجزائر”
- السفير الفرنسي: “فرنسا ليست لديها أي إرادة للتدخل في شؤون الجزائر وشعبها”
- الجزائر تستدعي السفير الفرنسي بسبب صورة نشرها الجيش الفرنسي على “تويتر”ـ (شاهد)
- أيام السفير الفرنسي في الجزائر “باتت معدودة”
- هل فشل السفير الفرنسي بالجزائر في مهمته؟

















