واشنطن تهدد.. ماذا وراء الهجوم المتكرر على محيط مطار بغداد؟

تزامنا مع انطلاق المظاهرات الشعبية، توالت الهجمات الصاروخية التي استهدفت قواعد عسكرية تؤوي جنودا أمريكيين أو بعثات دبلوماسية أمريكية في العراق، بما في ذلك سفارة الولايات المتحدة الموجودة في المنطقة الخضراء (شديدة التحصين) بالعاصمة بغداد.
ومنذ 28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تعرضت المصالح الأمريكي إلى 10 هجمات صاروخية، لكن الهجوم الذي وقع بمحيط مطار بغداد الدولي في 9 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، وآخر بعده بيومين، أغضب واشنطن ودفعها إلى تهدد إيران بأنها سترد بشكل "حاسم" إذا تعرض حلفاؤها ومصالحها للأذى في العراق.
مطار بغداد
الهجومان الأخيران على محيط مطار بغداد الدولي، استهدفا مقرا أمنيا لقوات مكافحة الإرهاب التي تعتبر قوات النخبة في العراق، والتي تتلقى تدريباتها وتسليحها من الولايات المتحدة.
الهجوم الثاني لم ينتج عنه أية أضرار تذكر، لكن الأول، تسبب بإصابة 6 جنود بجروح جراء سقوط 4 صواريخ، جميعهم من قوات مكافحة الإرهاب، اثنان منهم حالتهم حرجة.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية عراقية، إنها تعتقد أن "كتائب حزب الله"، إحدى أبرز فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران والمدرجة على القائمة السوداء في الولايات المتحدة، تقف وراء تلك الهجمات.
القاعدة التي استهدفتها الصواريخ، تؤوي جنودا ودبلوماسيين أمريكيين، إضافة إلى قوات جهاز مكافحة الإرهاب، لكن مليشيات موالية لإيران تعتقد أن فيها محطة مشتركة لجهازي الـ"سي آي إيه" الأمريكي، والموساد الإسرائيلي.
في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، اتهم زعيم مليشيا "عصائب أهل الحق" الموالية لإيران، إسرائيل وأمريكا ودول خليجية بالتآمر على العراق والوقوف وراء المظاهرات المندلعة منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وادعى أن المحطة المشتركة لـ"سي آي إيه" و"الموساد" موجودة في مطار بغداد الدولي.
"مكافحة الإرهاب"
إصرار الجهات التي يعتقد أنها مليشيات موالية لإيران وتابعة للحشد الشعبي، على استهداف مقر قوات "مكافحة الإرهاب" يعود للحالة التي يمر بها العراق في ظل الاحتجاجات القائمة.
مصادر سياسية قريبة من تحالف "البناء" الذي يضم غالبية القوى الشيعية القريبة من إيران، قالت لـ"الاستقلال": "الأحزاب والقوى الموالية لإيران، تعتقد أن جهاز مكافحة الإرهاب يجري تهيئته أمريكيا ليقوم بانقلاب عسكري على النظام السياسي القائم حاليا".
وأوضحت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها أن "التحركات ضد جهاز مكافحة الإرهاب من القوى الشيعية الموالية لإيران، بدأت قبل انطلاق المظاهرات مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما أقال رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي، قائد قوات الجهاز الفريق عبدالوهاب الساعدي".
وأشارت إلى أن "الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، تتهم الساعدي بالتواصل مع سفارات أجنبية، وهذا ما أعلنه رئيس الحكومة المستقيل عبدالمهدي بنفسه، حين قال لا يجوز لضابط عسكري التواصل مع سفارات أجنبية، عندما سئل عن أسباب إقالة الساعدي".
وأكدت المصادر، أنه "حتى بعد إقالة الجنرال الساعدي، لا تزال هذه القوى السياسية، تنظر إلى جهاز مكافحة الإرهاب بعين الريبة، لأنه يدرب ويسلح من الولايات المتحدة الأمريكية حصرا".
توعد واشنطن
لم تمر الهجمات التي شُنت ضد المعسكرات المحيطة بمطار بغداد الدولي، دون تصريحات أمريكية هذه المرة، بل تعدتها إلى لغة تهديد واضحة، توعدت من خلالها بـ"رد حاسم" ضد وكلاء إيران بالعراق إذا تكررت الهجمات.
وقال وزير الخارجية الأمريكي مايكل بومبيو في تغريدة على تويتر: "يتعين علينا... اغتنام هذه الفرصة لتذكير قادة إيران بأن أي هجمات من جانبهم أو من ينوب عنهم من أي هوية، تلحق أضرارا بالأمريكيين أو حلفائنا أو مصالحنا، فسيتم الرد عليها بشكل حاسم".
وقبل ذلك، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول عسكري أمريكي، قوله: إن الهجمات التي تشنها فصائل مسلحة مدعومة من إيران على قواعد عسكرية تستضيف قوات أمريكية في العراق تتزايد، وتصبح أكثر تعقيدا ما يدفع بكل الأطراف نحو تصعيد خارج نطاق السيطرة.
وأوضح المسؤول أن الهجمات تُعّرض قدرة التحالف على محاربة مقاتلي التنظيم المتشدد للخطر، الأمر الذي يعيد تسليط الضوء على الدور الخبيث لإيران في المنطقة.
وقال المسؤول: الذي تحدث شريطة عدم نشر اسمه لـ"رويترز"، "اعتدنا على النيران المزعجة. لكن وتيرة (ذلك) كانت تأتي عرضا (في السابق).. أما الآن فإن معدل التعقيد يتزايد، كما أن كمية الصواريخ التي يتم إطلاقها في الوابل الواحد تزيد، وهو أمر مقلق جدا لنا".
وأضاف: "هناك نقطة ستُحدث أفعالهم عندها تغيرا على الأرض وتجعل من المرجح أكثر أن تتسبب بعض الأفعال والخيارات الأخرى التي يتخذها البعض، سواء كان هم أو نحن، في تصعيد غير مقصود".
الخط الأحمر
وأردف المسؤول العسكري الأمريكي أن الفصائل التي تسلحها إيران تقترب من الخط الأحمر، الذي ترد عنده قوات التحالف بالقوة وعندها "لن تكون النتيجة محببة لأحد".
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن أي من تلك الهجمات. ومع ذلك قال المسؤول الأمريكي: إن تحليلات المخابرات وخبراء الطب الشرعي للصواريخ وقاذفات الصواريخ أشارت إلى فصائل شيعية مسلحة مدعومة من إيران، لا سيما "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق".
وتنضوي معظم الفصائل الشيعية العراقية المسلحة تحت لواء قوات الحشد الشعبي، وهي مظلة لها حلفاء في البرلمان والحكومة. ومع أنها قوات تتبع نظريا رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي فإن لها هيكل قيادة خاص خارج الجيش.
وأوضح المسؤول العسكري أن بغداد لم تتخذ إجراء تجاه هذه الهجمات. وقال: "الأمر مقلق جدا بالنسبة لي.. من المقبول أن نكون هدفا لهجمات من عناصر يُفترض أنها تحت إمرة الحكومة العراقية كجزء من قواتها الأمنية".
وتابع: "فصائل مسلحة استخدمت شاحنة معدلة لإطلاق 17 صاروخا على قاعدة القيارة العسكرية جنوبي الموصل في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي".
وأضاف أن الهجوم لم يتسبب في خسائر جسيمة أو فقد أرواح لكن تم اتباع هذا الأسلوب في هجمات على قاعدتي بلد وعين الأسد الجويتين، الأسبوع الماضي، باستخدام صواريخ كبيرة، بما يكفي للتسبب في ضرر بالغ بالمجمعات السكنية ومدارج الطائرات في عين الأسد.
المواجهة المفتوحة
مليشيا "النجباء" التي يتزعمها المقرب من إيران أكرم الكعبي، وإحدى الجهتين اللتين أشارت إليهما الولايات المتحدة بأصابع الاتهام، كانت قد حذرت واشنطن من "استغلال" الأوضاع التي يمر بها العراق لاستهداف مواقع الحشد الشعبي، وأنها مستعدة لـ"كل الاحتمالات".
وقال نصر الشمري، نائب الأمين العام للحركة، في تصريحات صحفية: إن "استهداف الوجود الأمريكي غير الشرعي في العراق شرف لن ندعيه وتهمة لا ننكرها".
وتوعد نائب قائد "النجباء" بأن "اختيار الأمريكيين الذهاب إلى المواجهة المفتوحة لن يكون بمصلحتهم ومصلحة وجودهم إطلاقا، ونحن جاهزون لكل الاحتمالات"، لافتا إلى أن "الطائرات التي استهدفت مواقع الحشد الشعبي، سابقا، كانت أمريكية وأخرى صهيونية وباتفاق مع واشنطن".
وأشار الشمري إلى "احتمالية استغلال الأوضاع الحالية التي يمر بها العراق لتكرار استهداف مواقع الحشد بواسطة طائرات مسيرة".
وفي حديثها لـ"الاستقلال" أكدت المصادر السياسية ذاتها، أن "تحذيرات بومبيو الأخيرة ضد إيران، تعتبر خطيرة للغاية، وأن الأمور قد تذهب إلى تصعيد مع الولايات المتحدة تسعى إليه إيران في العراق".
















