المحادثات السرية بين السعودية والحوثيين.. إلى أين ستفضي؟

في تحول دراماتيكي هو الأهم والأحدث في مسار الأزمة باليمن، كشفت تسريبات عن زيارة يقوم بها وفد حوثي للمملكة العربية السعودية، للتباحث حول إيقاف الحرب في اليمن.
التسريبات التي نقلتها قناة بلقيس اليمنية، كشفت: أن الوفد الذي يمثل الحوثيين يضم 8 شخصيات هم عضو المجلس السياسي الأعلى لجماعة الحوثي حسين العزي، ووزير العدل السابق إسماعيل الوزير.
بالإضافة إلى القيادي السابق في حزب المؤتمر أحمد الكحلاني، ومساعد الأمين العام للأمم المتحدة أمة العليم السوسوة، وفضل أبوطالب، وزيد الذاري، وعلي الكحلاني ورضية راوية.
حسب التسريبات: فإن الوفد الحوثي الذي يقيم في فندق ريتز كارلتون بالرياض، التقى نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، المسؤول عن ملف اليمن، كما التقى رئيس جهاز الاستخبارات خالد الحميدان ورئيس اللجنة الخاصة محمد القحطاني.
كما التقى الوفد الحوثي نائب رئيس الجمهورية في الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا علي محسن الأحمر، ورئيس الوزراء معين عبدالملك، وهو اللقاء الأول الذي حصل بهذا المستوى منذ بدء الحرب.
وحسب المصادر ذاتها التي حضرت جانبا من تلك اللقاءات: فإن المباحثات السرية تناولت بنودا أهمها:
- عرض الجانب السعودي على الحوثيين دعمهم بشكل سخي، مقابل قطع علاقتهم مع طهران بشكل نهائي.
- تتوقف المملكة عن شن غاراتها الجوية على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وعدم استهداف قيادات حوثية، مقابل قيام الحوثيين بتأمين الحدود السعودية، وإيقاف هجماتهم على المنشآت بالطائرات المسيرة.
- اتفق الطرفان على ضرورة إزاحة الرئيس هادي، باعتباره عبئا على الجميع، وطي صفحته، والتوافق على شكل السلطة المقبلة.
- تعهدت المملكة بدعم تأسيس جامعة الإمام الهادي التي ستتبنى تدريس المذهب الزيدي.
طريق مسدود
يبدو أن السعودية وصلت لطريق مسدود بشأن حسم الحرب عسكريا، وهو الأمر الذي ظلت تردده منذ إعلانها شن عملية عاصفة الحزم في اليمن، كما تكشف تفاصيل المباحثات عن بداية تشكل واقع سياسي جديد، تزامن مع اتفاقية الرياض التي وقعت بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا.
كما قرأ مراقبون تلك المباحثات كإشارة على فشل التحالف في تحقيق أهدافه منذ تدخله في اليمن، وشعور المملكة بالورطة التي وقعت فيها، حيث تم استنزاف اقتصادها دون القدرة على تحقيق أهدافها، ودون القدرة أيضا على صد عدد من الهجمات التي يشنها الحوثيون عبر الطائرات المسيرة.
صحيفة وول ستريت جورنال أشارت لذلك بقولها: "الخيار العسكري الذي شنه التحالف لم يعُد قابلا للتطبيق"، في إشارة إلى فشل تحالف (الرياض ـ أبوظبي) في تحقيق أهدافه، ضمن عملية عاصفة الحزم التي أطلقها في 26 مارس/آذار 2015
تأتي تلك المباحثات بالتزامن مع زيارة غير معلنة يقوم بها نائب وزير الدفاع خالد بن سلمان إلى سلطنة عمان، حيث التقى سلطان عمان قابوس بن سعيد، وأجرى مباحثات مع وزير دفاع سلطنة عمان بدر البورسعيدي، حول الملف اليمني وسبل إنهاء الحرب.
غداة لقاء السلطان قابوس بن سعيد ونائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، نشرت الخارجية العمانية على حسابها بتويتر، بيانا قالت فيه: إن مسقط ترحب بجهود السعودية في التوصل إلى اتفاق الرياض بين بعض الأطراف اليمني، وإنها تأمل في أن تتوصل الأطراف إلى تسوية شاملة تنهي الأزمة اليمنية.

تمكين الحوثيين
بنود المحادثات أشارت إلى تمكين الحوثيين من خلال دعمهم سياسيا وماليا، وتمكينهم فكريا من خلال تأسيس جامعة تحمل اسم الإمام الهادي، ما يكشف عن تخبط واضح لدى النظام السعودي في التعامل مع طائفة يفترض أن تعمل المملكة على الحد من انتشارها وانتشار أفكارها، التي تمثل قنبلة موقوتة تهدد النظام السعودي وجوديا، غير أنه يبدو أن السعودية تريد الخروج من الحرب بأي صورة وبأي ثمن، بعد أن انعدمت خياراتها، وأدركت حجم الورطة التي وقعت بها.
الكاتب والمحلل السياسي ياسين التميمي قال لـ"الاستقلال": "يبدو أن الرياض باتت تلح على إنهاء معركتها مع إيران والتوصل إلى حسم نهائي للحرب، مدفوعة بالتبعات السيئة لسياساتها الكارثية في اليمن طيلة الفترة الماضية، وذلك عبر إجراء عملية الفصل القسري للحوثيين عن إيران، والتي لن تؤدي سوى إلى تمكين الحوثيين من المكاسب السياسية والعسكرية التي سترتد حمما وأذى على الداخل السعودي قبل الداخل اليمني في المدى القريب والبعيد".
يضيف التميمي: "إن صحت هذه المعلومات فمن حقنا أن نتساءل بشأن الاستهتار الذي تبديه القيادة السعودية الحالية بسلطة تمثل الغالبية العظمى من اليمنيين، وأن نذكرها بأن أي تسوية للحرب في اليمن على أساس التسليم لجماعة إيران فليس إلا هزيمة منكرة سيسجلها التاريخ على المملكة التي تمادت في العبث بالإمكانيات المتاحة للانتصار لنفسها ولجيرانها".
ويتابع التميمي: "تلك الصيغة من المباحثات تكرس الفكرة القائلة بأن الحوثيين أقلية ثقافية خاصة في اليمن، وهو توصيف غير دقيق، لأن الزيدية حركة سلطوية في الأساس وتقوم على مبدأ احتكار الدولة بكل سلطاتها على أساس سلالي، والتعامل مع جمهور المسلمين على أنهم إما أشياع أو كفار تأويل، والصفة الأخيرة تنطبق على معظم سكان اليمن من المسلمين السنة".
التميمي أضاف: "مما أسفر عن نقاط البحث هو ذهاب السعودية نحو دعم النشاط الدعوي الزيدي المعتدل في اليمن، وهو الفخ نفسه الذي وقع فيه الحوثيون عبر صلح دعان عام 1911، رغم أن ذلك يتفق مع توجه الرياض نحو إعادة إنتاج دين جديد مهادن ومسالم وغير متوتر يطلق عليه الإسلام الوسطي، وذلك عبر دعم إنشاء جامعة باسم الإمام الهادي مؤسس الإمامة الزيدية في اليمن".

قطع العلاقة
ضمن الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة في اليمن، فإن جهودا دولية تقودها عدة أطراف من أجل دفع الحوثيين لقطع علاقتهم مع طهران، وكان السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون قد صرح مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري في حوار له مع الشرق الأوسط قائلا: أعتقد أنه ينبغي أن ينظر الحوثيون إلى وضعهم في اليمن وبين اليمنيين، وفي شبه الجزيرة العربية إلى جانب جيرانهم؛ وفي مقدمتهم السعودية، وهي الجار الأكبر والأهم.
آرون أضاف: "نحن في المملكة المتحدة، نرى أن دور إيران في اليمن غير مناسب. يلعبون دورا سلبيا، ويزوّدون الحوثيين بالأسلحة، ما يُطيل أمد النزاع. نود أن نرى نهاية الدعم العسكري الإيراني للحوثيين، لتسهيل إنهاء النزاع".
وتابع آرون: "أعتقد أن علاقة الحوثيين بالسعودية كانت جيدة عبر التاريخ. كانت علاقتهم جيدة في الماضي (في إشارة لعلاقة السعودية بأسرة آل حميد الدين، الذي حكمت اليمن، وتنتمي لنفس سلالة الحوثيين، حيث قامت السعودية، عقب الثورة اليمنية، بدعم أسرة حميد الدين والملكيين الموالين لهم ضد الجمهوريين في عقد الستينيات والسبعينيات عقب قيام الثورة اليمنية عام 1962).
وقال: "ويمكن أن تصبح (العلاقة) جيدة مرة أخرى. ونعتقد أن ذلك سيصب في مصلحة اليمن والحوثيين والسعودية. وإن أصبحت هذه العلاقة جيدة، فلماذا يحتاج الحوثيون إيران؟ لأنهم إذا أرادوا التعاون والدعم لاحقا، فسيتوجهون إلى السعودية".
دعوة الحوثيين للتخلي عن إيران، بنظر مراقبين: أمر بالغ التعقيد، وعمليا الأمر غير قابل للتنفيذ، فالحوثيون لا يعتبرون حلفاء سياسيين لطهران فحسب، بل تربطهم بإيران أواصر مذهبية وطائفية وسلالية، ممتدة الجذور، وهم يمثلون جزءا من المشروع الإيراني في المنطقة، ما دفع كثيرون لاستبعاد فكرة الفصل بين الطرفين.

إزاحة هادي
أجمع الطرفان (المملكة والحوثيون) على استبعاد الرئيس هادي من المشهد السياسي القادم، بصفته عبئا على الطرفين، وكانت فكرة الإطاحة بالرئيس هادي قد تقدم بها في وقت سابق وزير الخارجية الأمريكي في إدارة الرئيس أوباما، جون كيري، كرؤية لحل الأزمة في اليمن، حيث تقدم بمبادرة نصت على نقل صلاحيات الرئيس هادي لنائب الرئيس، تمهيدا لاختيار رئيس توافقي، حد قوله.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقدم السعودية الدعم للرئيس هادي والحكومة الشرعية، كما هو الهدف المعلن من شن الحرب، إلا أنها غدت تفاوض على الإطاحة به، وتمكين الحوثيين بدلا عنه.
ومع أن هادي لا ينال رضا شريحة واسعة من اليمنيين، حتى من الأطراف المحسوبة على الشرعية، لكنه، بنظرهم، الممثل الوحيد للشرعية، ويرون أن أي تصور قادم للحل السياسي في اليمن هو اختيار رئيس من داخل مؤسسة الشرعية، أما المباحثات التي تتحدث عن تمكين رئيس من خارج مؤسسة الشرعية فهو تعميق للأزمة السياسية، وفق متابعين.
المصادر
- الولايات المتحدة تخطط لفتح محادثات مباشرة مع الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن
- وفد حوثي رفيع يلتقي قيادات سعودية عليا وطي صفحة هادي على أجندة الحوار
- في زيارة غير معلنة.. خالد بن سلمان يلتقي وزير دفاع عُمان
- دلالات تعديلات مبادرة كيري لحل الأزمة اليمنية
- سلطان عُمان يبحث مع "خالد بن سلمان" الملف اليمني
- السفير البريطاني لا يستبعد طلاق الحوثيين وإيران

















