قبيل انقضاء الهدنة.. ما تأثير زيارة بايدن للسعودية على ملف الأزمة اليمنية؟

عصام الأحمدي | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للسعودية في 15 يوليو/تموز 2022، شملت اللقاء الشخصي الأول بينه وبين ولي العهد محمد بن سلمان، الذي لطالما انتقده الرئيس الأميركي بشكل متكرر علانية بسبب سجل حقوق الإنسان وحرب اليمن.

وعقب المباحثات بين الجانبين الأميركي والسعودي، التي جرت في مدينة جدة غربي المملكة، نشرت وكالة الأنباء السعودية "واس"، بيانا في 16 يوليو، استعرض أبرز ما جرى الاتفاق عليه خلال القمة.

وفيما يتعلق بالأزمة اليمنية، قال البيان: "أكد الجانبان دعمهما الثابت للهدنة في اليمن، بوساطة الأمم المتحدة، وشددا على أهمية استمرارها وإحراز تقدم لتحويلها إلى اتفاق سلام دائم".

ووفقا للبيان، شدد الجانبان على "هدفهما المعلن منذ فترة طويلة لإنهاء الحرب في اليمن"، داعين المجتمع الدولي لاتخاذ موقف موحد يطالب الحوثيين بالعودة إلى محادثات السلام تحت رعاية الأمم المتحدة.

وتابع: وذلك بناء على المرجعيات الثلاث بما في ذلك قرار مجلس الأمن 2216 الصادر في عام 2015، حيث إن الاتفاق السياسي بين الأطراف اليمنية هو الكفيل بحل النزاع بشكل دائم وعكس مسار الأزمة الإنسانية البالغة.

وعقب صدور البيان الأميركي السعودي، عبر المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين عن رفضه لأي مخرجات تصدر عن زيارة بايدن للمنطقة، "تمس بسيادة وأمن واستقرار اليمن".

واستنكر المجلس، في بيان له، الحديث عن تفاهمات بشأن تمديد الهدنة، و"أن الهدنة التي لم يلتزم التحالف بتنفيذ بنودها، مثلت تجربة صادمة ومخيبة للآمال ولا يمكن تكرارها في المستقبل".

وشدد على أن "التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي لليمن، تمثل الإعاقة الكبرى للسلام" في البلاد.

تثبيت الهدنة

وخلال الأشهر الأخيرة نشطت سلطنة عمان بالتنسيق مع الولايات المتحدة بحراك دبلوماسي شمل زيارة وفد رفيع المستوى إلى صنعاء للقاء قيادات الحوثيين وتحركات للمبعوث الأممي.

وأفضت إلى بلورة رؤية شبه موحدة في أوساط المجتمع الدولي باتجاه إنهاء الصراع، بالإضافة إلى رغبة السعودية في الخروج من هذه الحرب.

وتعول إدارة بايدن على الملف اليمني لتحقيق انتصار سياسي على عدة مستويات منها وقف الحرب، وضمان خروج آمن لحليفها السعودي.

وسوقت إدارة بايدن للهدنة في اليمن ووقف إطلاق النار ودخول سفن المشتقات النفطية، على أنها إنجاز كبير لها.

بينما ترى الأطراف المنضوية في إطار الحكومة اليمنية الشرعية أن الهدنة الهشة التي يخترقها مسلحو الحوثي كل يوم، كانت تلبية للاشتراطات الحوثية، من فتح مطار صنعاء إلى زيادة دخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة الذي تسيطر عليه المليشيا.

بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك في القول إن إعادة هيكلة السلطة الشرعية اليمنية من خلال إقصاء الرئيس عبدربه منصور هادي من المشهد وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي هو استجابة سعودية لمطالب الحوثيين ومن ورائهم إيران بدرجة أساسية.

وبحسب متابعين، فإن زيارة بايدن تهدف إلى دفع الحليف السعودي والحوثيين عبر القنوات العُمانية إلى تثبيت الهدنة التي تنتهي مطلع أغسطس/ آب 2022.

وأيضا إجبار الحوثي على فتح منافذ تعز، ومن ثم فرض تسوية بين أطراف الصراع تعتمد على تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وفي حال تعذر ذلك، تراهن إدارة بايدن على إقامة نظام حوثي في المناطق التي يسيطر عليها، مقابل سلطة مجلس القيادة الرئاسي في الأماكن الأخرى.

بحيث تضمن وجود سلطة محلية تؤمن الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب ضمان حماية الحدود السعودية من خلال إدارة تفاهمات بين الحوثيين والمملكة.

صراع مؤجل

وتعليقا على الزيارة، قال الكاتب الصحفي محمد الأحمدي، إن "أجندة بايدن بخصوص الملف اليمني لن تخرج عن رؤية إدارته المتمثلة في إنهاء الحرب والتوصل لاتفاق تسوية شامل يكون الحوثيون جزءا منه ويشاركون في إدارة المرحلة".

وأضاف الأحمدي لـ"الاستقلال" أن "ثمة مقاربة أميركية للمعضلة اليمنية برمتها، قائمة على هواجس خطر الإرهاب المحتمل والتقليل من شأن تهديدات الحوثي اليومية ومحاولة تطويع عنفه خوفا من عودة نشاط تنظيم القاعدة في اليمن".

وأوضح أن "هذه المقاربة الأميركية دفع اليمنيون ثمنها مزيدا من الآلام والمعاناة طيلة سنوات الحرب لأنها تتجاهل أولويات اليمنيين في استعادة الدولة وإسقاط المشروع الحوثي المدعوم إيرانيا".

ومضى بالقول، "لذلك تتجاهل واشنطن الانتهاكات الصارخة التي يرتكبها الحوثيون مع التركيز أكثر على جرائم التحالف السعودي الإماراتي بغرض الضغط السياسي للقبول بتسوية تكون المليشيا جزءا منها وفقا للمقاربة المشار إليها آنفا والتي تبدو واحدة من نقاط الاتفاق التي يستوي عندها الجمهوريون والديمقراطيون". 

ويرى الصحفي اليمني أن "هذه المقاربة الأميركية للحل في اليمن تتجاهل أيضا الجذور الفكرية والثقافية للمليشيا الحوثية كونها أحد روافد الصراع السياسي المزمن في اليمن".

وأوضح: "لذلك رغم جولات الحوار العديدة، لم تنجح الأطراف السياسية اليمنية ولا الإقليمية ولا الدولية بما فيها الأمم المتحدة في الوصول مع المتمردين الحوثيين لأي طريق يفضي للالتزام بالاتفاقات المبرمة معهم".

وهذا بدءا بالحوار الوطني مرورا بمشاورات جنيف الأولى والثانية ومشاورات الكويت وستوكهولم وصولا إلى المباحثات السرية بين السعودية والحوثيين برعاية سلطنة عمان.

وعقب صعود بايدن للبيت الأبيض، أجرت الإدارة الأميركية مراجعة شاملة وإعادة تقييم لعلاقاتها مع السعودية، أدت إلى التراجع عن بعض صفقات السلاح، ووقف تقديم المعلومات الاستخباراتية للتحالف الذي تقوده المملكة في اليمن.

بالإضافة إلى إلغاء قرار إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتصنيف مليشيا الحوثي على أنها منظمة إرهابية أجنبية.

لكن هذه الخطوات لم تدفع الحوثيين لتقديم تنازلات حقيقية باتجاه السلام، حيث شككوا في جدية الولايات المتحدة بوقف دعمها العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية.

أولوية أميركية

ومنذ صعود بايدن إلى السلطة في يناير/كانون الثاني 2021، احتل الملف اليمني موقعا متقدما في أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وأولت إدارة بايدن أهمية خاصة لوقف الحرب في اليمن ضمن ثنائية التضييق على المساعدات العسكرية للسعودية، ومواصلة الجهود لتحقيق تسوية سياسية برعاية الأمم المتحدة.

وفي 4 فبراير/شباط 2021، أي بعد أسبوعين فقط من وصوله إلى البيت الأبيض، أعلن بايدن وقف الدعم الأميركي للعمليات العسكرية الهجومية التي تقودها السعودية في اليمن.

مع التأكيد على وضع حد للحرب التي مضت عليها 7 سنوات، والعمل مع الرياض للدفاع عن أمنها وسيادتها.

لكن الحرب الروسية الأوكرانية، غيرت سياسة الولايات المتحدة الحادة في التعامل مع السعودية، بسبب احتياجات الطاقة التي تسعى إدارة بايدن للحفاظ عليها بأسعار معقولة ووصول آمن.

وهذا الأمر دفعها للعمل مع السعودية باتجاه وقف الحرب وتأمين ممرات إمدادات النفط في البحر الأحمر وباب المندب من خلال التمهيد بهدنة إنسانية برعاية أممية.

وهو ما اتجهت إليه زيارة الرئيس الأميركي إلى المنطقة عبر سعيها لإعادة رسم خريطة مصالح واشنطن وانتشال السعودية من المستنقع اليمني، وترميم علاقة الولايات المتحدة بالمملكة لا سيما بعد انتقادات بايدن الشديدة لمقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصلية الرياض في إسطنبول عام 2018.

تحديات صعبة

وتسعى الولايات المتحدة لتركيز جهودها الدبلوماسية صوب إنهاء الحرب عبر عملية تقودها الأمم المتحدة لوقف إطلاق نار يشمل جميع الأراضي اليمنية وفتح ممرات آمنة للمساعدات.

وأيضا جلوس أطراف الحرب إلى طاولة المباحثات لإرساء أسس تسوية سياسية للصراع من خلال حراك دبلوماسي تشارك فيه الأمم المتحدة والمبعوث الأميركي الخاص باليمن وسلطنة عمان.

هذه التحركات تأتي بعد فشل السعودية في تحقيق انتصار عسكري سريع على مليشيا الحوثي، مقابل تصاعد الأزمة الإنسانية في اليمن، التي صنفتها الأمم المتحدة كأسوأ أزمة إنسانية في العالم.

ويحتاج ما لا يقل عن 22.2 مليون شخص إلى مساعدات غذائية عاجلة، بينما يهدد الموت أكثر من 14 مليون شخص نتيجة قلة الغذاء وشح الأدوية وسوء الخدمات.

ومع أن إدارة بايدن حاولت المواءمة بين سياستها التي تهدف إلى وقف الحرب وضمان أمن حليفها، عن طريق استئناف بيع الأسلحة للسعودية، وتأكيد حقها بالدفاع عن أراضيها من هجمات الحوثيين، فإن حليفها السعودي هو من حصد مرارة السياسة الأميركية في اليمن.

إذ فقدت السعودية غطاء دوليا لتبرير حربها، مقابل استمرار هجمات الحوثيين على أراضيها ومنشآتها النفطية.

وطوال الفترة الماضية ظلت جهود المجتمع الدولي تصطدم بالكثير من العقبات أمام تحقيق السلام ووقف الحرب التي دخلت عامها الثامن.

فأطراف النزاع ما زالت تتجاذب مسألة السلام بشيء من التعقيد وعدم الجدية بعد تضحيات وخسائر كبيرة للطرفين خلال سنوات الحرب.

والحوثيون يضعون شروطا معقدة لتحقيق السلام، مثل وقف الضربات الجوية ورفع الحصار وإعادة فتح مطار صنعاء، قبل الحديث عن أي مفاوضات، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة الشرعية والتحالف المساند لها بقيادة السعودية.

فيما تشترط الحكومة تطبيق المرجعيات الثلاث، المتمثلة بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن الدولي بما في ذلك القرار 2216، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وهو ما يعدهالحوثيون شروطا غير قابلة للتنفيذ.

ويخشى يمنيون من أن تؤدي الحلول الأميركية المرتقبة إلى القبول بالحوثيين كقوة على الأرض وتمرير حلول جاهزة قد تؤدي إلى جولات صراع قادمة مع المليشيا التي تستند إلى الحق الإلهي في الحكم دون أي مراعاة للقيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.