كيف أحكم قادة الجيش سيطرتهم على اقتصاد مصر؟

القوات المسلحة المصرية، أشبه بـِ"صندوق أسود" حين يتعلق الأمر بدورها في اقتصاديات الدولة، فمعظم قطاعات الاقتصاد التي يديرها الجيش خفية، كما أن مصادر النفوذ والأموال غير واضحة المعالم.
من حين لآخر كانت تُثار جدلية عن طبيعة إحكام العسكريين وصايتهم على مقدرات الشعب، ومدى الفساد الهائل القابع في سراديب دولتهم الخاصة، حتى جاءت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، لتُميط اللثام عن تبصرات مهمة فيما يتعلق بدور الجيش، وكبار الضباط في إدارة دفة موارد الدولة وإحكام السيطرة عليها.
ومع صعود السيسي عقب انقلاب 3 يوليو/ تموز 2013، توسّع الاقتصاد العسكري على حساب القطاعات المدنية التي أُضعفت، حتى ظهر المقاول محمد علي برواياته وشهاداته عن حجم الفساد الهائل لكبار ضباط الجيش وقائدهم الأعلى عبد الفتاح السيسي وعائلته.
ضباط الظل
من أخطر ما تناوله الفنان والمقاول محمد علي، ذلك المقطع الذي بُث في 12 سبتمبر/ أيلول الجاري حين قال: "الجيش لا يخضع لأي رقابة ولا يمكن لأي مكتب استشاري أن يُدخل تعديلات على مشروعات المقاولات التي ينفذها".
كاشفاً عن أسماء عدد من لجنرالات الجيش غير المعروفين لعامة الشعب، الذين جمعوا مليارات الجنيهات مقابل رضاهم وسكوتهم عن فساد النظام الحاكم في البلاد.
تحدّث "علي" عن الفوارق الكبيرة بين ضباط المؤسسة العسكرية حيث أكد أن أحدهم يسكن في شقة (غرفتين وصالة) بينما يسكن آخرون في القصور، موجهاً حديثه للسيسي "حتى في الجيش لم تعدل يا سيسي".
وقال المقاول: "هناك من ضباط الجيش من يعيش في مستوى مادي متردي للغاية، وهناك من يعيش بالقصور ثمن سكوته على فساد النظام"، ضارباً المثل باللواء طارق البرقوقي الذي يمتلك قصرًا في مدينة الرحاب.
البرقوقي شغل منصب مدير جهاز الإسكان في القوات المسلحة سابقاً (المسؤول عن مشروعات الإسكان الخاصة بالضباط)، وواحد من أبنائه يمتلك شركة مقاولات "أركو جروب" ويُسند إليه أعمال خاصة بالقوات المسلحة بالأمر المباشر.
ووُجّهت للواء طارق البرقوقي مجموعة من الاتهامات، بأنه متورط في عمليات بيع عقارات (عسكرية) للمدنيين (بالمخالفة للقانون) وكذلك كشف "علي" عن شراكته مع نجل رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة اللواء أحمد نعيم البدراوي والذي ظل لمدة طويلة في منصبه بسبب صلته بوزير الدفاع الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي.
المقاول ذكر أن رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة يحصل على نسبة واحد ونصف بالمئة من إجمالي القيمة المالية للمشاريع التي تنفذها الهيئة، بالإضافة إلى الراتب الذي يحصل عليه، فضلاً عن بدل الولاء الذي يحصل عليه كبار الضباط وهو عبارة عن قطع ذهبية.
وكشف "علي" عن ثروة اللواء البدراوي من فيلات وأرض زراعية، حيث أورد أنه "يمتلك فيلا فى مدينة الشروق، و60 فداناً فى منطقة سرابيوم بالإسماعيلية (شمال شرق)، و100 فدان في محافظة مرسى مطروح (غرب)".
وقال إنه "بعد خروج اللواء البدراوي من عمله في الهيئة الهندسية تولى إدارة مصنع العريش للأسمنت ثم تولى بعدها إدارة شركة الصعيد للمقاولات التي ورد اسمها في وثائق بنما المسربة كشركة تقوم بممارسات مالية وتجارية في الملاذات الضريبية الآمنة "وتعني حصولهم على أموال صغار المستثمرين دون علمهم ليضاربوا بها في بورصات خارجية دون التزامات ضريبية".
صهر السيسي
وتأتي قصة اللواء خالد فودة، التي ذكرها المقاول على نحو خاص من الأهمية، منبعها صلة القرابة التي تربطه برأس النظام، فهو صهره، الذي قال محمد علي عنه: إنه يحصل على معاش ومكافأة بعد خروجه من الجيش، وعندما عُيّن محافظاً للأقصر حصل -إضافة إلى ذلك- على راتب، ثم عُين محافظاً لجنوب سيناء براتب، في الوقت الذي يُعاني فيه الشباب من البطالة".
كما تحدّث "علي" عن المناصب التي تقلّدها اللواء ماجد جورج من رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة الأسبق، ثم وزيراً للبيئة، كاشفاً أن جورج استعان في الوزارة بأكثر من 8 لواءات من الجيش.
وكشف محمد علي لأول مرة عن صلة قرابة تربطه بالسيسي، قائلاً: إن "زوجة خاله هي شقيقة محافظ جنوب سيناء اللواء خالد فودة، ونجل اللواء خالد فودة متزوج من ابنة السيسي".
وأردف: "كيف يقول السيسي إن ثلّاجته لم يكن فيها مياه طوال 10 سنوات، رغم أنه منذ التحاقه بالكلية الحربية يحصل مجاناً على خدمات من الدولة لا يحصل عليها غيره، وهو ينصح الشعب بعدم شراء السلع إذا زادت أسعارها، رغم أنه يشتري جميع السلع ويحصل على جميع الخدمات مهما كان سعرها لنفسه ولأولاده، وفي النهاية يزايد على المواطنين أنهم فقراء".
شركة البصريات
المقاول المصري أشار إلى فساد العقود الموقعة بين المؤسسة العسكرية، ووزارة الصحة، قائلاً: "هناك شركة تابعة للقوات المسلحة تُدعى (البصريات)، يُشرف عليها أطباء تابعون للجيش، وهي التي حصلت على مشاريع المقاولات من وزارة الصحة بالأمر المباشر، وهي التي تُنفذ مستشفى منفلوط بمحافظة أسيوط (جنوب)، رغم عدم ارتباطها بمجال المقاولات".
وزاد بالقول، "لم أستطع التحدّث عن الفضائح والفساد في النظام خلال وجودي في مصر، لأن السلطة الحاكمة لا تُعطي فرصة لأي شخص يتكلم، ولا تسمع إلا صوتها فقط"، موضحاً: أنه يُخطط للخروج من مصر منذ 8 سنوات، وعلى الجميع مساعدته، وطرح نفس الأسئلة التي يطرحها على السيسي، لأنه مُهدَّد بالقتل بين لحظة وأخرى.
وتساءل الفنان عن عدم محاسبة الجهات المسؤولة عن حماية الحدود من دخول المخدرات إلى البلاد، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، مستنكراً حديث السيسي عن انتشال المصريين من حالة العوز، في وقت يقوم بـِ"الشحاتة"، و"طلب المساعدات من دول الخليج على مدار 24 ساعة".
أذرع أخطبوطية
تتجاوز سيطرة الجيش على الاقتصاد المصري، وقائع الفساد التي ذكرها "محمد علي"، إلى امتلاك المؤسسة العسكرية لمجموعة من الهيئات والأجهزة، تُهيمن من خلالها على مقدرات البلاد.
في 23 أغسطس/آب 2016، وقّع وزير الإنتاج الحربي اللواء محمد العصار بروتوكولاً بين وزارته الممثلة للقوات المسلحة، والشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات عن وزارة الصحة، بحضور الوزير السابق أحمد عماد الدين راضي، وممثل القطاع الخاص، لإنشاء أول مصنع لإنتاج أدوية الأورام في مصر.
وضم المشروع مصنع للسرنجات، ومشروع تصنيع الأنسولين، ومصنع لقاح أنفلونزا الطيور. وتلعب ثلاث مؤسسات متخصصة تابعة للقوات المسلحة، دورها في المشاريع الاقتصادية، التي يُهيمن من خلالها الجيش على مجريات الحياة العامة، وتوفير معظم الحاجات الأساسية في البلاد، وتتمثل تلك المؤسسات في:
- الهيئة العربية للتصنيع
أُنشئت في العام 1975، وكان الهدف الأول منها إنتاج وتطوير الصناعات العسكرية الدفاعية، ومع الوقت وجهت قدراتها في دعم مشاريع التنمية المجتمعية، والنقل وحماية البيئة، بالإضافة إلى مجالات البنية التحتية.
- الهيئة القومية للإنتاج الحربي
تتولّى وزارة الإنتاج الحربي إدارة الهيئة القومية للإنتاج الحربي. وتدير الهيئة أكثر من 15 مصنعاً ينتج الأسلحة والذخيرة العسكرية، إضافة إلى بعض السلع مثل التلفزيونات والأجهزة الإلكترونية والرياضية.
بينما هناك أيضاً قائمة من المشاريع القومية ينخرط الجيش في تنفيذها، وتشمل هذه المشاريع بناء الطرق والجسور والموانئ، وترميم المستشفيات والمدارس ومراكز الشباب، ومد أنابيب المياه، وبناء محطات تحلية المياه.
ولا تقتصر الصفقات التجارية التي يعقدها الجيش على المستوى القومي فحسب، بل توسعت لتشمل إقامة شراكات مع بعض الشركات العالمية مثل "جنرال إلكتريك" و"لوكهيد مارتن" و"ميتسوبيشي".
- جهاز مشروعات الخدمة الوطنية
في البداية تم تأسيسه عام 1979، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وكانت مهمته الرئيسية تحقيق الإكتفاء الذاتي للجيش، وعدم الاعتماد على سوق القطاع الخاص في توفير السلع الأساسية، ومع الوقت أسس الجهاز شركات متعددة توغلت في الاقتصاد المحلي.
وبلغت نحو 22 شركة شملت تقريباً معظم القطاعات، وهي كالآتي: (الوطنية للمقاولات العامة والتوريدات – الوطنية للبترول – الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية – الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي – الوطنية للزراعات المحمية – الوطنية للبطاريات – الوطنية للصناعات الغذائية – الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه الطبيعية – مكرونة كوين – العريش للأسمنت – النصر للخدمات والصيانة – الوطنية للتبريدات والتوريدات – النصر للكيماويات الوسيطة – مصر العليا للتصنيع الغذائي واستصلاح الأراضي – العربية العالمية للبصريات – إنتاج المشمعات البلاستيك – مجمع إنتاج البيض المتكامل – المصرية للرمال السوداء – مزرعة وادي الشيح – قطاع التعدين – قطاع الأمن الغذائي).
مملكة الضباط
حسب مركز "كارنيجي" للشرق الأوسط، في تقرير صدر بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2014، تحت عنوان "الجيش يزاحم المؤسّسات الاقتصادية المدنية في مصر"،
يوجد عدد كبير من الضباط السابقين في مستويات وأنحاء هيكل الحكم المحلي كافة، لتوفير الأمان الوظيفي لهم بعد التقاعد، ويساعد وجودهم على بسط نفوذ السلطة الرئاسية لتشمل كل أركان البلاد.
وأشار المركز، إلى أن 50% إلى 80% من المحافظين لهم خلفية عسكرية منذ التسعينيات، في حين جاء 20 % آخرين من الشرطة أو أجهزة الأمن الداخلي.
وأكد المركز أن التركيز عادة على عدد المحافظين الذين يتم استقدامهم من القوات المسلحة، يُخفي بشكل صارخ الحجم الحقيقي لتوغل المؤسسة العسكرية في الحكم.
ويشغل الضباط المتقاعدون، حسب المصدر ذاته، نسبة أكبر من المناصب الثانوية، مثل نائب المحافظ، ومدير مكتب المحافظ، والأمين العام، والأمين العام المساعد للمجلس المحلي في المحافظة. ويتكرر هذا بشكل واسع النطاق على كل المستويات الإدارية الدنيا من المراكز والمدن وأحياء المدن والقرى.
بالإضافة إلى ذلك يوجد للمحافظة، والمراكز التابعة لها، مدراء تخطيط للعقارات المالية، والمشاريع والشؤون الفنية والهندسية، ويُدير هؤلاء مجموعة واسعة من الدوائر الخدماتية وفروع شركات المرافق العامة والكيانات الحكومية الأخرى، التي تحتاج جميعها إلى الموظفين.
وفي كثير من الحالات، تُملأ هذه الوظائف بالضباط السابقين. ويصل عدد الضباط السابقين الذين يشغلون مناصب إدارية في الحكم المحلي بشكل عام إلى عدة آلاف.
المصادر
- بالأسماء: رجل الأعمال محمد علي يكشف فساد قيادات بالجيش المصري [فيديو]
- "علي" يواصل كشف "فضائح الفساد".. وترقب لرد السيسي عليه
- محمد علي يفضح أثرياء الجيش المصري: جمعوا مليارات الجنيهات
- ورقة بحثية "القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية"
- وحيداً على الذُرى في مصر
- صهر السيسي ضمن فضائح محمد علي… وعلاء الأسواني يطالب بالتحقيق

















