كيف لعبت الإمارات على الثنائيات المناطقية لتفتيت جنوب اليمن؟

آدم يحيى | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

يبدو أن الإمارات في مخططها لا تسعى لفصل جنوب اليمن عن شماله وإعادة نموذج ما قبل وحدة 1990 بين شطري اليمن، بل تريد تقسيم جنوب اليمن ذاته إلى دويلات، في مشهد يذكرنا بالسلطنات والمشيخات المتصارعة قبل قيام الثورة جنوبي البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 1963.

يفرض مخطط تقاسم الأجندة بين السعودية والإمارات في جنوب اليمن، أن تكون محافظة عدن مع المحافظات المجاورة لها (أبين، ولحج، والضالع) دولة مستقلة، ومحافظة المهرة الخاضعة لسيطرة السعودية دولة ثانية، ومحافظة حضرموت دولة ثالثة، وذلك تبعا لطبيعة أجندة الدولتين في المنطقة.

ترفض الإمارات فكرة دولة جنوبية واحدة، لأن فكرة الدولة الواحدة ستفضي لدولة متماسكة وهو ما تأباه الإمارات، لأنه يحد من قدرتها على تمرير مشروعها الذي يعتمد في الأساس على إستراتيجية النفس الطويل في إضعاف الدولة وتقويض سلطاتها، وهي السياسة التي انتهجتها الإمارات منذ تدخلها في الجنوب.

في أبريل نيسان 2016، كشف موقع جلوباليست الأمريكي في تقرير له عن عزم السعودية تنفيذ ما أسمته الخطة "ب" في اليمن، وتتضمن تفكيك وتقسيم اليمن في حال عجزت دول التحالف في فرض سيطرتها على كامل البلاد.

في تغريدة له على حسابه بتويتر، قال البروفيسور العماني والعميد السابق بجامعة السلطان "قابوس" الدكتور حيدر اللواتي: "هدف الحرب على اليمن تقسيم البلد ليبقى فقيرا منكوبا ومدمرا".

في 25 مارس/آذار الماضي نشر "مركز أبعاد" دراسة حديثة كشفت أن اليمن يواجه سيناريو التقسيم، وهو الأكثر خطورة على حد وصف الدراسة، مضيفة: "اليمن تواجه سيناريو التقسيم بسبب تصادم أهداف الفاعلين إقليميا ودوليا ببعضهم البعض، وتناقض أهداف عاصفة الحزم مع المصالح الإستراتيجية للإمارات والسعودية".

أساس الفكرة 

فكرة تقسيم اليمن أشار إليها وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس خلال مشاركته في مؤتمر حوار المنامة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وذلك لما سماه "حل الصراع في اليمن".

ماتيس طرح فكرة إقامة حكم ذاتي في الأقاليم المتصارعة، وهو ما يعني الاعتراف بسلطة الحوثيين وإعطائهم المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ومثل ذلك الأطراف المنادية بالانفصال في الجنوب، وبقاء مأرب والمناطق الخاضعة لسيطرة الشرعية كدولة ثالثة، وهو ما يعني عمليا تفتيت وتقسيم اليمن لعدة دويلات.

وبناء على حل جيمس ما تيس، فإنه لم يعد من الصعب تفتيت أي بلد، فالمسألة تحتاج فقط لدعم ميلشيا وتسليحها، ثم دفعها لخوض صراع مع الحكومة الشرعية، وبعد ذلك حل المشكلة بإعطائها حكما ذاتيا.

سبق أن أعلنت الولايات المتحدة أنها مع وحدة اليمن، وأن مصلحتها تقتضي عدم تشطيره، إلا أن ذلك لم يكن جادا فيما يبدو، فلم يصدر موقف للولايات المتحدة تجاه الأحداث الأخيرة التي أفضت لانقلاب المجلس الانتقالي على الحكومة الشرعية في عدن وتعمل تمهيدا للإعلان عن انفصال جنوب البلاد.

"الطُّغمة"و"الزمرة"

كان الجنوب أثناء الاحتلال البريطاني مقسما إلى سلطنات وإمارات متصارعة، ولما اندلعت الثورة الجنوبية في عدن عام 1963، تم الإعلان عن قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، كجمهورية مستقلة برئاسة قحطان الشعبي، أول رئيس لليمن الجنوبي بعد الثورة.

حاولت الجمهورية وقتها صهر تلك المشيخات ضمن الدولة، لكن الصراعات ما لبثت أن اندلعت بين الفصائل الجنوبية للسيطرة على عدن، فنشب أول صراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير اليسارية.

أسفر الصراع عن إجبار الرئيس قحطان الشعبي على تقديم استقالته، ثم تلت ذلك صراعات، أسفرت عن الانقلاب على الرئيس سالم ربيع علي، الملقب (سالمين)، ثم مقتله في يوليو/تموز 1978 على يد علي شايع، والد شلال شايع، رجل الإمارات الحالي في عدن.

واندلعت الصراعات مرة أخرى بين فصائل الحزب الاشتراكي الحاكم، وأسفرت عن استقالة رئيس الجمهورية حينها، عبدالفتاح إسماعيل في أبريل/نيسان 1980

وفي 13 يناير/كانون الثاني 1986، نشب الصراع الأكثر دموية في تاريخ الجنوب بين الفصائل الجنوبية، أو من يسمونهم "الرفاق" من قادة الحزب الاشتراكي الحاكم حينها.

الصراع نشب تحديدا بين فصيل عبدالفتاح إسماعيل أمين عام اللجنة المركزية في الحزب الاشتراكي والرئيس الأسبق، وفصيل علي ناصر محمد  أمين عام الحزب الاشتراكي ورئيس الدولة حينها، وانتهت الأمور بهزيمة فصيل علي ناصر وفراره إلى اليمن الشمالي.

بدأ الأمر بمواجهة مسلحة داخل قاعة الاجتماعات في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني بعدن، أسفر عن مقتل أكبر قيادات الحزب الاشتراكي، وانتهت بحملة مداهمة وتفتيش للبيوت والمارة والسيارات، وأسفرت عن مقتل نحو 9 آلاف شخص، وإصابة نحو 16 ألف جريح خلال أسبوع.

اتخذت التصفية حينها شكلا مناطقيا، بين ما تم تسميته حينها فصيل (الطُّغمة) وفصيل (الزُّمرة)، والطغمة هم أبناء الضالع ويافع الموالون لعبدالفتاح إسماعيل وعلي سالم البيض الرئيس الأسبق لليمن الجنوبي، في حين أن الزمرة هم أبناء أبين وشبوة الموالون لعلي ناصر محمد والرئيس الحالي هادي، وتمت التصفية بالهوية واتخذت بعدا مناطقيا.

إحياء الصراع 

منذ دخولها إلى عدن عملت الإمارات على استثمار وإذكاء ذلك الصراع التاريخي القبلي والمناطقي بين أبناء القبائل في المدن الجنوبية، فكانت من ناحية تستدعي مفاهيم ذلك الصراع التاريخي في حديثها عن فصيل (الزمرة) الموالي الرئيس عبدربه منصور هادي وخيانته لفصيل (الطغمة) وارتمائه في حضن الشمال.

ومن ناحية أخرى اعتمدت الإمارات بشكل أساسي في تشكيل الميلشيات الموالية لها على أبناء يافع والضالع، فصيل (الطغمة سابقا)، واعتمدت عليهم في التحضير والقيام بعملية الانقلاب الأخيرة، في مواجهة أبناء أبين ولحج الذين عرفوا بموالاتهم للحكومة شرعية. 

وبالتالي فإن الحرب عندما اندلعت أثناء الانقلاب أخذت في أحد أشكالها بُعدا مناطقيا، فقبائل الضالع ويافع الموالون للإمارات وفصيل ما يسمى (استعادة الجنوب)، قاتلت قبائل أبين، فصيل ما يسمى (مناصرة الشرعية) الموالي للرئيس هادي.

حضر ذلك التقسيم (الطغمة والزمرة) أثناء الاصطفاف لعملية الانقلاب، في مشهد يعيد التاريخ الدامي إلى الأذهان، ويكون هو الحاضر الأبرز في المعارك.

تسريبات صوتية لقادة جنوبيين ممن شاركوا في التحضير لعملية الانقلاب، تحتفظ "الاستقلال" بنسخ منها، كشفت عن تهديدات بين فصائل الانقلاب أخذت بُعدا مناطقيا بين أبناء قبائل أبين وأبناء قبائل يافع و الضالع.

استثمرت الإمارات تلك التعددية المناطقية ولعبت عليها في خلق حالة من الصراع بين المكونات الجنوبية، وذلك لتقوية سلطاتها في مقابل إضعاف سلطة المكونات القبلية، الذي سينعكس بدوره على إضعاف الدولة، ويؤسس لحالة من الفوضى يتيح للإمارات التحرك من خلالها.

هذه الإستراتيجية أثبتت فاعليتها في إضعاف تلك المكونات القبلية، حيث قام نظام الرئيس السابق صالح، بإحياء تلك ذلك الصراع القبلي التاريخي خلال فترة من الفترات، وخاصة في ديسمبر/كانون الأول 2005 عندما أدت أعمال حفر خلف معسكر الصولبان بمنطقة العريش بعدن إلى اكتشاف مقبرة جماعية دفن فيها عشرات العسكريين وتم اكتشاف نحو 19 جثة يعتقد أنهم من ضحايا أحداث يناير/كانون الثاني 1986.

وأدت هذه العملية إلى إعادة الاحتقانات بين الجنوبين، الذي هدف صالح من خلالها، بحسب مراقبين، إلى إعادة ذكريات الصراع إلى الواجهة وإشعال نار الفتنة بين القبائل الجنوبية مرة أخرى.

هذه الإستراتيجية التي عرف بها صالح في ضرب القبائل ببعضها وتسليح الأطراف المتصارعة، في محاولة لإضعافها وإنهاكها، هي ذاتها التي بدا أن الإمارات نهجتها في إضعاف تلك المكونات القبلية وتقوية سلطتها لتمرير أجندتها وتنفيذ مشاريعها في اليمن.