أرخميدس.. أداة إسرائيل للتلاعب بإرادة الشعوب عبر مواقع التواصل

أعلنت "فيسبوك" إغلاق 265 حسابا مزورا على منصتها وفي "إنستغرام"، وصفحات ومجموعات تقوم بنشاطات منسقة في دول للتأثير على انتخاباتها وسياساتها الداخلية. وقال: إن "هذه النشاطات مصدرها إسرائيل، وتركزت في نيجيريا والسنغال وتوغو وأنجولا والنيجير وتونس".
وجلّ الدول المذكورة تستعد لتنظيم انتخابات عامّة في دولها أو أجرتها خلال الأشهر الماضية، وهو ما يعيد إلى الأذهان فرضيّة التأثير على الناخبين مثلما تمّ خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية حسب التهم التي وجّهت لإدارة حملة ترامب الرئاسية .
أرخميدس الإسرائيلية
على الصفحة الرئيسة لموقعها الإلكتروني، ترفع شركة "أرخميدس" الإسرائيلية شعار “تغيير الواقع بحسب رغبات عملائنا"، وهي شركة مقرها في تل أبيب، قد أعلن "فيسبوك" حظر نشاطها على منصاته بسبب "سلوك زائف منسق" استهدف مستخدمين في دول تقع في جنوب الصحراء الإفريقية وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، في ما تبدو كمحاولة للتأثير على الخطاب السياسي في هذه المناطق، بحسب بيان الموقع.
من جهتها، قالت "فيسبوك " في بيانها: إنّ " أرخميدس أنفقت حوالي 800 ألف دولار على إعلانات مزيفة وعلى نشاطها المضلل الذي يعود تاريخه إلى 2012، حيث تقوم بالترويج لخدماتها، بأنها لعبت "أدوارا كبيرة في الكثير من الحملات السياسية، من بينها حملات رئاسية ومشاريع تواصل اجتماعي أخرى في جميع أنحاء العالم”، وأنها تقوم باستغلال "كل فرصة متاحة من أجل تغيير الواقع وفقا لرغبات عملائها".
وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، أنّ أسماء الأفراد المرتبطين بالشركة غير متوفرة على الموقع الإلكتروني، ولكن يظهر فيه عنوان الشركة: 98 شارع "يغئال ألون" في تل أبيب، وهو موقع مبنى "برج إلكترا" الشهير المكون من 45 طابقا.
وأضافت الصحيفة العبرية، أنه في مكان آخر على الإنترنت، حتى وقت قريب أشار موقع "Negotiations.ch" الذي يصف نفسه بأنه "خبير في المفاوضات الصعبة"، إلى أن الرئيس التنفيذي لمجموعة "أرخميدس" هو إيلينداف هايمان، الذي قال الموقع إنه أحد خبرائه.
بحسب الموقع الإلكتروني للشركة فإن هايمان هو المدير السابق لمجموعة الضغط “أصدقاء أوروبيون من أجل إسرائيل” التي تتخذ من بروكسل مقرا لها، ومستشار سياسي سابق في البرلمان الإسرائيلي وعميل مخابرات سابق لسلاح الجو الإسرائيلي.
حجم التأثير
قال رئيس سياسة الأمن السيبراني في "فيسبوك" ناثانيال غلايشر خلال ندوة صحفية في 16 مايو/أيار الجاري: إن "الشركة حذفت 65 حسابا و161 صفحة وعشرات المجموعات".
وأضاف أن "القائمين على الحملة تظاهروا بأنهم مرشحون سياسيون، ونشروا أخبارا مضللة حول الانتخابات، معظمها في دول جنوب الصحراء الكبرى، وبعض الأنشطة جنوب شرق آسيا"، مؤكدا أن هذه الصفحات والحسابات نجحت في جذب 2.8 مليون متابع، وحققت مئات الآلاف من المشاهدات.
وبحسب تقرير صادر عن مختبر الأدلة الرقمية التابع لمنظمة "المجلس الأطلنطي"، وجد أن "أرخميدس" دعمت المرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية النيجيرية في شهر فبراير/شباط الماضي، الرئيس الحالي محمدو بخاري.
إحدى الصفحات التي قامت "فيسبوك" بإزالتها كانت ملئية بمعلومات مضللة هاجمت عتيق أبو بكر، نائب الرئيس السابق والمنافس الرئيس لبخاري. في الصورة الرئيسية في الصفحة صُور أبو بكر على أنه دارث فيدر، الشرير من سلسلة أفلام "حرب النجوم"، وهو يحمل لافتة كُتب عليها، "جعل نيجريا أسوأ مجددا".
وسبق أن أظهرت تحقيقات في داخل الولايات المتحدة الأمريكية حجم التأثير الذي قامت به جهات روسية للتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2016، والتي أدّت إلى فوز الرئيس الحالي دونالد ترامب، حيث أعد مشروع الدعاية الحاسوبية التابع لجامعة أوكسفورد وشركة "غرافيكا" لتحليل شبكات التواصل الاجتماعي صدر في 2018، وهو أول تحليل يدرس ملايين المشاركات على منصات التواصل الاجتماعي، التي قدمتها شركات "تويتر" و"غوغل" و"فيسبوك، للجنة المخابرات بمجلس الشيوخ.
وأثبت التقرير، أن روسيا ركزت على استهداف الناخبين المحافظين على نحو خاص من خلال نشر مشاركات تتعلق بالهجرة والأصول العرقية وحق امتلاك سلاح، كما رصد جهودا تهدف إلى الحد من القوة التصويتية للمواطنين الأمريكيين من أصول إفريقية من ذوي الميول اليسارية عن طريق ترويج حملة مغلوطة تتعلق بالعملية الانتخابية.
وقال التقرير: "من الواضح أن جميع الرسائل سعت إلى تحقيق استفادة للحزب الجمهوري، ودونالد ترامب على نحو خاص"، مضيفا: "يُذكر ترامب كثيرا في الحملات التي تستهدف الناخبين المحافظين واليمين، إذ شجعت الرسائل هذه الفئات على دعم حملته. في حين نُشرت رسائل للفئات الرئيسية التي يمكن تمثل تحديا لترامب تهدف إلى إحداث حالة من الارتباك والتشتيت وتثبيط الهمة من التصويت في النهاية".
وأفادت وكالة الأنباء الألمانية في 13 أبريل/ نيسان الماضي، بأن أجهزة استخبارات أوروبية رصدت محاولات روسية للتأثير على انتخابات البرلمان الأوروبي، التي جرت في الفترة بين 23 و 26 مايو/ أيار الجاري، حيث قال مسؤول استخباراتي أوروبي: إن "وكالة أبحاث الإنترنت في سان بطرسبرغ حاولت متعمدة التلاعب في الرأي العام عبر الإنترنت، على سبيل المثال، من خلال التأثير على الحالة المزاجية في منتديات النقاش أو من خلال نشر محتويات بهذا المعنى بهويات مزيفة على شبكات التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" أو "تويتر" .
لماذا تونس؟
نشر الصحفي المختص في شؤون الشرق الأوسط أندي كارفن، بموقع "أتلانتيك كاونسيل"، قائمة بصفحات "الفيسبوك" الموجهة لتونس، والتي أغلقها "فيسبوك" بتهمة وقوف شركة "أرخميدس" الإسرائيلية وراء إنشائها وتمويلها شهريا للتأثير على الانتخابات المقبلة المزمع تنظيمها في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019.
وأكّد الصحفي، أنّ كل الصفحات تم إنشاؤها في الأشهر القليلة الماضية، وأصبح لها متابعون يفوق عددهم 30 ألف و40 ألف متابع للواحدة، ويظهر أنّ جميع هذه الصفحات موجّهة لانتقاد الحكومة التونسية وترويج الاتهامات لـ"حركة النهضة" صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر، وأحد الأحزاب المكونة للحكومة.
من جهته، قال الباحث المتخص في الشؤون الإسرائيلية صالح النعامي، في حديث لقناة الجزيرة: إن "شركة أرخميدس الإسرائيلية تعمل في قارات عدة، من بينها إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وقد يكون استهدافها لتونس لمصلحة طرف ثالث، خاصة أن بعض الدول العربية الداعمة للثورة المضادة لها مصلحة في إجهاض التجربة الديمقراطية التونسية".
وأضاف: كما أن إسرائيل تعتبر الديمقراطية العربية تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وبالتالي فهي معنية بألا تصل إلى الحكم في البلدان العربية نخب سياسية لا تساهم في تحقيق أهدافها ومصالحها، وقد أقلقتها موجة الربيع العربي الجديدة في السودان والجزائر" .
وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي التونسي نصر الدين بن حديد لـ"الجزيرة" أيضا: إنه "بالنسبة لحالة تونس فإنها تتميز بشيئين: الأول كونها رائدة الثورات العربية، والثاني، أن حالتها الثورية والديمقراطية هي الأكثر نجاحا في العالم العربي. وبالتالي فإن استهدافها هو أحد مطالب دول الثورة المضادة عربيا، وكذلك إسرائيل، التي لا تريد نجاح الديمقراطية التونسية حتى لا تسري "عدواها" إلى بقية العالم العربي".
وأضاف بن حديد: إن "حادثة شركة أرخميدس تدفع لطرح سؤال بشأن أهمية الديمقراطية ما دامت متحكَّما فيها سلفا عبر التلاعب وتزييف المعلومات والبيانات، مشيرا إلى أنه لا بد من نشر التوعية بين مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي بأن ليس كل ما فيها صحيح يستحق التصديق، ولا كل ما فيها ينبغي نشره وترويجه، وتحسيسهم بخطورة هذه المنصات على الخيارات الوطنية ومستقبل البلاد".
المصادر
- روسيا "استغلت مواقع التواصل الاجتماعي" للتأثير في الانتخابات الأمريكية
- Facebook says Israeli company used fake accounts to target African elections
- "فيسبوك" ترصد حملة تضليل إسرائيلية لتعطيل الانتخابات
- تقرير: هكذا تحاول روسيا التأثير على انتخابات البرلمان الأوروبي | سياسة واقتصاد
- حادثة أرخميدس.. لمصلحة مَن تستهدف الشركات السيبرانية الإسرائيلية انتخابات تونس؟

















