يني شفق: العراق الجديد في حاجة إلى جامعات تركيا.. لماذا؟

"أنقرة عليها دور مهم تجاه العراق، يتمثل في إعادة ما يمكن بناؤه في بغداد بعيد الاحتلال الأمريكي، خاصة في المسألة التعليمية"، تأكيد ورد في مقال الكاتب زكريا كورشون بصحيفة "يني شفق" التركية، مضيفا: "العلاقات التركية العراقية في أحسن حالها والتعاون مستمر في كافة الجوانب، وبالتالي من المهم الانتباه إلى جوانب القصور وخاصة المسألة التعليمية".
كورشون الذي زار العراق بصحبة رئيس جامعة "السلطان محمد فاتح" الوقفية، للمشاركة في مؤتمر علمي بجامعة بغداد، سرد في مقالته عددًا من المشاهدات في الجامعة والعراق بشكل عام، موضحًا أن العراق حاول الابتعاد عن تأثيرات الاحتلال الأمريكي.
الكاتب لفت إلى أنه ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 "عملت القوى المسيطرة في البلاد على إضعاف المؤسسات النشطة، وإنشاء قوى متشابكة، وموازية لقوة الدولة"، مضيفا: "في الواقع، واجه المجتمع العراقي صعوبة في تعريف نفسه منذ تأسيسه، وبدلاً من ظل الدولة الشرعية التي تستخدم السلطة لجأ العراقيون للعيش في ظل طوائف تحمل مختلف الأبعاد والأقسام، كالعرق والطائفية والقبلية والمناطقية".
وبنظرة خاطفة، يرى الكاتب أن "العراق ما زال دولة يتم اللعب بها من كل جانب، فمن طرف هناك الولايات المتحدة الأمريكية، ومن طرف ثانٍ إيران، هاذان الطرفان ودول أخرى ومنظمات غير حكومية تتعاون معهما، أو تعمل نيابة عنهما، تشعر بوجودهم بقوة في جميع المجالات".
تصفية الحسابات
وهنا يضيف الكاتب: "لقد أصبحت العاصمة العراقية والتي تعرف بدار السلام بغداد، وكذلك أرض التسامح الموصل ثاني المدن العراقية، والتي فُتحت على العالم، وكذلك، البصرة، اليوم كلها باتت ساحات لتصفية الحسابات، وبات المجتمع العراقي أيضًا ضحية".
ويتابع الكاتب: "المجتمع العراقي الذي واجه في السنوات الأخيرة، تنظيم الدولة ومنظمات إرهابية أخرى، تعلم من هذه المراحل وخرج منها أيضًا بدروس رائعة، لقد فهم العراقيون ضرورة العيش معًا، والحاجة إلى إعادة بناء دولتهم".
كورشان قال: "ورغم ذلك، تعرض العراقيون، للانقسامات المصطنعة، حيث انقسمت عقول الشعب أكثر وأكثر، ولم يتمكن المجتمع الذي غرق في الدستور الذي فرضته الولايات المتحدة، من بناء ثقة كافية بين بعضه بعضا، هذه هي الحقيقة التي سوف تستغرق وقتا طويلا".
ومع ذلك، يوضح الكاتب أنه "رغم كل المشاكل التي يواجهها المجتمع العراقي، فمن الواضح أن العيش بسلام جنبًا إلى جانب مرغوب فيه لدى الشيعة والسنة والعرب والكرد والتركمان وحتى المسيحيين، ورغم أنه لا يمكن التنبؤ بالمبادئ التي ستتحقق على هذا الأساس، إلا أن العلامات تشير إلى أنها ستتطور إلى عملية إيجابية".
بطبيعة الحال، فإن المصالح الدولية، والمطالب الإقليمية، وخاصة شمال العراق، وتقاسم الموارد، والشواغل الأمنية للبلدان المجاورة، وكذلك النزاعات الدينية والعرقية، هي أكبر العقبات في إعادة تشكيل العراق، لكنه سيتشكل، هذا اجباري حسبما يؤكد الكاتب، لكنه في نفس الوقت يجزم بـ"استحالة عودة العراق كما كان قبل عام 2003".
معاهدة سعد آباد
وهنا يسأل كورشون: "إذن ما هو دور تركيا في ذلك كله؟" مجيبا: "كما قلنا دائمًا، فإن الروابط التاريخية والتزامات الجوار والأهم من ذلك العلاقات المتبادلة في مختلف الجوانب تحدد مصير هذين البلدين، بغض النظر عن الظروف، الدور التركي يظهر بوضوح في الجامعات العراقية وحتى في الشارع".
يلفت الكاتب إلى "أنه ومنذ سنوات طويلة، تنظر تركيا إلى العراق على أنه محور مهم من محاور الأمن التركي، في البداية كانت مسألة الموصل، ومن ثم مسألة الإرهابيين خاصة بعد عام 2003، والتطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة شمالي العراق (إرهابيو منظمة بي كا كا)، وحاليًا فإن بغداد تنظر لهذه المسألة الأمنية على أنها تمثل تهديدًا لها، تمامًا كما تنظر لها أنقرة".
ويتطرق كورشون لمعاهدة سعد آباد (معاهدة عدم اعتداء)، التي وقعت عليها تركيا وإيران والعراق وأفغانستان في 8 يوليو/تموز 1937، من أجل متابعة المصالح الإقليمية المشتركة، واستمرت هذه المعاهدة 5 سنوات، بالتوازي مع التطورات عشية الحرب العالمية الثانية، حيث دخلت تركيا في حلف يجمع إيران والعراق، وكانت محاولة "ناجحة" بحسب الكاتب، "لكن هذه المحاولة لا يمكن لها أن تستمر حتى اليوم، حيث تفتقر الأطراف إلى إمكانية إنشاء اتفاق ثلاثي على الأقل هذه الأيام".
ومع ذلك، كبديل، "هناك العديد من المجالات لتنويع العلاقات الثنائية بين تركيا والعراق، بعيدا عن العلاقة الخاصة التي طورتها بغداد مع الولايات المتحدة، فالدول المحيطة بالعراق والدول الأوروبية تبني مصالحها على العلاقات الثنائية، لذلك يتم تمثيل سفارات الدول المعنية في بغداد، كما أن هناك العديد من المؤسسات التي تعمل أيضا في بغداد بشكل مستقل عن سفاراتها".
ملحق تعليمي
ورغم أن تركيا لديها ميزة واضحة، حيث تعطي أولوية للنشاط الدبلوماسي مع العراق، لكن لا يمكن لتركيا في الحقيقة المنافسة وتغطية جميع الجوانب في العراق ذات التعداد السكاني الكبير، وعليه، وحسب اقتراح الكاتب "يجب أن تكون عملية إعادة الهيكلة في العراق محل اهتمام جميع المؤسسات الممكنة في تركيا، وخاصة الوسط الطلابي، فمن المعيب حقيقة ألا يكون لتركيا ملحق تعليمي في العراق، خاصة وأنه من المتوقع أن يقوم القطاع المصرفي التركي بمزيد من الاستثمارات في العراق".
ويذكر الكاتب أن العراق يعترف بشهادات نحو 80 جامعة تركية من قبل وزارة التعليم العالي في بغداد، ورغم هذا الامتياز، فإن عدد الطلبة العراقيين في تركيا ليس على المستوى المطلوب، موضحًا أن بعضا من هذا القصور تتحمله الجهات المختصة في تركيا وخاصة مؤسسة مجلس التعليم العالي (YÖK) والتي من واجبها جلب المزيد من الطلبة العراقيين للدراسة في تركيا.
ويتابع كورشون، "بعد عام 2003، نعم طورت البيروقراطية العراقية من هيكلتها السابقة وأدواتها القديمة، لكنها في الوقت نفسها اضطرت إلى تسليم الدولة إلى كوادر غير كفؤة أو عديمة الخبرة، وأدت إلى هدم في العملية التعليمية مع تباطؤ شديد في علاج هذه المسألة من قبل الدولة العراقية".
وعليه، يرى الكاتب "أن العراق يحتاج إلى كوادر جديدة يمكنها تجديد قدرات وطاقات دولتهم بسرعة، وتطوير مؤسساتهم، وتطوير وتنظيم التعليم لديهم. وتعد الجامعات التركية هي الحل الأسهل والأسرع لهذه المشكلة وربما الأرخص أيضًا".
ويؤكد الكاتب أن "جامعاتنا التركية يمكن أن تقبل طلابًا أكثر من العراق، وعليه فإن هذه الجامعات والمدارس المهنية على وجه الخصوص في تركيا يمكن أيضًا أن تساهم في إعادة بناء العراق من جديد، وبالتالي توطيد العلاقات بين البلدين الجارين".

















