أطماع إيطاليا وفرنسا القديمة في ليبيا تعود بحثا عن موطئ قدم

زياد المزغني | منذ ٧ أعوام

12

طباعة

مشاركة

"أنانية محضة"، لأول مرّة منذ سقوط نظام معمر القذافي في 22 أكتوبر/ تشرين الثاني 2011، يخرج تصريح مثل هذا للعلن من نائب رئيس الوزراء الإيطالي، وزير الداخلية ماتيو سالفيني، كاشفا عن طريقة تعامل منافسه الفرنسي مع الملف الليبي.

التصريح رغم قصره، لكنه يميط اللثام عن طبيعة الصراع الفرنسي الإيطالي في هذا البلد العربي الإفريقي الغني بالنفط، ومحاولة كل منهما استرجاع نفوذه الاستعماري القديم هناك، والتهام الكعكة بمفرده إن استطاع.

إرث استعماري

الصراع والتلاسن الأخير بين المسؤولين الحكوميين الفرنسيين والإيطاليين، يعيد إلى ذاكرة الليبيين صراع الإمبراطوريتين الاستعماريتين على أرضهم خلال النصف الأول من القرن الـ 20، إذ أقدمت إيطاليا الفاشية بغزو ليبيا عسكريا في العام 1911 في ظل الضعف الذي تعيشه الدولة العثمانية التي كانت ليبيا أحد ولاياتها.

واستمر الاحتلال إلى حدود اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول الإيطاليين الحرب ضمن قوات المحور الذي تقوده ألمانيا النازية ومني بهزيمة كبرى في العام 1945، حينها كانت القوات البريطانية والفرنسية قد بسطت سيطرتها على كامل التراب الليبي منذ العام 1943، حيث اقتسمت الدولتان إدارتها للبلاد، فتسلمت بريطانيا  إقليمي برقة وطرابلس ومنح فزان لفرنسا.

النفط كلمة السر

تملك ليبيا 40 بالمئة تقريبا من النفط الإفريقي الثمين، لجودته العالية وتكلفة استخراجه المنخفضة، واحتياطيات عظيمة من الغاز الطبيعي، ورغم الصراع المسلح الدائر في ليبيا منذ العام 2011، إلا أن نسق إنتاج النفط في البلاد حافظ على مردودية عالية.

المؤسسة الوطنية للنفط الليبية في العاصمة طرابلس، أعلنت أنها قد سجلت عام 2018 أعلى نسبة إيرادات وصلت إلى 13.6 مليار دولار، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن يبلغ إجمالي الإيرادات 23.4 مليار دولار إذا تمكنت المؤسسة من مواصلة عملها دون عوائق.

هذه الكميات الضخمة من الإنتاج النفطي ومثلها تقريبا من الغاز الطبيعي يبدو أنها تثير شهية القوى الإقليمية والدولية من أجل ضمان نصيبها في الكعكة الليبية، إذ صرّح نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني بأن "فرنسا لا تريد تحقيق الهدوء في ليبيا؛ لأن مصالحها في قطاع الطاقة تتعارض مع مصالح إيطاليا".

توتال وإيني

لا يخفى على المتابعين للوضع الليبي الدور الذي تلعبه شركتا النفط الفرنسية توتال، والإيطالية إيني، فالأخيرة تتصدر المركز الأول في التنقيب عن النفط الليبي، رغم ما عاشته البلاد من اضطرابات ما بعد اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، والتي أدت لإسقاط نظام معمر القذافي الذي كان يعقد اتفاقات مع المؤسسة الإيطالية ويقدم لها تسهيلات واسعة.

في المقابل ورغم وجود الشركة الفرنسية منذ خمسينات القرن الماضي في ليبيا إلا أن وجودها كان محدودا مقارنة بمنافسيها؛ ما دفعها للدخول في مفاوضات مع السلطات الليبية آواخر العام 2009 قبل أن تندلع الثورة التي ساهم تدخل الطيران الفرنسي في حسمها، وقلب الموازين معجلا بالإطاحة بنظام القذافي.

الحكومة المتحركة

ومنذ سقوط النظام وانتشار فوضى السلاح، وتوتال وإيني كغيرهما من الشركات التي صارت ترسل الوفود إلى مراكز القوى في البلاد شرقا وغربا وجنوبا، وتلتقي بزعماء القبائل والمجموعات المسلحة ومسؤولي المناطق من الموالين لحكومة طرابلس أو المناوئين لها، فتقدم المساعدات النقدية والعينية وتتدخل في حل مشكلة انقطاع الكهرباء؛ بالتعهد بإنشاء "محطات جديدة لتوليد الطاقة"، إضافة إلى المساهمة في إطفاء الحرائق بمستودعات الوقود، وصيانة الأجهزة الطبية في المستشفيات.

"إيني" هذه الشركة النفطية العملاقة تحولت بشكل ما إلى ما يشبه الحكومة المتحركة التي تتعامل مع الوضع الجديد في ليبيا في ظل الصراع والفراغ السياسي الناتج عن الانقسام؛ فتنسج بنفسها علاقات عبر خطوات وإجراءات لا تمت إلى مجالها الاقتصادي بصلة، ولكن فقط من أجل الحفاظ على مصالحها في البلاد وإدارة صراعاتها البينية.

الدور الأمريكي

هذا الصراع الدائر والمتنامي بين الإيطاليين والفرنسيين في ليبيا، ورغم الأسبقية التي امتلكتها فرنسا في العام 2011 لكنها قوبلت بنوع من الرفض الأمريكي لها خاصّة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

فالرئيس الأمريكي يعتبر حليفا لليمين المتطرف الصاعد في إيطاليا والذي تمكن من الوصول إلى الحكم، وهو ما أكده رئيس الحكومة الإيطالي جوزيبي كونتي أن "ترامب وافق على أن تصبح إيطاليا مرجعا في أوروبا، والمحاور الرئيسي بخصوص القضايا الأساسية التي ينبغي التصدي لها، فيما يتعلق بليبيا".

وهو ما تأكّد بتنظيم الإيطاليين لمؤتمر باليرمو خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2018، حيث قال المسؤول الإيطالي: إن "المؤتمر سيناقش الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وحماية الحقوق المدنية ومشكلة العملية الدستورية"، المؤتمر اعتبر ردّا على مؤتمر باريس الذي دعيت له الأطراف الليبية المتنازعة، واتهمت إيطاليا فرنسا عقبه بأنها تريد أن تكون وحيدة في ليبيا، هذا الخلاف كان له تأثير بالغ على الصراع السياسي والعسكري في ليبيا؛ حيث صاغ البلدان تحالفات على الأرض مع القوى الليبية المتنازعة.

تحالفات على الأرض

سلّة المصالح التي فتحت الصراع بين فرنسا وإيطاليا دفعهما لإيجاد تفاهمات مع أطراف فاعلة بليبيا لضمان مصالحهما فيها، ففي الوقت الذي اختارت فيه إيطاليا التفاهم مع رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا فائز السراج والقوات المسيطرة على غرب ليبيا، اختارت فرنسا دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر والذي اختاره البرلمان الليبي بطبرق قائدا للجيش.

وهو ما أكده الإعلامي والمحلل السياسي الليبي ياسين خطاب في تصريح لـ "الاستقلال" بقوله: "لقد فضّلت فرنسا الوقوف إلى جانب قائد الجيش التابع لمجلس النواب خليفة حفتر - رغم دبلوماسيتها المرنة مع السراج- ودعمه بقوات فرنسية نوعية اعترفت باريس بوجودها عقب مقتل 3 طيارين فرنسيين في سماء شرق ليبيا فترة الرئيس السابق فرانسوا هولاند".

ويضيف خطاب في علاقة الحراك الدبلوماسي للبلدين أنهما حاولا إيجاد صيغة تفاهم سياسية عبر مؤتمر باليرمو وباريس: "إلاّ أن التصعيد الذي نراه مؤخرا بين مسؤولين في الطرفين -خصوصا إيطاليا- يؤكد أن قصرا الإليزيه وكيجي لم يتفاهما حتى الآن"، وهو ما سيفتح المجال لبدائل أخرى أمام الليبيين خاصة بعد لقاء حفتر بالسراج في أبوظبي برعاية أممية، رغم ديمومة الصراع المسلح الذي كان آخر فصوله معركة حفتر في الجنوب.

معركة الجنوب

يعتبر الجنوب الليبي المعروف تاريخياً بإقليم فزّان أحد الأقاليم الثلاثة المكونة لليبيا ما قبل الجمهورية، وأكثر المناطق ثراء بالنفط إلا أنه يعيش حالة من التهميش منذ فترة حكم نظام القذافي، ويبدو أن فرنسا التي كانت تسيطر على المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية قد وجدت في حليفها اللواء المتقاعد خليفة حفتر مدخلا لها؛ لاستغلال موارد المنطقة وخدمة مصالحها.

فلا تخفي فرنسا دورها في دعم حفتر حتى يكون له دور سياسي متقدم في المستقبل القريب في ليبيا، كما لا يخفى الدور الذي تقوم به في جنوب ليبيا وشمال تشاد من أجل التصدي للمتمردين التشاديين فيها، الذين يعتبرون التهديد الأبرز لحليفهم إدريس دبي، هذا التمدد الفرنسي قد يصطدم بمصالح إيطاليا في المنطقة والتي تمتلك عقوداً لإدارة حوض مرزق الغني بالغاز والنفط.

غموض في الأفق

هذا التنافس المحموم بين فرنسا وإيطاليا على تقاسم الكعكة الليبية، لا يلغي الاتفاق بين البلدين على التصدي للهجرة ومكافحة الإرهاب الذي لن يقع سوى باتفاق سياسي جامع لليبيين.

في المقابل تدخل الإمارات العربية المتحدة على الخط، وهي الحليف الأساسي لحفتر والقوات المساندة له بمحاولتها عقد اتفاق بين السراج وحفتر، وهو ما يعتبره مراقبون مساندة لفرنسا ودورها وتشويشا على المساعي الإيطالية، وهو ما قد يضمن تواصل الأزمة وتعميقها وتأجيل الحل إلى وقت غير معلوم.

الكلمات المفتاحية