رغم حصار التحالف.. كيف وصلت الطائرات المسيرة إلى الحوثيين؟

منذ ٨ أعوام

12

طباعة

مشاركة

"لدينا طائرات مسيّرة تعمل في الرصد والاستطلاع، وقريبا سوف تعمل في القصف والاستهداف"  بهذه العبارة أعلن زعيم جماعة الحوثي، عبد الملك الحوثي عن - ما يبدو - أنه فصل جديد من فصول الحرب، مع ما سماها دول العدوان.

كان الرئيس السابق لما يسمى المجلس السياسي الأعلى، التابع لجماعة الحوثي، صالح الصماد، قد افتتح في السادس والعشرين من فبراير 2017 المعرض الأول لصناعة الطائرات المسيرة ، كان المعرض يحوي أربع طائرات مسيرة هي "هدهد 1، رقيب، راصد، وقاصف1".

وبحسب الصماد، فإن الطائرات مصنّعة بخبرات يمنية، وأن الدفعة جرى تجريبها بنجاح فائق، وهي باكورة إنتاج حربي وطني متطور، وفي المعرض العسكري ألقى الصماد كلمة قال فيها:" قادمون بطائراتنا المسيّرة التي صنعتها أيادٍ يمنية، وقادرة على الوصول إلى الرياض وأبو ظبي" .


من رحم الحاجة


خلال ليلة مباغتة في 26 مارس/آذار 2015، استطاعت طائرات التحالف العربي إخراج منظومة الدفاع الجوي اليمنية من الخدمة، خلال ساعات. كانت المؤسسة العسكرية خاضعة حينها لسيطرة الحوثيين، خاضت قوات الحوثي بعد ذلك معركة غير متكافئة مع قوات التحالف، حيث كانت الأولى تقاتل من الأرض بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، بينما كانت الثانية، إضافة إلى سلاحها الضارب، تلف الجو وتنفذ آلاف الطلعات على المدن والقرى وتشن غارتها الجوية على المعسكرات ومخازن الأسلحة والتدريبات العسكرية ومناطق المواجهات.

شكك كثيرون بمصداقية تهديدات الحوثيين باستخدام الطائرات وعدّها البعض نوعا من الحرب الإعلامية، لكن طائرة مسيرة تتبع جماعة الحوثي كانت قد استهدفت في العاشر من يناير 2019 عرضا عسكريا في قاعدة العند الجوية بعدن، وقتلت رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية اللواء محمد طماح وستة من الجنود، بالإضافة إلى إصابة 14 آخرين.

وعقد مؤتمر صحفي للمتحدث الرسمي باسم التحالف العقيد تركي المالكي، إثر غارات استهدفت في 20 من يناير/كانون الثاني 2019 أماكن متفرقة في صنعاء، صرح فيه المالكي أن العملية استهدفت عدة مواقع، من بينها سبعة أماكن لتصنيع الطائرات المسيّرة وصيانتها، و برج للاتصالات وتسيير الطائرات بدون طيار، بعد عملية استخباراتية دقيقة، رصدت تلك الأماكن، حسب قوله . 

بين الحين والآخر، يعلن التحالف العربي عن إسقاط طائرات "درون" مسيّرة في الأجواء السعودية، لا سيما في المدن الجنوبية للمملكة، كان آخرها طائرة أطلقها الحوثيون أثناء كتابة هذا التقرير  باتجاه مدينة أبها، أعلن التحالف نجاحه في اعتراضها وتدميرها.


تطور جديد للحرب في اليمن


كل هذه الأحداث والأخبار عن هجمات بالطائرات بدون طيار، تشير إلى أن الطائرات المسيرة تشكل تهديدا حقيقيا وجادا، سواء في رصد وجمع المعلومات أو في عمليات القصف والاستهداف، ما ينذر بتطور جديد قد يشكل، مستقبلا، تحولا خطيرا في مسار الحرب في اليمن.

تكمن خطورة الطائرات المسيرة في كونها قادرة على القيام بأعمال الرصد والمسح والتقييم والإنذار المبكر، ومهام استطلاعية أخرى، كإرسال الإحداثيات للوحدات الصاروخية والقوة المدفعية، و طائرات أخرى قادرة على القيام بعمليات هجومية ، وهي بحسب مركز البحوث للسياسات الخارجية في الولايات المتحدة، قادرة على حمل رأس حربي يصل وزنه إلى 45 كيلو جراما، ما يمكّنها من القيام بهجوم نوعي على أهداف دقيقة ومحددة، إضافة إلى ذلك فهي منخفضة التكاليف مقارنة بالكفاءة العالية التي تحققها، كما أنه لا يمكن استهدافها، في معظم الحالات، إلا بتكنولوجيا مماثلة، عبر صواريخ موجهة ودقيقة، وهذا أمر مرهق، إذ يتطلب مضاعفة الجهود ومراقبة الأجواء، و بالطبع لهذا كلفته العالية. 

بات الكثير، تقريبا، على قناعة بأن حربا بالطائرات المسيرة يخوضها الحوثيون، وهي إن كانت محدودة، إلا أنها قادرة على ضرب أهداف مفترضة لجماعة الحوثي، وهي أيضا مشاغبة بما يكفي لإرباك بطاريات الباتريوت التابعة للتحالف، وقادرة على إلحاق الضرر بصفوف التحالف والشرعية، لعل آخرها حادثة استهداف العرض العسكري في قاعدة العند الجوية، أودت بحياة عدد من الضباط.

ولئن كانت قد زالت شكوك الكثير حول جدية الحوثي وتهديداته باستخدام الطائرات بدون طيار، إلا أن الشكوك ما تزال قائمة في كون هذه الطائرات نتاجا حوثيا خالصا، وأن جماعة الحوثي صار لديها القدرة الكاملة لإنتاج وتصنيع الطائرات المسيرة، ما يدفعنا للتساؤل: هل فعلا يقوم الحوثي بتصنيع هذه الطائرات، كما يزعم ويدعي؟  أم أن جهة أخرى تقوم بتزويده بها؟ وإن كان هناك جهة تقوم بتزويده فما هي؟ وكيف يتم تهريبها إلى اليمن، في ظل حصار مطبق ورقابة شديدة يفرضها التحالف على كل خطوط الملاحة الجوية والبحرية والبرية؟ ثم ماهي المنافذ التي يتم تهريب هذه الطائرات من خلالها، وكيف؟


التكنولوجيا الإيرانية


في مارس/آذار 2017، أصدر مركز البحوث والتسلح البريطاني "CAR" تقريرا مفصلا مدعّما بالصور بعنوان " نقل التكنولوجيا الإيرانية إلى اليمن"  ، أثبت فيه أن طائرة "قاصف 1"، التي ادعى الحوثيون تصنيعها، تتطابق مع طائرة "أبابيل" الإيرانية،  
يضيف التقرير أنه تم دراسة وفحص سبع طائرات "درون" تم اعتراضها في أكتوبر/تشرين الأول 2016 وفبراير/ تشرين الثاني 2017 من قوات الجيش اليمني في مدينة مأرب، كانت في طريقها لجماعة الحوثيين، إضافة إلى طائرة تم إسقاطها في عدن إثر هجوم شنته جماعة الحوثي على أهداف عسكرية تابعة للتحالف، وطائرة أخرى تم إسقاطها في محافظ مأرب، استهدفت بطاريات الباتريوت التابعة للتحالف، وكشفت النتائج أن كل تلك الطائرات كانت إيرانية الصنع.

في تقرير هام أعده فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، ورفعه إلى مجلس الأمن في 26 يناير/كانون الأول 2018، تحدثت لجنة الخبراء أن نتائج التحقيق كشفت أن طائرات من دون طيار إيرانية الصنع تم إدخالها إلى اليمن، بعد صدور قرار مجلس الأمن بحظر توريد الأسلحة في الرابع عشر من إبريل 2015، ورأى الفريق أن إيران لم تمتثل للفقرة 14 من القرار الأممي 2216 والتي قضت بحظر توريد السلاح لمعرقلي التسوية في اليمن ( الحوثي ـ صالح)  . 

وكان نيك جين جونز، خبير الأسلحة ومدير خدمات أبحاث الأسلحة في البحرية الأمريكية، قد قال إن "طائرات أبابيل الإيرانية المجهزة برؤوس حربية شديدة الانفجار قد استخدمها الحوثيون في استهداف بطاريات الباتريوت السعودية". 

نتائج التحقيق السعودية، أيضا، تنص على أنها تقوم بفحص الطائرات المسيرة التي يتم إسقاطها بين الحين والآخر، وتظهر نتائج الفحص أنها طائرات إيرانية الصنع، وفي مؤتمر صحفي أعقب الغارات الأخيرة التي استهدفت عدة مواقع في صنعاء قال المالكي: إن "إيران مستمرة بتهريب الأسلحة والطائرات المسيرة للحوثين، وأن الحوثيين يعملون على تطوير قدرات الطائرات المسيرة، بدعم من إيران، من أجل تنفيذ عمليات إرهابية، واستخدام مناطق مدنية لإخفاء تلك الطائرات، في إجراء يهدد الأمن الإقليمي". 

كان يمكن التشكيك بالنتائج التي أوردها المالكي في مؤتمره الصحفي، على اعتبار أنها لم تصدر عن جهة محايدة، إلا أن تحقيقات استقصائية وبحثية بالإضافة إلى تقارير أممية، تم ذكرها سلفا، تدعم هذه الفرضية، بشكل واضح.

بالطبع لم تقتصر التكنولوجيا الإيرانية، التي انتقلت لليمن، على الطائرات المسيرة فقط، بل امتدت لتشمل الصواريخ والألغام والقوارب التي يتم التحكم بها عن بعد، فبحسب الواشنطن بوست فإن قاربا يعمل بالتحكم عن بعد هاجم في ال 30 من يناير/كانون الثاني 2017 فرقاطة سعودية بالقرب من ميناء الحديدة ، وقد نقلت "الديفنز نيوز" عن البحرية الأمريكية أنها قالت إن "القارب الذي هاجم الفرقاطة السعودية استخدمت تكنولوجيا إيرانية".

  
حصار عسكري وأممي للحوثيين


تقلّصت خيارات الحوثيين، بعد القرار الأممي والحصار الذي فرضه التحالف، وبدأ الحوثيون بالبحث عن بدائل أخرى تمكنهم من الاستمرار في هذه الحرب، وفي المقابل بدأت إيران بالبحث عن خيارات أكثر فاعلية لدعم الحوثيين، في هذا الصدد أشارت تقارير إلى أن إيران أجرت اجتماعات ومباحثات لإعادة النظر في طرق دعمها للحوثيين، وكيفية الالتفاف على القرار الأممي والحد من تأثير الحصار المفروض.

و نقلت وكالة "رويترز" أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس اجتمع مؤخرا بكبار القادة العسكريين في العاصمة الإيرانية طهران في محاولة لاستكشاف طرق جديدة لمساعدة الحوثيين بشكل أفضل، في بادئ الأمر، وقبل صدور القرار الأممي وخروج المطار عن الخدمة، قام الحوثيون بإنشاء جسر جوي مباشر بين صنعاء وطهران، ونظموا رحلات طيران عبر شركة ماهان إير الجوية الإيرانية، بواقع 14 رحلة أسبوعيا، بعد انقطاع منذ عام 1990.

 تتحدث التقارير أن أيران نقلت، بشكل مكثف، خبراء من الحرس الثوري وحزب الله، لتدريب الحوثيين، ونقلت خبرات وتكنولوجيا إيرانية  إلى اليمن، وكان مقطع فيديو مسرب قد أظهر عناصر لبنانية، يرجح أنها من حزب الله، تقوم بتدريب أفراد من جماعة الحوثي على عمليات عسكرية  بالطبع، لم يستمر ذلك الدعم بالصورة المكثفة التي كانت عليها قبل القرار الأممي وفرض الحصار، لكنه في المقابل لم ينقطع، فقد صرح المتحدث باسم الحكومة راجح بادي، أن إيران مستمرة بإرسال خبرا من الحرس الثوري وحزب الله إلى اليمن، مواد أولية لصناعة الطائرات.

إضافة إلى إرسال الخبراء، تقوم إيران بإرسال مواد أولية لصناعة الطائرات المسيرة، وشحنات أخرى لأجزاء من طائرات الدرون، وقد أحبطت قوات الجيش الوطني شحنات تهريب احتوت على مواد أولية لتصنيع الطائرات المسيرة ، وهذا يشير إلى أن الحوثيين، وبإشراف من الخبراء الإيرانيين، لديهم نشاط يتعلق بتصنيع وتجميع طائرات الدرون، ويضاعف من احتمالات هذه الفرضية تصريحات المتحدث الرسمي باسم التحالف العقيد تركي المالكي، عن استهداف مصانع لتطوير قدرات الطائرات المسيرة.

بحسب مركز البحوث التابع لـ"الفورين بوليسي"، فإن "إيران تقوم بتهريب الوحدات الإلكترونية للحوثيين، وبالطبع يتم استيرادها كقطع إلكترونية لأجهزة منزلية، أما بالنسبة لهيكل الطائرة، فقد تحدثت مصادر عسكرية تابعة للحوثيين، لم يتم التمكن من توثيقها، عن استهداف معامل للألياف يتم تجهيزها لصناعة هياكل للطائرات المسيرة".

بما يتعلق بطرق تهريب القطع الإلكترونية الخاصة بالطائرات المسيرة، فقد تحدثت "رويترز" بأن مسؤولين قالوا إن جانبا كبيرا من عمليات التهريب يتم عن طريق سلطنة عمان المجاورة لليمن، عبر طرق برية ،حيث يتم استغلال الثغرات الحدودية بين البلدين. وأضافت "رويترز" أن واشنطن أبلغت مسقط حليفها الاستراتيجي بما لديها من مخاوف، لكن عمان نفت وجود عمليات تهريب للسلاح عبر حدودها، غير أن يمنيين يؤكدون أن مسقط لا تبذل جهدا كبيرا لمراقبة تلك العمليات، وربما يغضون الطرف عنها . 

في ظل كل التقارير التي تتحدث عن تهريب الأسلحة الإيرانية وانتقال التكنولوجيا الإيرانية للحوثيين، لم يثبت حتى الآن أن الطائرات المسيرة التي تطلقها جماعة الحوثي طائرات يمنية الصنع، وكل التقارير تحدثت عن طائرات إيرانية المنشأ، لكن تقارير أخرى تحدثت عن مواد أولية تم تهريبها للحوثيين، وخبراء إيرانيين تم إرسالهم لهذا الغرض، ما يشير إلى أن لدى الحوثيين نشاطا متعلقا بتصنيع هذا النوع من الطائرات، قد يتمكنون، من خلاله، من صناعة الطائرات المسيرة على المدى القريب، ما يعني أيضا أن استراتيجية مختلفة، سوف يتخذها الحوثي في حربه مع التحالف.