بعد تصويت البرلمان الأوروبي.. هل تتجه بروكسل لتبني موقف مصر من الإخوان؟

منذ ١٧ يومًا

12

طباعة

مشاركة

أثار تصويت البرلمان الأوروبي بشأن نفوذ جماعة الإخوان المسلمين تساؤلات حول احتمال تقارب الموقف الأوروبي مع نظام عبد الفتاح السيسي، والمكاسب السياسية المحتملة له، في ظل انقسامات أوروبية وضوابط قانونية تحكم أي إجراءات لاحقة.

في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، أقر البرلمان الأوروبي قرارا بشأن الشبكات الإسلامية ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين، بأغلبية 381 صوتا مقابل معارضة 167 نائبا وامتناع 15 آخرين عن التصويت.

وجاء القرار الذي تقدم به حزب الشعب الأوروبي اليميني وتبنته النائبة الفرنسية سيلين إيمار، المنتمية إلى حزب الجمهوريين، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى "وضع إستراتيجية لمواجهة التغلغل الإسلامي ونفوذ شبكة الإخوان المسلمين".

ويطالب القرار تحديدا بتشديد الرقابة على التمويل وتقييم الأفراد المرتبطين بالحركة تمهيدا لإدراجهم المحتمل على قائمة الاتحاد الأوروبي للإرهاب.

وفي خطوة عدتها صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية "دلالة سياسية على حجم الخلافات داخل البرلمان الأوروبي"، صوتت النائبتان ريما حسن ومانون أوبري، المنتميتان إلى حزب فرنسا الأبية، ضد القرار، في مؤشر على عمق الانقسامات بين الكتل السياسية الأوروبية بشأن هذه القضية".

وبحسب التقرير، فإن "التصويت يمثل بداية معركة سياسية جديدة، ستتوقف نتائجها على طبيعة القرارات والإجراءات التي ستتخذ خلال المرحلة المقبلة".

تحذير ضروري

وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن "السؤال الأكثر إحراجا لبروكسل يتعلق بمدى التدقيق في مصادر التمويل، والتحقق من الجهات التي يسمح لها بالوصول إلى المؤسسات الأوروبية".

وتابعت: "ينبغي لأي جمعية تقدم نفسها بوصفها جهة تمثل المجتمع المدني أن تكشف بوضوح عن مصادر تمويلها وقياداتها والمستفيدين من مواردها؛ لأن مجرد المشاركة في لقاء مع مؤسسة رسمية مرموقة قد يتحول إلى رصيد سياسي يمكن استغلاله للحصول على اتصالات وتمويلات إضافية".

واستدركت: "غير أن هذه المخاطر تستوجب التحقق منها بصورة مستقلة بالنسبة إلى كل منظمة؛ إذ إن الانتماء الديني أو التقارب الأيديولوجي أو العلاقات بين الجمعيات لا تشكل في حد ذاتها دليلا على ممارسة أنشطة إرهابية".

وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية، أوضح التقرير أن "صلاحية إدراج الجهات والأفراد على القائمة الأوروبية للإرهاب تعود إلى مجلس الاتحاد الأوروبي، وفقا لمعايير تشترط وجود قرار ذي صلة صادر عن سلطة مختصة".

بعبارة أخرى، أكدت الصحيفة أن "تصويت البرلمان الأوروبي لا يؤدي بمفرده إلى تجميد الأصول والأموال، وبالتالي، تصويره بوصفه حظرا دخل حيز التنفيذ بالفعل يعني الخلط بين ممارسة الضغط السياسي واتخاذ إجراء قانوني ملزم".

وفي سياق متصل، لفتت الصحيفة إلى "ما جاء في تقرير فرنسي صدر خلال مايو/ أيار 2025، تناول خطر تجذر النشاط الإسلامي في منظمات المجتمع المدني والسياسة المحلية، لكنه دعا أيضا إلى تقييم حجم هذه الظاهرة بصورة دقيقة".

وعقّب التقرير: "هذا الحذر ضروري؛ لأن وجود شبكة تسعى إلى ممارسة النفوذ والتأثير لا يعني بالضرورة أنها تشكل تنظيما إرهابيا".

وبحسب تحليله، فإن "المشكلة الإستراتيجية تكمن في احتمال تحول المنظمات القادرة على تقديم الخدمات والتدريب وتمثيل المصالح إلى جهات تتمتع بسلطة الوساطة والتأثير داخل المجتمعات المحلية".

وأضاف: "إذا ادعت هذه المنظمات أنها تتحدث باسم جميع المسلمين، فقد يؤدي ذلك إلى تقييد التعددية داخل المجتمعات المسلمة نفسها، وتحويل الاحتياجات الاجتماعية إلى أدوات لممارسة الضغط السياسي".

وفي ضوء ذلك، شدد التقرير على "ضرورة إجراء تحقيقات تتناول سلوك هذه المنظمات وعلاقاتها وتدفقاتها المالية، بدلا من الاكتفاء بالانطباعات العامة أو التصنيفات الأيديولوجية".

وحذر من أن "التعامل مع ملايين المواطنين بوصفهم كتلة واحدة موضع اشتباه، من شأنه أن يعزز تحديدا ادعاءات المتطرفين بأنهم يمثلون هؤلاء المواطنين ويتولون حمايتهم".

ومن هنا، يرى أن "حماية الحرية الدينية وتشديد الرقابة على التمويلات يجب أن يسيرا بالتوازي، دون عد أحدهما نقيضا للآخر".

تتبع الأموال

وبخصوص الرقابة الاقتصادية، دعا التقرير إلى "تتبع المسار الكامل للأموال والموارد المالية، بدءا من الجهات المانحة، مرورا بالوسطاء والكيانات الخاضعة للسيطرة، وصولا إلى المستفيدين النهائيين".

وعزا ذلك إلى أن “الحسابات المالية التي تبدو سليمة من الناحية الشكلية قد تخفي علاقات تبعية سياسية”، وفق ادعائه.

في الوقت ذاته، شدد على أن "التمويل القادم من الخارج لا يمثل في حد ذاته دليلا على ارتكاب مخالفة قانونية".

وتابع: "الهدف الأساسي ينبغي أن يكون منع استخدام الأموال العامة أو الخاصة في دعم أنشطة تتعارض مع شروط الحصول على المساعدات أو تخالف القانون".

وبناء عليه، دعا إلى "وضع معايير مشتركة وإجراء عمليات تدقيق مسبقة، مع الاستناد إلى أسباب واضحة وقابلة للتحقق عند اتخاذ قرارات الاستبعاد أو وقف التمويل".

من جانب آخر، حذرت الصحيفة من أن "تشديد الرقابة المالية قد يترتب عليه ثمن دبلوماسي، خصوصا عندما تشمل التحقيقات جهات تمويل أجنبية ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الدول الأوروبية".

وأضافت: "في مثل هذه الحالات، قد تتعارض متطلبات الشفافية مع المصالح المرتبطة بالاستثمارات والتبادل التجاري والعلاقات الثنائية".

ومن هذا المنظور، ترى الصحيفة أن "مصداقية الاتحاد الأوروبي ستقاس بمدى قدرته على تطبيق المعايير نفسها على جميع الأطراف، بما فيها الشركاء ذوو الأهمية الاقتصادية الكبيرة بالنسبة إليه".

وأردفت: "أما اعتماد سياسة صارمة تجاه الأطراف الأقل نفوذا فقط، فسيعني أن أوروبا تختار خصومها بناء على موازين المصالح، بدلا من الالتزام بمعايير موحدة".

فرصة للقاهرة

من زاوية أخرى، تناول التقرير الانعكاسات المحتملة للتحرك الأوروبي على مصر. مشيرا إلى أن "المبادرة قد تمنح القاهرة دعما دبلوماسيا لرؤيتها الخاصة  تجاه جماعة الإخوان المسلمين".

“وسبق أن رحبت وزارة الخارجية المصرية بقرارات أميركية اتخذت ضد جماعة الإخوان المسلمين”. قالت الصحيفة.

وأكملت: "غير أن هذا الترحيب يتعلق بالإجراءات الصادرة عن واشنطن، ولا يمثل في حد ذاته موقفا رسميا من القاهرة بشأن تصويت البرلمان الأوروبي".

علاوة على ذلك، لفت التقرير إلى أن "المصالح المشتركة بين مصر والاتحاد الأوروبي تتجاوز ملف الإخوان المسلمين؛ إذ تشمل الشراكة بين الجانبين حزمة من التمويلات والاستثمارات تبلغ قيمتها 7.4 مليارات يورو، خلال الفترة من 2024 إلى 2027".

وتابع: "تتألف هذه الحزم من قروض واستثمارات ومنح مالية، ولا تعني أن المبلغ بالكامل قدم إلى القاهرة دفعة واحدة".

وأضاف: "وفي يونيو/ حزيران 2026، شارك الاتحاد الأوروبي ومصر في الرئاسة المشتركة لاجتماع للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، في مؤشر آخر على التعاون القائم بين الجانبين في القضايا الأمنية".

ووفق تحليله، فإن "هذا التقارب قد يعزز التعاون الاستخباراتي بين القاهرة وبروكسل، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر تتعلق بتعامل المؤسسات الأوروبية مع التصنيفات السياسية التي يعتمدها الشريك المصري، باعتبارها أدلة كافية لاتخاذ إجراءات".

وفي هذا الصدد، شدد التقرير على أن "الاتحاد الأوروبي مطالب بإجراء تقييم مستقل للأدلة والضمانات الإجرائية، وعدم الاكتفاء بالمواقف والتقديرات التي تقدمها السلطات المصرية".

واستطرد: "التعاون مع القاهرة لا يعني منح سياستها الداخلية شهادة شرعية شاملة، أو تبني جميع تصنيفاتها السياسية دون فحص مستقل".

ثلاثة سيناريوهات

وفي ضوء هذه المعطيات، استعرض التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة للتعامل الأوروبي "مع الشبكات الإسلامية ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين، وما قد يترتب على كل منها من نتائج أمنية وسياسية".

وفي السيناريو الأول، يرجح أن "يفضي تصويت البرلمان الأوروبي إلى فرض رقابة انتقائية ومحددة الأهداف، وتعزيز تبادل المعلومات بين الدول، واتخاذ إجراءات تستند إلى مبررات واضحة ضد التمويلات غير المنتظمة أو المخالفة للقانون".

وأضاف: "في هذه الحالة، سيتمكن الاتحاد الأوروبي من تعزيز الأمن، وحماية المنظمات المشروعة من المنافسة التي تفرضها الكيانات الغامضة وغير الشفافة".

أما السيناريو الثاني، فيفترض أن "تطغى التصريحات والخلافات بين الحكومات الأوروبية على الإجراءات العملية، بما يسمح للشبكات التي تمثل مشكلة فعلية باستغلال التباينات بين الأنظمة الوطنية المختلفة".

عندئذ يقدر أن بروكسل "قد تواصل إصدار البيانات وإعلان المواقف، دون أن ينعكس ذلك على تحسين قدرتها الفعلية على إجراء التحقيقات والكشف عن الأنشطة المخالفة".

وفي السيناريو الثالث، حذر التقرير من "احتمال تحول القضية إلى حملة واسعة لا تميز بين الجهات المختلفة، بما يؤدي إلى تصاعد النزاعات القضائية وانعدام الثقة والاستقطاب السياسي والمجتمعي".

وبحسب رأيه، "قد يسفر ذلك عن تشتيت الموارد والجهود، ويجعل تحديد الجهات التي تمثل تهديدا أمنيا حقيقيا أكثر صعوبة".

إجمالا، ترى الصحيفة أن "المجال الحاسم لمواجهة هذه المخاطر يتمثل في الاستخبارات المالية وأجهزة الشرطة والتعاون القضائي بين الدول الأوروبية".

لكنها لفتت في الوقت نفسه إلى أن "اللجوء إلى الوسائل العسكرية لا يعد مناسبا لمراقبة شبكات الجمعيات والقنوات الاقتصادية".

ووفق وجهة نظره، "تظهر نقطة الضعف الأوروبية عندما يعجز التوافق داخل البرلمان عن التحول إلى قدرات إدارية مشتركة، تتيح للمؤسسات المعنية اتخاذ إجراءات فعلية".

واستطرد: "قد تتمكن القاهرة من تحقيق مكاسب سياسية نتيجة التصويت الأوروبي، لكن بروكسل ستكون مطالبة بإثبات قدرتها على إنجاز مهمة أكثر تعقيدا".

وهي، بحسب التقرير، "تحديد الجهات التي تمول الأطراف المختلفة، والأدلة التي تستند إليها عمليات التقييم، والنتائج القانونية والعملية التي ينبغي أن تترتب على ذلك".