عامان على تأسيس "تحالف الساحل".. إنجازات محدودة وتحديات متعاظمة

منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

بعد عامين على تأسيسه، يجد تحالف دول الساحل نفسه في قلب مرحلة تتسم بتصاعد حالة عدم الاستقرار، خاصة في مالي وبوركينا فاسو، حيث خرجت مساحات واسعة من الأراضي عن سيطرة الدولة.

وبحسب موقع "دويتشه فيله" الألماني، لا يزال الوضع الأمني في مناطق نفوذ التحالف غير مستقر، مما يثير تساؤلات حول فعالية إستراتيجياته الدفاعية. 

وفي الوقت ذاته، تتنامى الانتقادات الموجهة إلى التحالف بشأن محدودية تأثيره السياسي وضعف أدائه الاقتصادي، ما يضع علامات استفهام حول مستقبله ودوره الحقيقي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

شكوك متزايدة 

وفي 16 سبتمبر/ أيلول 2023، أطلقت كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحالفا إقليميا جديدا تحت اسم "تحالف دول الساحل" (AES). 

تأسس هذا التحالف في البداية كمنظومة دفاعية عسكرية تهدف إلى مكافحة “الجماعات الجهادية” والحفاظ على السيادة الوطنية.

لكن أهدافه توسعت لاحقا لتشمل طموحات سياسية واقتصادية نحو التكامل الإقليمي بين الدول الثلاث الخاضعة للحكم العسكري.

وأُسس تحالف دول الساحل بموجب ميثاق "ليبتاكو–غورما" كتحالف دفاعي عقب انسحاب الدول الثلاث من الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس)، ثم تحوّل رسميا إلى اتحاد كونفدرالي خلال القمة الأولى لقادته في 6 يوليو/تموز 2024.

ويشمل التحالف تكاملا إقليميا؛ إذ توجد مبادرات لإطلاق عملة مشتركة وسوق داخلية متكاملة وقوة عسكرية موحدة مكونة من 5000 جندي، وتعاون قضائي ومشروعات ثقافية ورياضية مشتركة ترسّخ الهوية الوطنية للتحالف.

كما استحدث التحالف في فبراير/ شباط 2025 علما رسميا، ثم بنكا تنمويا إقليميا في مايو/أيار، لدعم المشاريع المشتركة دون الاعتماد الخارجي.

واستمرارا في تنفيذ الشراكة الإقليمية الموقعة بين زعماء دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بدأ برلمانيون وخبراء، نهاية أغسطس/آب 2025 إعداد النصوص المتعلقة بإنشاء “برلمان مشترك” لتحالف دول الساحل الإفريقي.

ويعكس التوجه نحو إنشاء برلمان مشترك انتقال التحالف من التنسيق الأمني إلى بناء كيان سياسي مؤسسي، يمنحه شرعية داخلية وخارجية، ويعزز من قدرته على بلورة سياسات موحدة في مجالات متعددة.

ولكن رغم كل هذه التحركات والوعود، وبعد مرور عامين على تأسيسه، لا تزال الفجوة بين الطموحات والواقع قائمة، يقول الموقع الألماني.

ويتابع: "فعدد الهجمات الإرهابية في تصاعد مستمر، والأوضاع الاقتصادية لدى الدول الأعضاء ما زالت متوترة، فيما لم يلمس المواطنون تحسنا يُذكر في حياتهم اليومية".

وتحدث الموقع عن النيجر قائلا: “تتزايد الشكوك حول جدوى انضمامها إلى التحالف”، فبحسب منتقدين، "تتحمل نيامي أعباء تفوق ما تجنيه من مكاسب".

ويعبر رئيس حركة شباب نهضة النيجر الناشط السياسي سراجي عيسى، عن استيائه من أداء الحكومة قائلا: إن بلاده تستثمر في التحالف أكثر مما تجني منه، "فمنذ تأسيسه أصبحت نيامي الطرف الأحمق فيه".

وأكمل موضحا: "فنحن نبيع نفطنا لمالي وبوركينا فاسو بنصف السعر المحلي، وعندما نقطع علاقاتنا الدبلوماسية مع دول أو نطرد منظمات غير حكومية، يواصل شركاؤنا في التحالف التعاون معهم دون أي اعتبار".

كما انتقد عيسى اختلال التوازن العسكري داخل التحالف، فقال: "دافع الجنود النيجريون مرات عديدة عن أراضي تابعة لمالي أو بوركينا فاسو، لكننا لم نحصل على أي دعم مماثل منهم".

"علاوة على ذلك، لا يزال الواقع الأمني متوترا، رغم الخطاب الرسمي الذي يروج لتحسن الأوضاع"، وفقا لما أورده الموقع.

في المقابل، يرى آخرون أن التحالف يمثل مكسبا استراتيجيا للنيجر، حيث يؤكد الناشط موسى آدامو، أنه عزز مكانة بلاده الجيوسياسية.

وقال آدامو للموقع الألماني: "اكتسبت النيجر من خلال التحالف شريكين قويين في الحرب على الإرهاب".

ويستشهد "بدعم التحالف خلال أزمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وكذلك بالمساعدات اللوجستية التي قدمتها بوركينا فاسو عندما أُغلقت الحدود مع بنين".

غياب الإنجازات 

وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح الموقع أن "الانتقادات في مالي لا تتركز على التعاون الأمني بقدر ما تتجه نحو غياب الإنجازات الاقتصادية الملموسة".

وأردف: "ففي سوق باماكو المركزي، يشتكي التجار من تراجع كبير في المبيعات، بينما تعود النقاشات حول إنشاء عملة وطنية إلى الواجهة من جديد".

وأشار الموقع إلى أن "العديد من المواطنين يطالبون بتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول التحالف، من خلال إنشاء سوق مشتركة والتخلي عن الفرنك الإفريقي (CFA)، وهي عملة تعود إلى الحقبة الاستعمارية وترتبط باليورو".

إذ يرى ناشطون مثل إيبو سي أن "العملة الوطنية تمثل رمزا للسيادة"، ومع ذلك، يحذر خبراء اقتصاديون مثل موديبو ماو ماكالو من التسرع.

ويقول ماكالو: "بدون إصلاحات جذرية في اقتصاداتنا، ستظل أي عملة جديدة ضعيفة وغير قادرة على تحقيق الاستقرار المطلوب".

"أما في بوركينا فاسو، فيبقى الهاجس الأكبر هو الوضع الأمني المتدهور"، وفق الموقع الألماني.

وعزا ذلك إلى ما شهدته البلاد من "أحداث عنف بلغت ذروتها في مايو/ أيار 2025، حين شنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة هجوما إرهابيا أودي بحياة أكثر من 100 شخص، بينهم جنود ومدنيون، في مدينة جيبو المحاصرة شمال البلاد".

في غضون ذلك، أفاد الموقع بأن "العديد من المراقبين ينتقدون الحكومة العسكرية بقيادة إبراهيم تراوري، بسبب اعتمادها بشكل متزايد على مليشيات محلية مدربة بشكل سيئ، وتبنيها لسياسات تصعيد عسكري لم تثبت فعاليتها".

ويقدر أنه "رغم الخطاب الرسمي المتفائل، يرى مراقبون أن التحالف لم يحقق تقدما يُذكر".

واستشهد بأحد أبرز وعود تحالف دول الساحل، وهو تشكيل قوة عسكرية مشتركة، مشيرا إلى أن "هذا المشروع لا يزال حبرا على ورق بعد مرور عامين على إنشاء التحالف".

بدوره، يصف الناشط الحقوقي النيجري الحاجي بابا ألماكيا هذا التقصير بأنه "فشل ذريع".

وأضاف: “لو كانت القوة المشتركة لتحالف دول الساحل جاهزة للعمل، لكان الوضع الأمني اليوم مختلفا تماما”.

لكن بدلا من ذلك، نرى فقط عددا كبيرا جدا من الضباط يجلسون خلف المكاتب، وقلة قليلة تتواجد في الخطوط الأمامية، وفق قوله.

ويطالب الناشط النيجري باتخاذ خطوات حاسمة قائلا: "على الحكومات أن تُشكل هذه القوة فعليا وتستخدمها بفعالية في مواجهة الإرهاب".

في المحصلة، يرى الموقع أنه "رغم مرور عامين على انطلاقه، لم يتمكن التحالف من ترسيخ نفسه كقوة فاعلة على الساحة الدولية".

ومن وجهة نظره، "يقف التحالف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: بين تطلعاته نحو الاستقلال السياسي والاقتصادي، وبين واقع إقليمي مثقل بالفقر والعنف وضعف المؤسسات".

واختتم قائلا: "يبقى السؤال المطروح: هل يمكن للتحالف أن يتحول إلى أكثر من مجرد تكتل رمزي؟ الإجابة ستعتمد على الإرادة السياسية، وثقة الشعوب، والخطوات العملية الملموسة".