رغم معرفته بمصيرهم.. لماذا يرسل لبنان اللاجئين السوريين إلى الموت؟

منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

على الرغم من تأكيد الأمم المتحدة أن سوريا ليست آمنة، تواصل السلطات اللبنانية ترحيل اللاجئين السوريين ليواجهوا الاعتقال أو القتل في بلادهم. 

فقد كشف تقرير أصدرته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" المعارضة في 2 مايو/أيار 2024، أن قوات نظام بشار الأسد اعتقلت 98 لاجئا أجبروا على العودة إلى بلادهم من لبنان خلال شهر أبريل/نيسان من العام المذكور.

اعتقال العائدين

وحددت الشبكة تفاصيل عملية الاعتقال التي جاءت بعد إجبارهم على العودة من معبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان، مبينة أن بين المعتقلين طفلا وامرأتين.

وأكدت الشبكة أن نظام الأسد لم يقدم أي تبرير لاعتقال الأشخاص، لافتة إلى أن معظم المعتقلين لم يشاركوا في أي أعمال إجرامية.

وأوضحت أن الجيش اللبناني نفذ حملات مداهمة واعتقال تستهدف اللاجئين السوريين في لبنان، حيث تم نقلهم إلى مراكز احتجاز تابعة لقوات النظام بعد ترحيلهم.

وقد اقتيد معظمهم إلى مراكز الاحتجاز الأمنية والعسكرية في محافظتي حمص ودمشق.

وعادت من جديد حملات التحريض والعنصرية ضد اللاجئين السوريين في لبنان والمطالبة بترحيلهم إلى بلدهم الأم، وسط تعرضهم هذه المرة لاعتداءات غير مسبوقة.

وبحسب بيانات رسمية، يوجد حوالي مليوني لاجئ سوري على الأراضي اللبنانية، نحو 830 ألفا منهم مسجلون لدى الأمم المتحدة منذ توقف لبنان عن استقبالهم رسميا عام 2015 بعدما بدأ السوريون يفرون من بطش أجهزة الأسد الأمنية عام 2011 إبان اندلاع الثورة.

ومنذ سنوات، لم تتوقف عمليات توقيف الأجهزة الأمنية لنظام الأسد للاجئين العائدين من لبنان المجاورة.

إذ إن توقيف هؤلاء يتم عبر المعابر الحدودية الرسمية مع لبنان فور دخولهم أو في وقت لاحق داخل مدنهم وبلداتهم عبر حملات دهم ينفذها فرع الأمن العسكري المختص بالمداهمات.

وعلى مدى السنوات الأخيرة وثقت منظمات حقوقية سورية ودولية، اعتقال العشرات من اللاجئين العائدين من لبنان.

ويؤكد حقوقيون سوريون أن الاعتقالات بحق هؤلاء عشوائية وتتعدد الأسباب وراءها.

فمنها ما يتعلق بالنشاط السابق لهؤلاء إبان اندلاع الثورة والمظاهرات أو للتخلف عن الخدمة العسكرية الإلزامية أو لكون الشخص ينحدر من مدينة ثائرة ما يزال النظام يلاحق العديد من أبنائها.

فضلا عن عمليات انتقام وابتزاز تمارسها أجهزة المخابرات للضغط على عوائل العائدين.

ووثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اعتقال النظام عام 2020 ما لا يقل عن 62 لاجئا من العائدين إلى سوريا من لبنان، مؤكدة أنه أفرج عن 25 منهم فيما بقي 37 شخصا قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري في مراكز الاحتجاز.

وقد اعتقل النظام السوري 38 لاجئا سوريا ممن عادوا من لبنان إلى سوريا خلال أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وأغلب هؤلاء المعتقلين ينحدرون من قرى وبلدات ومدن القلمون الشرقي والغربي، وأماكن أخرى من ريف دمشق، بالإضافة إلى مناطق في ريفي محافظتي حمص وحماة.

توثيق الجرائم

وفي عام 2018 أكد وزير شؤون النازحين في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية حينها معين المرعبي، لوكالة الأنباء الألمانية، أنه تلقى معلومات من أقارب سوريين عائدين إلى بلادهم تفيد بمقتل نحو 20 من العائدين على أيدي القوات النظامية السورية.

وأشار المرعبي، إلى إبلاغه بجريمة تم ارتكابها في بلدة الباروحة في ريف حمص، لافتا إلى أن مسؤولاً أمنيا في قوات نظام الأسد دخل منزل العائلة، وقتل الأب وابنه وابن أخيه.

ووفقا لموقع "صوت العاصمة" المعارض، اعتقل جهاز الأمن العسكري في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، 7 مدنيين من اللاجئين الذين عادوا من لبنان بينهم سيدة، وذلك خلال حملة أمنية نفذها في بلدات فليطة وعسال الورد والجراجير القريبة من الحدود اللبنانية بريف العاصمة دمشق.

وقال الموقع، إن أجهزة نظام الأسد الأمنية لم تطلب من العائدين وقتها مراجعة أي فرع أمني أو إجراء تسويات أمنية، مشيرا إلى أن اعتقال المدنيين السبعة يأتي متناقضا مع ما قدم لهم من "ضمانات" تحت مسمى "العودة الطوعية".

ويشير "صوت العاصمة" إلى تكرار حدوث عمليات اعتقال للعائدين من لبنان عبر خدع منها إرسال برقية مراجعة لهم في "مركز التسوية الأمنية" في مناطقهم خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة.

وخلال مراجعتهم للمركز تنفذ عملية الاعتقال من قبل فرع الأمن السياسي ويجري نقل هؤلاء إلى سجون بالعاصمة دمشق.

وقد أكد مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في تقرير له صدر في 13 فبراير/شباط 2024 أن اللاجئين السوريين الذين فروا من بلدهم يتعرضون لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان كالتعذيب والخطف عند عودتهم لديارهم، بينما تتعرض النساء للتحرش الجنسي وأعمال عنف.

ويقول التقرير، إن الصعوبات الاقتصادية وسوء المعاملة والخطاب العدائي المتزايد ضد اللاجئين والمداهمات والاعتقالات الجماعية في بعض البلدان المضيفة، أجبرت الكثيرين على العودة إلى سوريا.

وقالت إليزابيث ثروسل، المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مؤتمر صحفي بجنيف، إن التقرير الأممي الحديث "يرسم صورة مثيرة للقلق لمعاناة العائدين لا سيما النساء، وسط تزايد عدد عمليات ترحيل السوريين من دول أخرى".

وأضافت: "هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن الظروف العامة في سوريا لا تسمح بعودة آمنة وكريمة ومستدامة للاجئين السوريين إلى وطنهم".

ويؤكد تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين صدر في مارس/آذار 2024، ترحيل 13 ألفا و772 شخصا من لبنان إلى سوريا في نحو 300 حادثة خلال عام 2023، بما في ذلك 600 سوري في يوم واحد في الثامن من نوفمبر 2023.

بدورها قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في 25 أبريل 2024 إن السلطات اللبنانية احتجزت في الأشهر الأخيرة سوريين تعسفيا وعذبتهم وأعادتهم قسرا إلى سوريا، وبينهم ناشطين في المعارضة ومنشقون عن الجيش.

وقالت إن لاجئين سوريين آخرين "يكافحون" للبقاء في لبنان رغم "أوامر الترحيل والبيئة العدائية المتزايدة التي تفاقمت جراء إقدام المسؤولين على اتخاذ اللاجئين كبش فداء".

وبحسب المنظمة، فإن المسؤولين اللبنانيين "فرضوا لسنوات ممارسات تمييزية ضد السوريين المقيمين في البلاد كوسيلة لإجبارهم على العودة إلى سوريا، التي ما زالت غير آمنة".

وأضافت أن الاعتقال التعسفي والتعذيب والترحيل بحق السوريين الذين يواجهون خطر الاضطهاد المثبت إذا عادوا "نقاط تمعن في تلطيخ سجل لبنان في التعامل مع اللاجئين".

وتنتشر حواجز أمنية تتبع لفروع مخابراتية متعددة في أكثر من نقطة تفتيش على طول الحدود الفاصلة بين سوريا ولبنان.

وتؤكد منظمات حقوقية إعطاء بعض تلك الحواجز أوراق تتضمن مراجعات إلى فروع معينة لبعض العائدين من لبنان للتحقيق معهم.

خدع أمنية

ورغم كل عمليات التوثيق من قبل المنظمات الحقوقية الدولية لاعتقال مخابرات الأسد للعائدين من لبنان، إلا أن رأس النظام بشار الأسد نفى حدوثها.

ففي مقابلة للأسد مع قناة "سكاي نيوز عربية" الإماراتية في 9 أغسطس/آب 2023 سأل المذيع الأسد قائلا: "أعلنتم عن ترحيبكم بعودة اللاجئين، لكن البعض يتخوف من فكرة العقاب بعد العودة؟".

ليرد الأسد عليه كاذبا: "عاد نحو نصف مليون سوري خلال السنوات الماضية، ولم يسجن أحد".

وكثيرا ما أكدت تحقيقات استقصائية أن النظام السوري يعيد اعتقال أصحاب التسويات الأمنية من اللاجئين العائدين استنادا على دعاوى "جديدة" يتقدم بها أهالي عناصر من قواته.

وضمن هذا السياق، يرى الصحفي محمود كلاس، أن "نظام الأسد في الوقت الراهن لا يريد عودة اللاجئين إلى بلدهم ويربط الأمر بإعادة الإعمار ومساهمة الدول في ذلك وهو ما ترفضه دول الغرب قبل تحقيق انتقال سياسي".

وأضاف كلاس لـ “الاستقلال”: "لهذا يتعمد نظام الأسد الانتقام من العائدين من لبنان كونهم أبعدوا من هناك قسرا وليس لديهم خيار ثان غير مناطق النظام السوري".

واستدرك قائلا: "ولذلك هم يواجهون الموت والتعذيب النفسي والجسدي والانتقام على يد أجهزة مخابرات النظام السوري لإيصال رسائل تتعلق بوضع النظام السياسي على المستوى العربي والدولي".

ولفت إلى أن “ما تفعله مخابرات الأسد بحق اللاجئين العائدين في لبنان هي رسالة من النظام لدول أوروبا بمعنى أنه يوظف هذه الممارسات في الضغط لإعادة التطبيع معه مجددا وفتح قنوات اتصال جديدة”.

إلا أن هذا لن يحصل قبل تقديم تنازلات من النظام وانخراطه في الحل السياسي الذي سيضمن عودة آمنة للاجئين في الخارج، وفق الصحفي كلاس.

وعقب منح الأسد مقعد سوريا في الجامعة العربية في مايو 2023 بعد سحبه منه في نوفمبر 2011 لقمعه ثورة السوريين بالحديد والنار، ناقش النظام خلال الاجتماعات التحضيرية للقمة العربية في جدة السعودية عودة اللاجئين السوريين إلى مدنهم وقراهم.

وحينها زعم نائب وزير خارجية النظام السوري أيمن سوسان، أن النظام "فعل كل ما يترتب عليه" من أجل عودتهم بما في ذلك إصدار مراسيم العفو والمصالحات.

لكن سوسان قال إن “العودة تتطلب مقومات وتوفير خدمات في مناطقهم، وذلك لا يتحقق إلا بإطلاق إعادة الإعمار في سوريا”.

وأضاف: “هنا ندرك التلازم بين عودة المهجرين وإعادة الإعمار لتوفير العودة الكريمة لهم”. 

واستدرك: "لكن هل تتم إعادة الإعمار بوجود عقوبات وحصار اقتصادي، فالدول التي تمارس تلك الإجراءات القسرية على الشعب السوري هي التي تعيق عودة المهجرين السوريين إلى بلدهم".

ويلاحظ من خلال تصريحات مسؤولي نظام الأسد ربط عودة اللاجئين بإطلاق إعادة الإعمار، وهذه محاولة غير مباشرة لتجاوز الحل السياسي طبقا للقرارات الأممية.

وسبق أن زعم وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد في سبتمبر/أيلول 2023 أن "سوريا ترحب بعودة جميع اللاجئين إلى وطنهم وتقدم كل ما بوسعها لتسهيل عودتهم".

وادعى حينها أن “ما يعيق عودتهم هي العواقب الناجمة عن استمرار الاحتلال التركي والأميركي لشمال سوريا الغربي وشمالها الشرقي ونهب ثرواتها بالإضافة إلى الآثار الكارثية لاستمرار تطبيق الإجراءات الاقتصادية غير الشرعية المفروضة على البلاد من قبل الدول الغربية المعادية”.