وعود وقيود.. لماذا يضغط ماكرون على شركات الأسلحة بفرنسا لتسريع الإنتاج؟

منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

في أعقاب الغزو الروسي على أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، دعت فرنسا شركات الأسلحة على أراضيها لتبني مبدأ "اقتصاد الحرب". 

وبات من الواضح مدى تأثر الصناعات الدفاعية الفرنسية بطلبات الذخيرة والأسلحة التي وعدت باريس حلفاءها بتوفيرها، لا سيما أوكرانيا ودول شرق أوروبا.

وتيرة سريعة

وفي هذا السياق، أكد وزير القوات المسلحة سيباستيان ليكورنو في 26 مارس/ آذار 2024، ضرورة "إنتاج مزيد من الذخائر والأسلحة وبشكل أسرع" من أجل ضمان احتياجات الجيش والحفاظ على دعم أوكرانيا.

وأعلن خلال مؤتمر صحفي غير مسبوق في باريس بمقر هيئة الأركان العامة للجيش أنه يدرس جديا إرسال طلبات إلى الشركات المصنعة في قطاع الأسلحة لتسريع الإنتاج، للمرة الأولى منذ بدء الحرب في أوكرانيا.

وهددت الحكومة الفرنسية شركات الدفاع المحلية بإجراءات تشمل طلبات الشراء؛ من أجل تحديد أولويات الطلب لتسريع إنتاج الصواريخ وقذائف المدفعية.

كما تضغط الحكومة على شركات الدفاع لتقصير أوقات تسليم أي شيء بدءا من صواريخ MMP المضادة للدبابات إلى قذائف 155 ملم لمدافع هاوتزر "قيصر".

وقال ليكورنو إن شركات الدفاع الفرنسية تحتاج إلى إنتاج المزيد وبشكل أسرع، لمساعدة أوكرانيا وأيضا لتأمين عقود التصدير، التي تعد أساسية للحفاظ على نموذج الصناعة الدفاعية الفرنسي.

ويعد الضغط الذي يحاول الوزير ممارسته بمثابة خطوة ملموسة في أعقاب التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون في يونيو/حزيران 2022 لدعم كييف، والمتمثل في اعتماد ما أسماه "اقتصاد الحرب".

ويأتي كلام وزير القوات المسلحة الفرنسية، بعدما فقدت باريس "بعض العقود"، خاصة في أوروبا الشرقية؛ لأن أوقات التسليم كانت أسوأ مما كان يقدمه المنافسون.

ولهذا تهدف فرنسا إلى التحرك "بسرعة كبيرة" في إنتاج 40 ألف قذيفة 155 ملم سنويا، ثم "بسرعة كبيرة" إلى 100 ألف إلى 150 ألف قذيفة سنويا، وفق القوات المسلحة الفرنسية.

والهدف في الوقت الراهن هو 100 ألف قذيفة في عام 2024، بما في ذلك 80 ألفا لأوكرانيا التي تدعمها فرنسا لمواجهة الغزو الروسي، و20 ألفا للجيش الفرنسي.

وتلك الأرقام المطلوبة تكشف حجم النقص في الذخيرة الفرنسية، مقارنة بـ 30 ألفا جرى تسليمها إلى أوكرانيا منذ بداية الحرب.

وضمن هذا السياق، فقد رأى ليكورنو أن البارود الأسود هو عنق الزجاجة الرئيس، إذ تقوم فرنسا بتحديد مصادر البارود، على سبيل المثال من خلال إعادة تدوير الذخائر القديمة.

وتضمن قانون الميزانية العسكرية الفرنسي لعام 2023 إمكانية الطلب وإعطاء الأولوية لطلبات المصلحة العامة ومطالبة الشركات المصنعة بالاحتفاظ بالحد الأدنى من الإمدادات الحيوية.

"وجه مظلم"

ويؤكد خبراء اقتصاديون أنه يمكن للجيش الفرنسي أن يستولي على أي إنتاج عسكري لصالحه مع تعويض المتضرر ماديا.

وهذا ما يعكس "الوجه المظلم لاقتصاد الحرب المتمثل بتخفيض الصادرات ورفع الواردات وتقليص الدعم المدني وتقليص الاستثمار".

وهذا ما يعني "تبني سياسات انكماشية حادة في ظل التضخم الراهن، والذي يمكن القول بناء عليه إن فرنسا على أعتاب تضخم ركودي".

وفي فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا، تباطأ التضخم بنسبة 2,9 بالمئة، بعدما سجل 3,1 بالمئة في يناير 2024، بحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE).

وجاء الانخفاض السنوي الفرنسي على وقع تراجع أسعار المواد الغذائية والمنتجات المصنعة والخدمات بينما تسارعت أسعار الطاقة.

غير أن التضخم ارتفع بنسبة 0,8 بالمئة بين يناير وفبراير 2024 بعد تراجع شهري بنسبة 0,2 بالمئة وفق المعهد المذكور آنفا.

وتعود الزيادة الشهرية إلى ارتفاع أسعار الخدمات، بما فيها الإيجارات والنقل، وكذلك الطاقة والمنتجات المصنعة والتبغ.

ورأت وكالة موديز للتصنيف الائتماني في 27 مارس 2024 أنه "من غير المرجح" أن تحقق فرنسا هدفها خفض العجز العام إلى 2,7 بالمئة بحلول عام 2027.

وأوضحت أن المدخرات الإضافية البالغة 10 مليارات دولار في عام 2024 غير كافية "لإعادة الحكومة إلى مسار الميزانية المخطط لها".

وذكرت موديز في بيان أن الإعلان عن تراجع العجز إلى 5,5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في 2023 "يجعل من غير المحتمل" أن تحقق الحكومة هدفها خفض العجز إلى 2,7 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2027، كما هو منصوص عليه في خطتها للموازنة على المدى المتوسط التي عرضتها في سبتمبر 2023.

وأضافت الوكالة الأميركية التي ينص جدولها الزمني على تحديث التصنيف الفرنسي في 26 أبريل 2024، أن هذا الرأي المنشور ليس تصنيفا بالمعنى الحقيقي.

من جانبه، أشار المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في مارس 2024 إلى أن العجز الذي بلغ 5,5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2023، تجاوز بـ15,8 مليار يورو و0,6 نقطة مئوية، توقعات الحكومة التي كانت 4,9 بالمئة، ما يزيد من تعقيد هدف خفض الديون الذي أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لو مير.

من جهتها أعلنت اللجنة المالية في مجلس الشيوخ الفرنسي أخيرا إطلاق مهمة برلمانية بشأن تدهور العجز العام و"نقص معلومات البرلمان" حول الوضع في سياق حساس يتعلق بتراجع الميزانية.

ومنذ نهاية 2023، حذر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لو مير، من أن المخاطر الأبرز على الاقتصاد حاليا هي "جيوسياسية"، وستكون لها عواقب "ثقيلة" على النمو وأسعار الطاقة في العالم، لا سيما إذا توسع النزاع بين حماس وإسرائيل.

كما يضغط الوضع المتوتر في البحر الأحمر على باريس، منذ أن هاجم الحوثيون السفن المرتبطة بإسرائيل منذ نوفمبر 2023، في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، "تضامنا مع الفلسطينيين في غزة".

وأدى ذلك؛ إلى تعطيل طرق التجارة البحرية التي تعبر الممر المائي الحيوي من شحنات البضائع والطاقة وغيرها التي تنتقل من آسيا والشرق الأوسط إلى أوروبا.

ورغم أن فرنسا غير مشتركة في تحالف "حارس الازدهار" البحري الدولي لردع الحوثيين الذي شكلته واشنطن؛ بهدف "حماية" الملاحة في المنطقة الإستراتيجية التي تمر عبرها 12 بالمئة من التجارة العالمية، إلا أن باريس اضطرت لشن هجمات في هذا الإطار.

فقد أطلقت فرقاطات تابعة للبحرية الفرنسية 22 صاروخا من طراز أستر ضد طائرات الحوثيين بدون طيار والصواريخ الباليستية منذ انتشارها في البحر الأحمر.

"اقتصاد الحرب"

ولعل هذا وفق خبراء عسكريين ما يضغط على فرنسا لتعزيز صناعاتها الدفاعية؛ عقب حرب أوكرانيا وخوض إسرائيل هجوما على قطاع غزة، ودخول الحوثيين على الخط.

وأمام ذلك، تخطط فرنسا لمضاعفة طلبيتها لصواريخ أستر بعيدة المدى إلى 400، بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 2 مليار يورو، أو 2.2 مليار دولار.

وكانت شركة MBDA قد خططت لتسليم الصواريخ الأولى في عام 2026، وتطلب وزارة الدفاع الفرنسية الآن بدء عمليات التسليم في النصف الثاني من عام 2024.

إذ إنه على خلفية الحرب في أوكرانيا التي أبرزت نقص فرنسا في المخزون، فتح الرئيس الفرنسي الباب أمام زيادة جديدة في الإنفاق العسكري.

وقدم ماكرون في 13 يونيو 2022 "إعادة تقييم" لقانون تخطيط الميزانية العسكري التي تخطط للإنفاق العسكري حتى عام 2025. وأضاف ماكرون أن "إعادة التقييم" هذه يجب أن تقود فرنسا إلى "اقتصاد الحرب".

وبعد سنوات من انخفاض الإنفاق العسكري الفرنسي، بدأت موازنة القوات المسلحة في الزيادة عام 2017.

والآن تبلغ قيمتها 40.9 مليار يورو سنويا، ومن المتوقع أن تصل إلى 50 مليارا بحلول عام 2025.

إلا أن البرامج المخصصة لهذا الإنفاق تخضع لمراجعة سنوية بما يتماشى مع تغير الأولويات الإستراتيجية، ويجب أن يوافق البرلمان كل عام على زيادة الميزانية.

وبالتالي وفق صحيفة "ليموند" فإن السؤال الحالي ذو شقين: ما إذا كانت الزيادة المقررة في الميزانية في البداية لعام 2023 (والتي تصل إلى 3 مليارات يورو) سيتم الحفاظ عليها أو زيادتها، وما إذا كان سيتم استخدام جزء منها لمخزونات الأسلحة أو ما إذا كان سيتم تأجيل هذا الإنفاق إلى عام 2025.

اللافت أن فرنسا وأوكرانيا وقعتا على اتفاقية دفاع في 16 فبراير 2024 لتزود كييف بمساعدات عسكرية بقيمة "تصل إلى 3 مليارات يورو" في عام 2024.

لكن لا يزال تمويل هذا الدعم غير واضح للغاية، بالنظر إلى أن الحكومة الفرنسية أعلنت بشكل منفصل عن تدابير لخفض الإنفاق بمقدار 10 مليارات يورو لعام 2024.

إذ يقول العديد من المشرعين في الائتلاف الحاكم إنهم يتعرضون بانتظام لاستجواب الناخبين في دوائرهم الانتخابية، والذين يقولون إنهم لا يفهمون سبب منح الحكومة "3 مليارات يورو لأوكرانيا" في وقت تكون فيه الخناق على وشك تشديد الميزانية، وفي ظل الحديث عن إمكانية زيادة الضرائب على الفرنسيين.

وتتعرض فرنسا لضغوط لإنتاج المزيد من الأسلحة بعد تراجعها منذ نهاية الحرب الباردة 1991.

ولهذا راهنا تدفع باريس صناعة الأسلحة لديها لإنتاج المزيد وبشكل أسرع لتزويد القوات المسلحة الفرنسية، ومواصلة الدعم لأوكرانيا ضد الغزو الروسي، الذي دخل الآن عامه الثالث.

لكن بالمقابل، فإن طلب تسريع إنتاج الأسلحة ليس بالأمر السهل عمليا، خاصة في ظل التزامات فرنسا تجاه احتياجات حلفائها، أو لتلبية عقود شراء الأسلحة المبرمة مع الدول.

وهنا يقول أنتوني سيسبرون أحد خبراء تصنيع الأسلحة الفرنسية في لقاء مع "فرانس 24": "يصعب علينا إيجاد موظفين مؤهلين والتدريب يستغرق من ستة أشهر لعام لهذا مضطرون للتفكير في المستقبل لتلبية الطلب من إنتاج الأسلحة".

الكلمات المفتاحية