انتخابات بلدية تحت الركام.. ما جدوى صناديق 25 أبريل في فلسطين؟

حُصر الاقتراع الخاص بقطاع غزة في مدينة دير البلح فقط
بينما ما يزال قطاع غزة يعيش فوق أنقاض حرب مدمرة، وفي وقت تتسارع فيه الاقتحامات الإسرائيلية والاعتداءات الاستيطانية في الضفة الغربية، تُطرح صناديق اقتراع بلدية في الشارع الفلسطيني يوم 25 أبريل/نيسان 2026.
منذ البداية، يكشف القرار الانتخابي نفسه عن حجم الاختلال في المشهد، فالمفوضية الفلسطينية للانتخابات قالت إن إجراء هذه العملية في كامل قطاع غزة "صعب للغاية"، ولذلك حُصر الاقتراع في مدينة دير البلح فقط (الأقل دمارا بفعل الحرب)، بالتوازي مع 420 هيئة محلية في الضفة الغربية.
بهذا المعنى، لا تبدأ الانتخابات التي أقرتها الحكومة الفلسطينية بالضفة الغربية نهاية العام 2025، من افتراض حياة سياسية طبيعية، بل من محاولة الحفاظ على حد أدنى من الشكل الانتخابي في جغرافيا ممزقة أصلًا.

ظروف معقدة
في غزة، لا تبدو المشكلة تقنية أو إجرائية بقدر ما هي بنيوية، فبحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، دُمّرت شبكات المياه والصرف الصحي في القطاع "على نحو يكاد يكون كاملًا" خلال سنتي الحرب.
بينما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في 27 مارس/آذار بأن نصيب الفرد من مياه الشرب المتاحة بات يتراوح بين 4.5 و6 لترات يوميًا فقط، مع استمرار أعمال إصلاح موضعية لخطوط مياه وآبار ومجاري مفتوحة.
في مثل هذا السياق، لا تبدو البلديات في لحظة اختبار انتخابي فقط، بل أمام سؤال وجودي يتعلق أصلًا بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية كالماء والصرف والنظافة العامة.
أما في الضفة الغربية، فإن ظرف الانتخابات ليس أقل حرجًا، بل مختلف في طبيعته، إذ قال مكتب أوتشا في مارس: إن أكثر من 36 ألف فلسطيني هُجّروا قسرًا خلال عام واحد بفعل التوسع الاستيطاني وانتهاكات المستوطنين.
ووثّق التقرير تسارعا واسعا في الضم الزاحف، شمل الدفع ببناء أو إقرار نحو 27,200 وحدة استيطانية في بقية الضفة و36,973 وحدة في شرق القدس، إلى جانب إنشاء 84 بؤرة جديدة للمستوطنين.
وبحسب ما أعلنت "أوتشا" في 2 أبريل/نيسان، شهد شهر مارس وحده أكثر من 200 هجوم استيطاني في أكثر من 100 تجمع فلسطيني، بمعدل يقارب ستة اعتداءات يوميًا.
لذلك، تأتي الانتخابات في فضاء يتعرض لعدوان وانتهاكات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وأيضًا لتفكيك جغرافي واجتماعي بالضفة الغربية.
وهو ما يطعن في جدوى استبدال إدارات المجتمع المحلي، ويحول العملية إلى فعل بقاء رمزي أكثر منه محطة تنافس ديمقراطي مكتمل الشروط.
وبلغ عدد الهيئات المحلية في فلسطين 445، منها 420 في الضفة و25 في غزة، وتشمل 161 مجلسا بلديا و284 مجلسا محليا (أصغر من المجلس البلدي).
وفي 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، ذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" أن وزارة الحكم المحلي أعلنت تحويل المجالس البلدية إلى تسيير أعمال بدءا من 11 ديسمبر/كانون الأول من نفس العام وحتى إجراء الانتخابات، بعد انتهاء دورتها الانتخابية بمرور 4 سنوات.
وكانت الانتخابات المحلية قد أُجريت في الضفة عام 2021 على مرحلتين، فيما قرر مجلس الوزراء تأجيل عقدها في غزة "إلى حين توفر الظروف الملائمة"، على خلفية الانقسام الفلسطيني والخلافات مع حركة "حماس".
إذ تعاني الساحة الفلسطينية من انقسام سياسي منذ عام 2007؛ حيث تدير حركة حماس الأوضاع في غزة، في حين تدير الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة "فتح" بزعامة الرئيس محمود عباس، الضفة الغربية.

منافسة محدودة
الأرقام النهائية التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية في 31 مارس تؤكد طبيعة المنافسة الضيقة للعملية الانتخابية.
فمن أصل 421 هيئة محلية ستشملها العملية، لن تشهد المنافسة الفعلية سوى 184 منها فقط، بينها 91 بلدية و93 مجلسًا قرويًا، فيما ستُحسم 197 هيئة بالتزكية، بينما بقيت 40 هيئة بلا مرشحين أو قوائم أصلًا. وبالتوازي، بلغ عدد الناخبين المؤهلين 1.04 مليون.
هذه الخريطة تشير إلى أن الانتخابات محدودة جغرافيًا، إذ إن أكثر من نصف الهيئات لن تشهد تنافسًا انتخابيًا فعليًا، ما يضعف تلقائيًا القدرة التمثيلية للعملية ويحوّل جزءًا معتبرًا منها إلى إعادة تشكيل مجالس لا إلى صراع برامج وخيارات.
إلى جانب ذلك، غيّر مرسوم بقانون رقم 23 لسنة 2025 اللعبة نفسها بعد أن جعل الترشح في المجالس البلدية عبر نظام التمثيل النسبي بالقوائم المفتوحة، بينما أبقى المجالس القروية على الترشح الفردي وفق نظام الأغلبية.
وخفّض القانون الصادر في نوفمبر 2025 سن الترشح إلى 23 عامًا، ورفع الحد الأدنى لتمثيل المرأة في القوائم البلدية إلى 3 نساء في المجالس ذات 11 مقعدًا و4 في المجالس ذات 13 أو 15 مقعدًا، واشترط على بعض الموظفين العموميين ومن هم في مواقع تنفيذية أو خدمية الاستقالة قبل الترشح.
في الظاهر، يوحي ذلك بتحديث قانوني وتنظيمي، لكن أثره العملي قد يكون أضيق كثيرًا من صورته الإصلاحية، لأن القانون لا يعمل في بيئة سياسية مستقرة أو متكافئة.
وخاصة أن تعديلا على القانون صدر في يناير/كانون الثاني 2026 أضاف شرطًا سياسيًا جديدًا، أوجب على المرشحين الإقرار بالتزامهم بمنظمة التحرير الفلسطينية "ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".
وتضع هذه الصياغة سقفًا سياسيًا مسبقًا، إذ تعني عدم مشاركة الفصائل الأخرى (أو المنتمين لها) التي تختلف مع برنامج منظمة التحرير وخاصة في مسألة رفض الاعتراف بإسرائيل.
وحذرت حركة حماس، من إجراء الانتخابات المحلية وفقا للقانون الجديد، مقدرة أنه “يتماهى مع رؤية الاحتلال الرامية إلى مزيد من الرضوخ والتبعية، وتجزئة الضفة”.
بدوره، أكد المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية أن شروط الترشح الجديدة "تخنق التمثيل الحقيقي" وتحد من إمكانية دخول ناشطين أو قوى لا تتبنى سقف اتفاقيات أوسلو للسلام 1993 أو برنامج منظمة التحرير بصيغته الحالية.
وهكذا، لا يضيق نطاق الانتخابات بفعل الأوضاع الكارثية في غزة والضفة فقط، بل أيضًا بسبب القانون نفسه، ولهذا، يُرجّح أن تكون المنافسة الفعلية أقل حزبية وأكثر محلية.
ويتمثل ذلك بقوائم محسوبة على حركة التحرير الوطني "فتح" مباشرة أو بصورة غير معلنة، إلى جانب مستقلين وعائلات وشبكات خدمات محلية، مع حضور أضعف للفصائل الأخرى، وهو أمر غير جديد تمامًا.
ففي انتخابات 2021-2022، كانت الغالبية الكبرى من القوائم مستقلة شكليًا، لكن كثيرًا منها كان يرتبط على نحو فضفاض بـ"فتح" أو بعائلات وروابط محلية، ولم تشهد الجولة الأولى آنذاك منافسة فعلية إلا في 154 هيئة من أصل 376، وفق المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية.
لذلك، يبدو أن انتخابات 2026 تكرر النمط نفسه ولكن تحت شروط أشد قسوة أبرزها التنافس المحدود والتمثيل الموضعي، والسياسة المحلية البعيدة عن الأحزاب الكبرى لمصلحة شبكات العائلة والخدمة والنفوذ الاجتماعي.

أي جدوى؟
أمام هذه المعطيات، لا توحي البيئة الاجتماعية والسياسية بعودة قوية للثقة العامة، فقد أظهرت نتائج استطلاع "الباروميتر العربي" في يناير 2026 أن 76 بالمئة من سكان الضفة لا يثقون بحكومة السلطة الفلسطينية.
كما أظهر الاستطلاع أن 77 بالمئة لا يثقون بالرئيس الفلسطيني، فيما قال 51 بالمئة من الفلسطينيين إنهم لا ينتمون إلى أي فصيل سياسي. وحتى في غزة، حيث تختلف السلطة القائمة، لا تتجاوز الثقة بالحكومة هناك 32 بالمئة.
وهو ما يشير إلى أن الجمهور يزداد اغترابًا عن البنى السياسية القائمة، ويبحث عن الأمن والخدمة والنجاة أكثر من التمثيل المحلي بمعناه التقليدي.
ويرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الضفة الغربية تتفتت إلى جيوب معزولة يملأ الفراغ فيها فاعلون محليون ومجتمع مدني، بينما تتآكل قدرة السلطة على الحكم تحت ضغط الاحتلال والعقوبات المالية والجرائم المرتبطة بالاستيطان.
في المقابل، يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحكم المحلي في الضفة هو "الطبقة الوحيدة المتبقية" من النظام الفلسطيني كونها ما تزال تخضع لانتخابات دورية، ما يمنحها وزنًا خاصًا حتى في ظل الانكماش العام.
ويعني ذلك أن الانتخابات البلدية قد تحافظ على مساحات صغيرة للمساءلة والتمثيل المحلي، لكنها لا توازي عودة السياسة الوطنية، ولا تعالج أزمة الشرعية الفلسطينية الأوسع.
يقول الكاتب والباحث السياسي براء سلمان: إن الانتخابات المحلية تعد بمثابة اختبار لقدرة المجتمع الفلسطيني على تجديد نخبته المحلية وفتح المجال أمام وجوه جديدة تتحمل المسؤولية لربط الخدمة العامة بالمساءلة لا بالوراثة الاجتماعية أو الاحتكار السياسي.
وأضاف في مقال نشرته جريدة القدس المحلية: “تظهر أهمية القانون (الجديد) من أنه يخفف هيمنة القوائم المغلقة أو شبه المغلقة، ويلقي على كاهل أعضاء المجالس مسؤولية بوصفهم ممثلين عن المواطنين لا عن تنظيم (حركة) بعينه”.
إلا أن “هذا التحول والتغيير قد يوسع المشاركة الفردية، ويزيد من البرامج الشخصية على حساب نظيرتها السياسية المنظمة، وبالتالي غياب ثقافه انتخابيه ناضجه ما دفع بعض المجالس المحليه الى العزوف عن تقديم قوائم أو مرشحين والامتناع عن خوض الانتخابات”.
وأردف: "تعد الانتخابات المحلية استحقاقا وحاجه ملحة لتوفير تغذية راجعه وتصويب الأخطاء وتلبيه حاجات المواطنين في المجالس القروية والبلدية بشرط ان تدار بنزاهة وشفافيه".
فمن أجل إنجاح هذه التجرية، يعتقد سلمان أولا بضرورة أن تشمل الانتخابات كل الجغرافيا الفلسطينية بما فيها قطاع غزة.
وثانيا، حماية الانتخابات من الصراعات العائلية او الفصائلية حتى لا تصنع فجوه جديدة في المجتمع الفلسطيني الذي ما زال ينزف من جراحه القديمة.
وثالثا، حث المواطنين على المشاركة الفاعلة وممارسة حقهم دون تأثير عائلي أو حزبي لاختيار البرامج التي يراها تخدم بلدته، وفق تقديره.
أما مركز رؤية للتنمية السياسة فيؤكد أن قانون الانتخابات الجديد يمس جوهر المؤسسات الخدماتية التي تقدم خدمات مباشرة للمواطنين، بسبب ما يفرضه من قمع سياسي يتعلق بشرط الانحياز لبرنامج منظمة التحرير.
وقال: “هذا الأمر يؤثر على ثقة الشارع بالمجالس المحلية، ويضعف مكانتها ودورها في وقت شديد الحساسية والخطورة، خصوصا أن هناك مسعى إسرائيليا واضحا لتفكيك البنية المؤسساتية الفلسطينية بالضفة، لإحلال هيمنة إسرائيلية مكانها، وتعزيز الاستيطان على حساب الوجود الفلسطيني”.
المصادر
- Central Elections Commission: Holding local elections across Gaza remains highly challenging
- الانتخابات المحليه بين الحاجه واصلاح التمثيل
- الانتخابات المحلية الفلسطينية 2026.. جدلية القانون الجديد وانعكاساته
- UNRWA Commissioner-General on Gaza: Water Systems Devastated as UNRWA Delivers Lifeline
- UN says more than 36,000 Palestinians displaced by Israeli settlement drive
- Local Elections (2026)
- Palestinian Perceptions of Governance and Domestic Power Balance

















