الجزائر تشعل غضب الشارع السياسي التونسي بعد تسليم "أسد الثورة".. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

حملة انتقاد واسعة وغاضبة وجهها سياسيون وحقوقيون في تونس إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وحكومته، وذلك بعد تسليمهم إلى نظام قيس سعيَد البرلماني والمحامي المعارض سيف الدين مخلوف.

ونشرت شقيقة سيف الدين، نادية مخلوف، إخبارا في 18 يناير/كانون الثاني 2026، قالت فيه: إن ما وقع فيه "انتهاك خطير لكل القوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان وقوانين اللّجوء".

ورأت أن إقدام السلطات الجزائرية على تسليم مخلوف قسرا إلى السلطات التونسية، “هو خرق صارخ لمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع إعادة أي معارض سياسي إلى بلد يواجه فيه الاضطهاد والمحاكمات السياسية”.

غضب تونسي

وعن ظروف تسليمه، قالت مخلوف: إنه تم إبلاغ شقيقها بنقله إلى العاصمة الجزائرية للقيام ببعض الإجراءات الإدارية، حيث تم تغيير الوجهة سرا وتسليمه على الحدود التونسية، "في تصرف يجسد الغدر والاستهتار بالقانون الدولي"، وفق تعبيرها.

وشددت على أن "ما حصل ليس مجرد إجراء بروتوكولي عادي، بل يمثّل سابقة خطيرة تمسّ من جوهر حماية اللاجئين والمعارضين السياسيين، وأنه عار لا يستبعد من دول الظّلم والاستبداد التي لا تحترم أبسط حقوق مواطنيها".

التفاعلات الغاضبة مع قرار السلطات الجزائرية كانت واسعة، ومنها ما صدر عن الرئيس التونسي الأسبق محمد المنصف المرزوقي، والذي قال: إن تسليم مخلوف يأتي بعد احتجازه قرابة سنة ونصف السنة في الجزائر.

وقال المرزوقي في تدوينة عبر فيسبوك في 18 يناير، إن مخلوف هو نائب في البرلمان الشرعي الذي حله المنقلب قيس سعيّد، وكان قد التجأ للجزائر رفضا لأحكام قضائية انتقامية كالتي نالت كل المعارضين للانقلاب.

وشدد على أن تسليم مخلوف "وصمة عار في جبين السلطات الجزائرية وكل تقاليد العرب والمسلمين التي اتبعها حتى أكبر الطغاة تمنع أن يسلم المستجير بحماك ولو كان ألد الأعداء".

ورأى الرئيس الأسبق أن "تسليم مخلوف فيه انتهاك صارخ لكل المعايير الدولية بخصوص اللاجئين السياسيين، خاصة أن مخلوف كان محميا ومنتظر الوصول إلى جنيف بعد أن تكفلت المنظمة الأممية للاجئين بملفه".

بدوره، رأى القيادي بـ"جبهة الخلاص الوطني" المعارض في تونس، رياض الشعيبي، أن "ما أقدمت عليه السلطات الجزائرية مرفوض ومدان، وغريب عن موروث الشعب الجزائري والدولة الجزائرية التي احتضنت عديد المعارضين التونسيين".

وبحسب موقع "أنباء تونس" المحلي في 18 يناير، رأى الشعيبي أن "الجزائر الكبيرة بتاريخها وقيمها، ظهرت اليوم، وبما فعلته سلطاتها من تنكر لهذا التاريخ ولهذه القيم، أقل بكثير مما ارتسم في المخيال الجمعي التونسي".

واسترسل، وذلك "في عدم احترام للقانون الإنساني، وبأسلوب غادر (بعد أن تم قبول طلب لجوئه لإنجلترا)، ودون احترام لأبسط الإجراءات القانونية، تُسلم هذه السلطات معارضا تونسيا دون أي ضمانات لسلامته الجسدية وحقوقه الطبيعية..".

من جانبه، قال الإعلامي التونسي بقناة الحوار، صلاح الأزرق، تفاعلا مع الحدث: "اختلف كما تشاء مع هذا الرجل أو اتفق، إلا أنه مظلوم كما هو حال العشرات ممن يقبعون الآن في سجون الانقلاب".

وذكر الأزرق في تدوينة عبر "فيسبوك" في 18 يناير، أن "النظام الجزائري قام بترحيل مخلوف بطريقة مفاجئة إلى النظام المنقلب في تونس، بما يعد من التعاون على الإثم والعدوان".

واسترسل: "الغريب أن معلومات وصلتني تفيد أن عنصر أمن جزائريا تواصل بأسرته وأخبرها أن سيف الدين سيلتقي بأبنائه قريبا، ما فُهم منه أنه سيُسمح له بالمغادرة والالتحاق بعائلته، لكن مكرهم تنوء منه الجبال... الله المستعان".

تفاعلات مؤسسية

عدد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية والسياسية عبرت عن رفضها لما أقدمت عليه السلطات الجزائرية، ومنها بيان صادر عن "جمعية ضحايا التعذيب" في جنيف.

وعبرت عن إدانتها الشديدة لقيام السلطات الجزائرية بتسليم المحامي والسياسي التونسي ونائب الشعب عن دورة 2019-2024، مخلوف قسرا إلى السلطات التونسية، والذي يواجه أحكاما قضائية ذات خلفية سياسية واضحة.

وأضافت، حيث قضت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس، خلال شهر يناير 2026، بالحكم عليه غيابيا بخمس سنوات سجنا مع النفاذ العاجل.

وتابعت: "وقد أكّد مصدر قضائي أن النيابة العمومية أذنت بالاحتفاظ به فور تسليمه، استنادًا إلى تلك الأحكام"، مشددة أن "هذه المعطيات تؤكّد بشكل لا لبس فيه أنّ عملية التسليم تمت في سياق سياسي وقضائي متوتر، وفي ظل مخاطر جدّية وحقيقية على سلامته الجسدية وعلى حقه في محاكمة عادلة".

وأردفت، "وهو ما يجعل من قرار التسليم انتهاكا مباشرا لالتزامات الجزائر لكل من اتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وعلى وجه الخصوص لمبادئ الأمم المتحدة الخاصة بحماية اللاجئين والمعارضين السياسيين".

ودعت الجمعية "الهيئات الأممية والآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى التحرّك العاجل لمتابعة هذا الملف وضمان عدم تعرّضه للتعذيب أو المعاملة القاسية".

وطالبت بالإفراج الفوري عنه، ووقف كل الملاحقات ذات الطابع السياسي في حقه وفي حق جميع سجناء الرأي في تونس.

وأكدت الجمعية أن هذا التطوّر الخطير لن يمرّ دون متابعة قانونية وحقوقية على المستوى الدولي، وأنها ستواصل رصد الملف واتخاذ كل الخطوات المتاحة للدفاع عن حقوق الضحية وعن مبادئ العدالة وكرامة الإنسان.

من جهته، أدان "حزب ائتلاف الكرامة" التونسي بأشد العبارات ما وصفته بـ"جريمة تسليم الأستاذ والمحامي والناشط السياسي أسد الثورة، المناضل مخلوف، رئيس المكتب السياسي للحزب، من قبل النظام الجزائري إلى سلطات الانقلاب".

ورأى الحزب في بيان بالمناسبة، أن ما وقع يعد "خطوة خطيرة، تُمثل تواطؤا مع منظومة القمع والاستبداد، ومشاركة في تنفيذ أحكام مسيّسة تفتقد لأدنى الضمانات القضائية".

واسترسل: "وذلك في تناقض صارخ مع ما يدّعيه النظام الجزائري من حياد، ووقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف السياسية المتنازعة في تونس".

وأشار الحزب إلى أن “مخلوف طالبُ لجوء سياسي، وقد تم قبول ملفه من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ولم تبقَ سوى إجراءات بسيطة لإتمام الحماية الدولية، وأن تسليمه في هذا السياق يمثّل خيانة للمبادئ الإنسانية والقانونية”.

وذكر أن “الحكم الغيابي بالسجن خمس سنوات مع النفاذ العاجل، الصادر في 14 يناير 2026، عيد الثورة التونسية، لم يكن سوى هدية مسمومة للثورة ولأسدها المناضل مخلوف، في رسالة انتقامية تؤكد أن منظومة الانقلاب لا تعادي الأفراد فقط، بل تعادي الثورة وقيمها ومكتسباتها”.

ودعا الحزب “القوى الوطنية الحية، وكل الغيورين على الحرية والكرامة في تونس وخارجها، إلى ”التحرك العاجل لفضح هذه الجريمة السياسية، ورفع الصوت عاليا للضغط من أجل إطلاق سراح أسد الثورة مخلوف فورا، والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين والمظلومين في سجون الانقلاب".

قراءة سياسية

في قراءته لهذه التفاعلات، قال الناشط الإعلامي والسياسي التونسي نصر الدين السويلمي: إن “ما جرى يستدعي العودة إلى نقطة البداية، وهي أن مخلوف ليس بالرجل العادي، بل هو برلماني، ورئيس حزب، ورجل قانون، وشاب ثائر ضد الاستعمار الثقافي الاقتصادي الفرنسي لبلاده وبلدان المنطقة، وضد الكيان الصهيوني”.

وذكر السويلمي لـ "الاستقلال" أن “مخلوف لجأ إلى الجزائر من ظلم الانقلاب في تونس، وهو على يقين أنه وإن لم تسعه السلطة الجزائرية، يسعه الرصيد النضالي للجزائر”.

وأردف: “لذلك كان يقينه أكبر بأن الدولة الجزائرية التي لم تسلم الملياردير نبيل القروي، ومكنته من المطلوب حتى يبلغ مأمنه عند فرنسا، من باب أولى ألا تسلم الأستاذ المناضل مخلوف”.

واستدرك السويلمي متأسفا: “غير أن السلطة الجزائرية داست على كل المضامين الجميلة، وركلت أخلاق وأدبيات ثورة إنسانية خالدة، وتسلحت بأقصى درجات الغدر، بعد أن سلمت الشاب المناضل الثائر إلى المنقلب قيس سعيد، والذي يعاني من الكراهية المغلظة نتيجة لعقد نفسية حادة”.

واستطرد: "أي نعم، لقد باعت سلطات الجزائر الرجل الشهم سيف الدين بثمن بخس وكانت فيه من الزاهدين".

ودعا الناشط الإعلامي والسياسي إلى "مواجهة المنقلب قيس سعيّد، والوقوف في وجه كل أدواته، سواء أكانت أشخاصا أو هيئات، لإنقاذ تونس من هذا الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الكارثي الذي تعاني منه".

ورأى السويلمي أن "النجاح في هذا مشروط بوعي مجتمعي عام، خاصة من القوى الحية، السياسية والحقوقية والإعلامية والأكاديمية وغيرها، يتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية المقيتة والمتعصبة، وينتصر لمبادئ ثورة 2011، وعلى رأسها الحرية والعدالة والديمقراطية".