Tuesday 20 October, 2020

صحيفة الاستقلال

الإلحاد بين اللاجئين السوريين.. الأسباب والسياقات

تشكل مواقع التواصل الاجتماعي ملجأ للمتحولين الجدد إلا أنها في الوقت ذاته تسبغ على تحولاتهم سمة التهرب والتمرد
حجم الخط
المحتويات
تمهيد      
الدين والإلحاد، مقدمة وتعريف
الفصل الأول: عينات نموذجية من إلحاد اللاجئين السوريين، دراسة حالات
ـ مقدمة في التحول
ـ عينات الدراسة: عرض وصف
ـ أنماط التحول
ـ أنشطة مجتمع التحول
الفصل الثاني: أسباب التحول نحو الإلحاد واللادينية
أولا: الأسباب المتكررة
ـ الاتفاق على بشرية الأديان
ـ الإيمان بمبدأ الحرية والخروج عن السياق المفروض
ـ الواقع الاجتماعي في سورية
ـ الوثوقية العلموية
ـ أي إله"
ـ عبثية الوجود وانتشار الآلام في الحياة
ـ الانفتاح الفكري وحرية التعبير
ـ محدودية العقل
ثانيا: أسباب متفرقة
الفصل الثالث: قراءة تحليلية في أنماط التحول وأسبابه
ـ سياقات أساسيات لعوامل التحول
ـ التحول ضد الجماعة كسياق انتقامي
الخاتمة

تمهيد

لا يعد "الإلحاد" الفردي ظاهرة طارئة على الفكر الإنساني، إذ إنه –بالرغم من ضعف انتشاره العلني في مختلف البلاد الإسلامية- إلا أنه موغل –كنزعات فردية- في التاريخ، بخلاف ظاهرة التدين ذات الطابع الجماعي، إلا أنه في شأنه التاريخي قديم كشأن البحث والحديث في الإيمان والألوهية.

تتنوع ركائز الإلحاد –بطبيعة الحال- بتنوع الرؤى والسياقات والبواعث النفسية والاجتماعية التي تحيط بالشخص "الملحد"، ورغم ذلك فإن انتشاره ظاهرة متفشية لم يرصد تاريخيا إلا بالتوازي مع ظروف اجتماعية معينة، سواء في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أو مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية في قرننا الحالي؛ ومن ثم فإنه لا بد من الوقوف على التفشي المتصاعد لأوجه الإلحاد المختلفة لتوصيفها حالة مترسخة أم ظاهرة تفرزها أسباب مختلفة، إضافة إلى رصد أهم هذه الأسباب التي تدفع بعض الشباب من شرائح معينة -كشريحة شباب المغتربين السوريين- للتحول إليها أو الاقتراب من أحد أوجهها، كالإيمان بمبدأ الربوبية دون الإيمان بالأديان.


الدين والإلحاد، مقدمة وتعريف

يستدعي البحث التطرق إلى بيان أبرز المعاني المتعلقة بمصطلحي "الدين" و"الإلحاد"، لا لإزالة اللبس عنهما وإنما لتحديد النطاق الذي تدخل فيه هذه الدراسة، فالدين -باعتباره الظاهرة الأكثر رسوخا في الاجتماع الإنساني- يعرف بأنه سمة تميّز المجتمعات البشرية حيث تنسج التعاليم والحكايا والقصص والأساطير حول مبدأ الإنسان ومصيره، ومثلها في تعليل ظواهر الكون وأحداثه، وتصوير القوة التي تخضع لها هذه الظواهر في ماضيها ونشأتها ومآلاتها[1].

يُعرّف الدين -على اختلاف تصنيفاته- بأنه الاعتقاد بوجود كائنات روحية سامية، أو الإيمان بنسق معين من المعتقدات والممارسات المفسرة لمشكلات الحياة الإنسانية وأسئلتها، أو أنه نسق من الرموز تتفاعل في حياة المرء لتقدم له فهما معينا عن العالم[2].

إضافة إلى تعريف الدين بأنه الشعور بواجبات الإنسان تجاه ما حوله من حيث استناده على مجموعة من الأوامر الإلهية والعقائد والعبادات المتصلة بالعالم المقدس، والتي تنظم سلوك الإنسان حيال هذا العالم، بحيث تؤلف هذه المجموعة وحدة دينية تعطي المؤمنين بها صبغة هوياتية متميزة[3].

وتدخل في هذه التعريفات عموم الأديان، إلا أن الاختلاف في تعريف هذه الظاهرة يعود لاختلاف تفسيرات الدين لدى الجماعات البشرية في مختلف مناطق العالم، بدءا من المجتمعات البدائية، مرورا بالمجتمعات المؤمنة بالديانات الطبيعية والحلولية، وانتهاء بالمجتمعات المعتنقة للديانات السماوية[4].

بوجهه الأول، فإن الإلحاد يُعرّف بأنه "إنكار الألوهية"[5]، وبذلك فإن الملحد هو من لا يؤمن بوجود إله[6]، أو يؤمن ببطلان الأدلة التي تثبت وجوده، فيترجح جانب رفضه على الشك به[7]، كما أن الملحد لا يملك اعتقادا دينيا يدفعه للإيمان بالغيبيات، أما "اللادينية" فغالبا ما تكون أخص منه فتقتصر على الإيمان بالألوهية دون الإيمان بالنبوات والأديان السماوية أو البشرية وتشريعات كل منهما، وتتسق معها نزعة اللاأدرية (مشتقة من "لا أدري") التي تتسم بعدم الجزم بالألوهية من حيث النفي والإثبات، وكذلك شأنها مع الأديان ومستلزمات الإيمان بعقائدها المختلفة.

تقترب الإشارات الاصطلاحية للإلحاد من دلالته اللغوية، فالإلحاد -كما يوضح لسان العرب- هو "الميل عن الحق إلى الباطل"، ولذا يدخل فيه الظلم ورد معتقدات دين الإسلام[8]، وبذلك اللغة تعطي الدلالة سعة تتجاوز محددات التعريف الفلسفي، وهذا يغني البحث في أنماط الإلحاد وأقسامه والجدال المرتبط بمدى القطعية التي يقول بها الشخص ذاته، فالإلحاد الجذري المنكر لجميع الأديان ومبدأ الألوهية، مختلف عن موقف "اللا أدري" المطلق، والذي يتوقف في القطع بوجود الألوهية أو نفيها، دون ترجيح لأحدهما على الآخر بشكل جذري، وهو بطبيعة الحال مختلف عن القائل بـ "اللاأدرية" التي لا تقطع بنفي الألوهية أو إثباتها إلا أنها ترفض الأديان ومقولاتها.

يمكن القول: إنه ما من أيديولوجية واحدة يلتزم بها الموصوفون بدلالة الإلحاد اللغوية، وعلى المنوال ذاته فإن إيجاد مدرسة فلسفية واحدة تجمع أصناف الإلحاد أمر عسير، فمنهم من ينطوي تحت المدرسة المادية أو الوضعية أو العلموية الطبيعية أو الشكية المطلقة، خاصة فيما يتصل بعالم الماورائيات، إلا أن الاتفاق في مجموعة من السلوكيات -كالقول بحرية الخيارات الجنسية- سمة ملاصقة لهذه الفئات.


الفصل الأول: عينات نموذجية من إلحاد اللاجئين السوريين، دراسة حالات

مقدمة في التحول

ترافقت الثورة السورية مع تصاعد في الحماس الديني واشتعال المشاعر الوجدانية الشعبية المرافقة له، إلا أن تأزم العنف وارتفاع حدة الصراع وهجرة ملايين الأشخاص إلى مختلف البلاد دفع مزيدا من التحولات المجتمعية للظهور، بدءا من ازدياد حدة التطرف الديني وصولا إلى الجهة المقابلة التي أظهرت مستويات مختلفة من التخلي عن أنماط الالتزام الديني، سواء من حيث التشكيك والجدال في بعض النصوص وأحكام الفقه والتشريع الديني وصولا إلى الإلحاد والتخلي عن مقولات الإيمان بشكل نهائي أو جزئي.

في هذا السياق يمكن ملاحظة أن نقد الإسلام/الأديان والاستهزاء به/ـها بات أمرا مشتهرا على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع انتشار التعاطف الكبير مع قضايا مختلفة كالمثلية وحق الانتحار ورفض السخرية من هذه القضايا لدى شرائح مختلفة لدى شباب المغتربين السوريين، إضافة إلى ذلك، فإن كثيرا من الشباب –بشكل خاص- في أوروبا يتخلون عن مختلف العبادات والعقائد التي سبق أن اعتقدوها كليا/جزئيا قبل وصولهم إلى تلك البلاد، حتى بات الأمر يتحول تدريجيا إلى ظاهرة دعت عددا من علماء الفقه السوريين -كالشيخ أسامة الرفاعي- للتحذير من تزايد هذه الظاهرة والرد على الإلحاد والملحدين[9].

لا تتوفر دراسات وإحصاءات تبين مدى انتشار هذه التحولات في صفوف الشباب السوريين المغتربين، ولذا فإن هذه الدراسة جاءت بهدف رصد أهم الأسباب التي تدفع الشباب للتحول عن أنماط التدين المعهودة في سوريا، وذلك من خلال تطبيق مبدأ "النماذج البُؤَرية"، والتي تتضمن تحديد شريحة معينة، وانتقاء نماذج منها ومحاورتها ثم كتابة خلاصات تقاطع مفاصل الظاهرة والمشتركات التي بينهم.


عينات الدراسة: عرض وصفي

لا بد من الإشارة –في هذا المستهل- إلى أن جميع الأسماء المثبتة في الشكل رقم (1) هي أسماء مستعارة وقد فضلت العينات هذه الأسماء بالذات، إلا عينة واحدة قبلت الإشارة إليها باسمها الصريح[10].

قابل معد الدراسة 10 عينات ممن يطلق على نفسه وصف اللاديني أو الملحد أو اللاأدري، 9 من هذه العينات كانوا في أسر مسلمة، وواحد كان في أسرة مسيحية. وهم من حيث الجنس 9 ذكور وأنثى وحيدة.

تقيم هذه العينات في 5 دول، 4 في ألمانيا، واثنتان في النمسا، واثنتان في السويد، وواحدة في بلجيكا، وأخرى في هولندا، وجميعهم وصلوا إلى المهجر بعد عام 2013، وتتراوح أعمارهم بين 25 سنة إلى 35، إضافة إلى كونهم من بيئات سورية متدينة تدينا تقليديا ومن محافظات مختلفة، حيث إن 3 منها من حلب، واثنتان من دمشق، وتتوزع البقية بين الرقة والحسكة وإدلب ودير الزور وحمص.

تحولت أغلب العينات إلى القناعات الجديدة إثر خروجها من سوريا (9/10)، ومعظمها أنهت دراستها الجامعية في سوريا (7)، وواحد منها ترك دراسته مذ كان في سوريا حين كان طالبا في كلية الآداب في جامعة دمشق قسم اللغة الإنجليزية عام 2011، واثنان ما زالوا في طور إكمال الدراسة الجامعية في المهجر. علما أن التخصصات العلمية لهذه العينات كالآتي: العلوم الإنسانية (6) تراوحت بين اللغويات والآداب (4) والحقوق (1) والفلسفة (1) والتاريخ (1) والعلوم التطبيقية كالتمريض (1) والهندسة (2).

أغلب هذه العينات تعتمد على مقولات وأدلة مختلفة من نظرية التطور وكتابات فلاسفة سابقين كـ ديفيد هيوم، وبرتراند راسل، وآرثر شوبنهاور، ولودفيغ فيتغنشتاين، وفريدريك نيتشه، والشاعر العربي أبو العلاء المعري أو الفيلسوف الطبيب أبو بكر الرازي، أو بعض أئمة التصوف كالحلاج، أو بعض العلماء المعاصرين أمثال ريتشارد دوكينز ولويس كراوس، وستيفن هوكينغ وسام هاريس وبرتراند راسل وآرثر شوبنهاور، إضافة إلى متابعة أشخاص لهم برامج تثقيفية مختلفة كأحمد غندور مقدم برنامج الدحّيح أو أحمد سعيد زايد أو يوسف زيدان أو شريف جابر أو إسلام البحيري، إضافة إلى ذكر خزعل الماجدي وميرسيا إلياد وسيد القمني باعتبار أنهما أكثر من قُرئ لهما في إطار الأصل البشري للأديان –لدى العينات المقابلة-، إضافة إلى سمة الاستهزاء من المشايخ ورجال الدين خاصة الذين يتحدثون في المواعظ والإعجاز العلمي كـ د. راتب النابلسي.

من الجدير الإشارة إلى أن العينات اتخذت طابع التحول إلى النحو الآتي: الإلحاد (6)، اللاأدرية (4). كما أن هذا التحول لم يكن فجائيا في الغالب، وإنما جاء نتيجة شكوك متصاعدة ومحاولات لفهم الدين والمقارنة بينه وبين العلوم والآراء الإنسانية المختلفة، إضافة إلى مرور العينات بعوامل اجتماعية ونفسية متعددة. مع التأكيد على أن جميع العينات لم يتعرضوا لأمراض نفسية، كما أنهم لم يكونوا جاهلين في تعاليم الدين ونصوصه بشكل مطبق بصفة عامة.

الجدول رقم (1)

بيانات الأشخاص الذين جرت مقابلتهم في هذه الدراسة

اسم الشخص

النشأة

الدين السابق

العمر

التصنيف الحالي

التخصّص الدراسيّ

مكان الإقامة

الوضع العلمي

1

مروان حفار

دمشق

إسلام

28

لا أدري

تمريض

السويد

مستمر في الدراسة

2

حسين مصطفى

حلب

إسلام

35

لا أدري

أدب عربي

ألمانيا

متخرّج

3

حنّا يعقوب

دمشق

مسيحي

31

لا أدري

أدب إنكليزي

النمسا

لم يكمل دراسته

4

إلهام محسن

حلب

إسلام

33

لا أدري

تاريخ

بلجيكا

متخرجة

5

ناصر دبّاغ

حمص

إسلام

25

إلحاد قطعي

هندسة ميكانيك

ألمانيا

مستمر في الدراسة

6

قيس بكري

إدلب

إسلام

27

إلحاد قطعي

هندسة مدنيّة

النمسا

متخرج

7

حيّان جَبْر

الحسكة

إسلام

29

إلحاد قطعي

أدب فرنسي

ألمانيا

متخرج

8

عبد الله لطفي

حلب

إسلام

30

إلحاد قطعي

أدب إنكليزي

السويد

متخرج

9

حسين الهلال

الرقة

إسلام

32

إلحاد شكوكي

حقوق

ألمانيا

متخرج

10

سلامة الغانم

دير الزور

إسلام

26

إلحاد شكوكي

فلسفة

هولندا

متخرج

 

أنماط التحول

في إطار البحث عن الأنماط التي توجهت للتحول عن الدين بشكل عام، يمكن تلخيص 4 أنماط عامة تندرج تحتها العينات التي أجريت المقابلات معها، وهي كالآتي:

  1. اختيار اللاأدرية والامتلاء بالعاطفة الروحانية

أشارت عينتان من المقابلات[11] إلى أن خيارهم في التغيير كان الامتلاء بالعاطفة الروحانية دون التهجم على الأديان، باعتبارها تجارب بشرية ذات بعد عاطفي/روحاني، إلا أنها في نهاية المطاف ليست إلهية المصدر بشكل حازم، نظرا لإيمانهما بأن الإثبات في وجود الله لا يكتمل.

  1. إنكار الأديان والتوقف في قضية وجود الخالق

عينتان أُخريان[12] كان اختيارهما رفض الأديان ورجال الدين والتهجم على شرائعها ودفع الناس لإنكارها ونشر المقولات التي تشكك بها، بالتوازي مع التوقف عند قضية إنكار الموجد للكون، والميل للقول بأن إله الكون أقرب لما يعرف في الفلسفة باسم "إله أرسطو"، أي الإله الذي أوجد الكون ثم تركه دون أن يتدخل فيه ويدبره.

  1. الإلحاد القطعي

4 من العينات قطعت بإلحادها، وقررت بشكل جازم وجود أدلة قطعية تنفي وجود إله للكون، وبالتالي فإن الأديان خرافات بشرية مثل أي خرافة أو أسطورة أخرى، ورغم عدم إنكار وجود شخصيات مثل النبي محمد أو عيسى –عليهما الصلاة والسلام- إلا أنهم يدعون أنهم لم يكونوا إلا رجالا استغلوا ادعاء النبوة ليؤثروا فيمن حولهم، أي باعتبار "النبي" ثائرا، وأتباعه ثوارا من نوع ديني.

  1. الإلحاد الشكوكي

يقر اثنان من العينات بأن الدين اختراع بشري، وأن إثبات وجود "الإله" الغيبي المطلق أمر عسير، إلا أنهما يحتاران في وثوقية نفيه، إذ إن إمكان وجوده احتمال لا يتجاوز من 1% إلى 5% بتعبيرهما، ولذلك فإنه لا يعنيهم أصلا وجود هذا الإله ولا يريدون عبء إثبات وجوده، طالما أن الأدلة تشير إلى أن الحياة نابعة بشكل ذاتي وتتطور بآلياتها الذاتية.


أنشطة مجتمع التحول

رغم أنه لا روابط مباشرة –كالصداقة أو القرابة، أو المعرفة السابقة- بين العينات التي قابلتها الدراسة، إلا أن سمة بارزة تجمع بين هذه العينات، وهي الاندفاع نحو التعبير عن القناعات الجديدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد انضم أغلبهم إلى منتديات ومجموعات حوارية على هذه المواقع.

لا يوجد إحصاء دقيق للصفحات والمجموعات السورية التي تدعو للإلحاد أو اللادينية على مواقع التواصل الاجتماعي أو إحصاء عدد متابعيها، إلا أنها تتجاوز عشرات الآلاف من المتابعين– دون التأكيد على قناعتهم بأطروحاتها- لمشاهير اليوتيوب كقصي بيطار الذي تجاوزت قناته على يوتيوب 50 ألف متابع، إضافة إلى بعض الصفحات الشهيرة كصفحة شبكة الملحدين واللادينيين السوريين، وشبكة الملحدين السوريين الخاصة، حيث تتنوع أنشطة هذه الصفحات وكذلك طريقة عرضها للأفكار بين المقاطع المصورة حول قضايا مختلفة كبشرية الأديان ونفي وجود الإله وبين السخرية من صفات الله والحديث حول مشاكل العالم ومشاكل التشريعات الدينية أو نشر المحتوى الساخر، إضافة إلى وجود صفحات أخرى تحاول تقديم مشروع فكري ميسر كمجلة "أنا أفكر".

تضم "شبكة الملحدين السوريين الخاصة Private Syrian atheists Network" حوالي 30 ألف مشترك، ويشير مؤسسوها إلى أهدافهم المتمثلة في إعلان حضورهم بقوة ضمن مجتمع متعدد الأطياف والإثنيات والمذاهب، وإتاحة التواصل والتعارف بين الأعضاء، وإطلاق مشروع مجلة تنويرية اجتماعية علمية في محاولة لتأسيس نواة مجتمع علماني ديمقراطي يكفل قيم المواطنة ويحافظ على حقوق المرأة ومثليي الجنس وينبذ الطائفية والتطرف الديني.

أما صفحة "الملحدين السوريين" الناطقة باللغة الإنجليزية Syrian atheists، فتضم 22 ألف عضو تقريبا، وتتخذ موقفا داعما للثورة السورية، إذ تتبنى شعارات العدالة والمساواة وحرية التفكير والتعبير، مع احترام حق التدين وعدم التمييز بين المواطنين بناء على الجنس أو الدين أو العرق[13].

في حين أن صفحة "أنا أفكر" قد تعرضت للإغلاق إثر حملات متكررة من التبليغ ضدها بعد أن تجاوز عدد متابعيها 60 ألف متابع، وهي صفحة معنية بأن تكون منبرا إلكترونيا للملحدين السوريين، بوصفها منصة "تصحيح إلحادية" -بحسب تعبير رئيس تحريرها أيمن غوجل- حيث تؤثر في إحداث تغييرات متراكمة وإن كانت بشكل طفيف.[14]

يكاد ينحصر معظم نشاط اللادينيين السوريين في الواقع الافتراضي وفي المحيط القريب منهم، وتشير العينات التي قابلتها الدراسة إلى أنهم يحضّون من حولهم من الأصدقاء على القراءة، ويشاركون في أنشطة حضور بعض الحوارات في بلدانهم، إضافة إلى تحاورهم مع أصدقائهم حول عدة قضايا جوهرية بين القناعات الجديدة والفكر الديني.


الفصل الثاني: أسباب التحول نحو الإلحاد واللادينية

أولا: الأسباب المتكررة

لا يمكن ذكر جميع الأسباب التي أسهمت في تحول العينات التي قابلها البحث إلى الآراء الجديدة[15]، ولذا سيتم الاقتصار في هذا الفصل على أبرز الأسباب المشتركة التي ذكرتها العينات إضافة إلى ذكر بعض الأسباب الأخرى التي كانت عاملا مهما في تحول بعض العينات.

الاتفاق على بشرية الأديان

ورد هذا السبب بصيغ مختلفة إلا أنه في جوهره الأكثر تكرارا واشتراكا بين العينات (10/ 10)، ويمكن الإشارة إلى أن هذا الاتجاه يؤمن بمقولات "الأنثروبولوجيا" باعتبار بحثه في التشابه الكبير بين تصرفات البشرية وحضاراتها، وتعريف/توصيف هذا التشابه سببا في تقرير/إثبات الأصل الدنيوي المشترك للعقائد وللنصوص الدينية المقدسة كـ "نصوص الفيدا/العهد القديم والعهد الجديد /القرآن".

ذكرت أغلب العينات مثال تشابه قصة الخلق في سفر التكوين والقرآن وكتاب الفيدا الهندوسية باعتبارها مصادر متشابهة للديانات، إضافة إلى ذكر قصة الطوفان وقصة بعث الروح وحساب الأموات وعقائد الإيمان بيوم قيامة بعد الموت وقصة أهل الكهف باعتبارها جزءا من تراث شعوب منطقة الشرق الأوسط، بدءا من جنوب الأناضول شمالا إلى مصر جنوبا وبين الهند شرقا وشمال إفريقية غربا.

الإيمان بمبدأ الحرية والخروج عن السياق المفروض

يتكرر هذا السبب كذلك لدى أغلب عينات الدراسة (9/10)، حيث يرى المعنيون بالدراسة أنهم وُلدوا في سياق ديني معين، وأن إيمانهم بهذا السياق لم يكن عن قناعة وإنما عن تقليد -واع أو لا واع – للأسرة، أو بهدف الاتساق مع التيار العام دون مصادمته، إلا أن انفتاح الفضاء الفكريّ ومساحة التعبير الحرة أمامهم إثر خروجهم من سوريا منحهم استقلالا واسعا عن أسرهم ومجتمعاتهم وبالتالي القدرة على التفكير في إطار غير الإطار الذي كانوا فيه، خاصة بعد التلاقح الثقافي الذي عايشوه في بلاد المهجر بالاحتكاك مع الناس أو التأثر بالواقع الفكري المختلف فيها.

الواقع الاجتماعي في سوريا

تكرر هذا السبب بصيغ مختلفة لدى مختلف العينات (8/10) باعتباره عاملا كامنا في خلفيات التحول.

بطبيعة الحال فإن هذا النمط/التصنيف لا يقتصر على جزئية معينة، وإنما يتفرع إلى تفصيلات مختلفة، كالاشمئزاز من الواقع الطائفي والميل عنه إلى رفض الدين باعتباره أحد مسوغاته، وكذلك الموقف المشابه من التباين الطبقي في سوريا والنظر إلى الدين أو مشايخه باعتباره/هم أحد مسبباته، أو النفور من التطرف ثم ترك الدين بعد الاقتناع بأنه أساس لا بد منه في التوجه إليه، أو بسبب انتشار مشاعر الكره في المجتمع تجاه المختلفين جنسيا كـ "الشواذ-المتحولين جنسيا" واعتبار هذا الرفض مرتبطا بالتعاليم الدينية.

الوثوقية العلموية

تكرر هذا السبب بصيغ مختلفة لدى أغلب العينات (7/ 10)، ويرتكز هذا الاقتناع على أن مغزى الآيات والنصوص الدينية يتناقض بشكل كبير مع الكشوفات العلمية ونظرياته الحديثة كنظرية التطور -بمختلف تطوراتها-، إضافة لاقتناع أغلب العينات (6/10) بأن الكون لا حاجة لموجد له، في مطابقة واضحة مع رأي ستيفن هوكينغ في كتابه "التصميم العظيم"، حيث دلل على أن الكون يمكن له أن يكتفي بالقانون الفيزيائي ليتحول إلى كون متكامل.

"أي إله"

يتكرر هذا السبب لدى أغلب العينات، (7/10) باعتباره من جملة الأسباب الأساسية في التحول، وذلك ارتكازا على اختلاف الأديان في تعريف "الإله" و"صفاته" و"قدراته"، إضافة إلى اختلاف أتباع الأديان ذاتها فيما بينهم بأحقية الدين المتبع، ولو كان الدين واحدا حقا، أو الإله موجودا بشكل قطعي، فلماذا يحصل هذا الاختلاف حوله.

يقول "قيس"[16]: إن وجود الآلهة المتعددين هو ما يعطي الحياة مغامرة البحث عن المعنى، ويجعل الناس يندفعون للعبادة والتقوى، ولا يمكن للناس أن يؤمنوا بإله واحد، ولذلك لا بد من تكثير الآلهة، فهي حاجة بشرية، ولو أن الناس يمتلكون أسبابا منطقية لما رأيتهم يتوجهون إلى معابدهم، حيث إن ظهور الإله الحقيقي يفقد الحياة كل معانيها.

على ذات النسق يقول "سلامة الغانم"[17]: "أي نسخة من الإله يجب الإيمان بها" إله القدامى أم اللاحقين، إله المسلمين أم المسيحيين أم اليهود، إله الهندوس أم الشامانيين؟.

عبثية الوجود وانتشار الآلام في الحياة

وصلت هذه السببية إلى أكثر من نصف المقابلين بواقع (6/10)، حيث كانت آلام السوريين في سني الثورة التسع سببا مهما في عملية التحول، ويستند المقابلون بشكل خاص على ما يعرف بمعضلة أبيقور أو معضلة الشر باعتبارها مرتكزا أساسيا في رفض وجود إله، حيث لا يعقل للإله الرحيم أن يقبل بالآلام والشرور في الكون، وبما أنها موجودة فإنه لا وجود لإله عادل أو رحيم في الكون[18].

الانفتاح الفكري وحرية التعبير

تكرر هذا السبب باعتباره من الأسباب الأساسية في التحول لدى نصف النماذج المقابلة (5/10) حيث إن انفتاح الآفاق والتعرف على ثقافات جديدة تتقبل الاختلاف والانخراط فيها، كان عاملا أساسيا في الميل أكثر فأكثر نحو التحول عمليا.

تذكر "إلهام محسن" –لا أدرية- أنها وجدت نفسها غير مقتنعة بتعاليم الإسلام إثر انفصالها عن زوجها في بلجيكا[19]، وأن إنكار الأديان كلها كان الطريق الأسهل للعيش باندماج كامل مع المجتمع الجديد حيث لا أحكام مسبقة –بتعبيرها- بناء على دين الشخص أو توجهات الجنسية والكل متساو في الحقوق والواجبات.

محدودية العقل

إلى جانب الأسباب المذكورة السابقة، فقد تكرر الحديث حول محدودية العقل (4/ 10) من العينات التي قابلتها الدراسة، ولعل هذا السبب يوضح حجم النزوع إلى "اللاأدرية" أو الإلحاد الشكوكي، لا باعتبارها موقفا إجرائيا أو رأيا عابرا، وإنما باعتبارها فلسفة تشكك بقدرة الإنسان على الإحاطة بكل شيء وإدراك أجوبة قطعية حول الأسئلة الكبرى.

تتعمق نزعة اللا أدرية مع الاقتراب لدى موضوع صفات الله وقدراته وقضية الخلق والإيمان بالغيبيات، وهنا يميل المسؤولون اللاأدريون إلى القول بأن المنهج العلمي هو الحل بما يتاح من منجزات علمية وفكرية، مع التأكيد على أن الركون إليها باعتبارها مذهبا أمر مستحيل، حيث يجب الإقرار بنسبية العلم ومحدودية المعرفة العقلية، وبأن المنهج الفكري أو التجارب المادية لن توصلنا للتأكيد على ترجيح طرف دون آخر، فكما أننا لا نرى ونسمع كل شيء، فإنه ليس بإمكاننا إدراك كل شيء، وخارج نطاق عقولنا قد يكون هناك قدرة على تجاوز سرعة الضوء والوصول إلى أن (1+1) قد لا يساوي (2).

ثانيا: أسباب متفرقة

تتميز كل تجربة من العينات المقابلة بأسباب ذاتية بشكل شخصي كانت مهمة في عملية التحول بغض النظر عن النتيجة التي وصل الشخص إليها، ويمكن عرض بعضها من خلال الآتي:

  1. مروان حفّار: ما سماه بدور "كهنوت رجال الدين" الذين وقفوا مع التباين الطبقي والطائفي في سوريا، وكذلك وقفوا مع نظام الأسد، أو وقفوا مع التطرف والعنف في الجهة المقابلة.
  2. ناصر دبّاغ: ما سماه تحريضا مستمرا على الطائفية والكره والعنف في الأديان، وما عاينه من تطرف طائفي في حمص أثناء بداية الثورة مما أدى لمجازر طائفية في الحولة والتريمسة.
  3. إلهام محسن: ما سمته باحتقار المرأة في تعاليم الأديان والتمييز بينها وبين الذكر، وتحويلها إلى ما عبرت عنه بأنه "تسليع جنسي".
  4. حيّان جَبْر: ما سماه بالتصالح مع الميول الجنسية المثلية "الشذوذ"، حيث كانت ميوله المثلية دافعا لكره الأديان التي تحرم هذه الميول، والتصالح مع قضية عدم وجود إله للكون، بعد بحث طويل -بحسب تعبيره-.
  5. عبد الله لطفي: رفض قسوة الأهل في إجبار الأولاد على العبادات والطقوس الدينية وحفظ القرآن، حيث كانت ذكرياته مع والده الذي يضربه مرارا على تقصيره في الصلاة والعبادات سببا أساسيا في كره الدين واتخاذ قرار الإلحاد بعد توسعه في القراءة والثقافة.
  6. حسين هلال: "يقول المسلمون إن أعمال التنظيمات الإرهابية ليست مرتبطة بالإسلام، وبالرغم من أني كررت هذه الكلمة مرارا إلا أني أقول الآن: داعش (تنظيم الدولة) لا يمثلني لكنه يمثل الإسلام، لقد هربت من منطقهم، والآيات والأحاديث التي يتلونها حول وجوب قتل غير المسلمين، لقد كانوا الدافع لأقرأ بحيادية، وحين مضت الشهور رأيت أن فكري يتعارض مع النصوص الدينية، إنني لا أتفق مع الأديان بعد الآن".

الفصل الثالث: قراءة تحليلية في أنماط التحول وأسبابه

سياقات أساسيات لعوامل التحول

في عمليات الانزياح من فئة اجتماعية إلى أخرى، تظهر سياقات أساسية بوصفها حوامل مشروع الانزياح/التحول، ولا بد من الإشارة إلى أن تحليل هذا السياق على ضوء الأنماط المتقدمة يعتمد بداية على فهم مراحل عملية "الإنشاء الجديدة" التي يمر فيها الإنسان بمراحل مختلفة.

أول مراحل الانزياح عن الهامش وإنشاء فكر جديد يتمثل في التململ والركون إلى الشكوك العامة، ثم بناء قناعات ذاتية بإسهام مباشر/غير مباشر من السياق الاجتماعي والعاطفي، ثم الوصول إلى المرحلة الأخيرة أي بناء قناعة ذاتية جديدة والبحث/الدعوة عن أصدقاء/أشخاص/روابط ليقتنعوا بالقناعة المشكلة حديثا ويتفرع هذا التفصيل إلى أشكال مختلفة من الدعوات/الانتقادات نحو/ضد الآخر.

لا يستغرَب في عملية التحول هذه أن يهدف المتحولون لتشكيل نواة مجتمعية افتراضية أو حقيقية، بهدف التمدد في مساحة الآخر الذي يعد منافسا/خصما، ولذلك فإن أساليب المواجهة قد تختلف بين الخطاب اللفظي إلى الخطاب الفعلي بمختلف أشكالهما.

لا تميل الدراسة إلى وصف النماذج التي قابلتها بأنها سعت إلى تحولات عشوائية أو تفسيرها اقتصارا على واقع التغير الاجتماعي المفاجئ في سوريا بسبب الثورة وانعكاساتها المباشرة من حرب عنيفة وهجرة ملايين الشباب بحثا عن الأمان والحرية، مع التأكيد على أن الواقع الاجتماعي والنفسي والسياق الزماني والمكاني أركان أساسية تمتلك تأثيراتها المباشرة، بالتوازي مع تنامي الشكوك العقلية/الميول الذاتية لدى الشخص المتحول لدفعه نحو التغيير.

في هذا الإطار تشير الدراسة إلى أن وجود سياقات متوازية أساسية في هذه العملية، يمكن إجمال أبرزها في النقاط الآتية:

أولا: البحث عن التفرد

إن تحقيق الانتماء أمر أساسي في حياة الفرد الإنسانية، وحين يشعر المرء بنفسه بعيدا عن الاندماج مع المحيط بمرتكزاته الأساسية "العاطفي/الاجتماعي/العقلي" فإن الفرد يميل إلى الهامش المتخفي في ذهنه كضرورة ملحة، ويسعى -من ثم- لتكوين شخصية عقلية وفكرية وعاطفية جديدة بهدف تحقيق التفرد أولا ثم يندفع لنقد الآخر بهدف تشكيل الجماعة الاجتماعية أو تأسيس القيمة والأرضية المشتركة.

ثانيا: الردة سبيلا لمواجهة الاشتباك بين الدين والحياة

رغم أن الحياة ترتبط بالدين -بحكم الواقع- ارتباطا مباشرا، إلا أن عملية التحول تدفع الشباب لاختزال نظرتهم العقلية في الرفض الكامل والردة النهائية عن التعاليم/السلوكيات دون البحث عن إطار تأويلي/اجتماعيّ/معرفيّ يستوضح الأسباب والسياق والمعاني المرتبطة بهذه التعاليم والسلوكيات.

الردة خيار سهل - بطبيعة الحال- أمام الشك المتنامي في ظل تصارع العوامل المختلفة في ذهن الإنسان ووعيه الداخلي، ولذا لا يمكن وصف هذه الاختيارات بأنها قناعات معرفية بذات الثقة التي يمكن وصف مسألة الوجود المحضة بها.

لقد أسقطت أنشطة التعبير الحر عن الرأي مرجعيات مختلفة بهدف الإسقاط ذاته لا بهدف عدم الصلاحية عموما، ومن هنا نرى أن كاريزما اللحظة الثورية انتقلت لدى كثير من الشباب من التمركز التقليدي حول الدين/المؤسسة/الشخص، إلى التمركز حول الذات أكثر من أي وقت مضى.

ثالثا: اختلاف البيئة المفاجئ

يؤدي الدور الاجتماعي في الواقع السوري دورا أساسيا. ورغم أن التدين في صورته العامة يرتكز حول مفاهيم أساسية وسلوكيات وعبادات معينة، إلا أن القناعة الدينية ليست أمرا مشهورا، بمعنى أن التدين الاختياري عن بحث عقلي لصغار السن أمر يكاد يكون مستحيلا، بدءا من الحجاب وانتهاء بالإيمان بالله، إلا أن الإعلان عن رفض هذه التعاليم والعقائد لم يكن أمرا واردا، نظرا لانكباب الجماعة/المجتمع على أمور/قضايا أخرى تستبعد الحاجة لهذا الإعلان، وبالمثل فإن تغيّر المجتمع أدى الدور ذاته في عملية التحول والتخلي عن التدين، ويرجح أن يكون ذلك انضباطا لا شعوريا، حيث يضطر الإنسان إلى تكييف مشاعره حسب مقتضيات المكان والزمان والجماعة التي يعيش بينها، وهنا تكون الهجرة القسرية وغير القسرية إلى المجتمعات الجديدة وحالة اللجوء الجمعية، مع تشرذم المجتمع وصعود التطرف والطائفية أسبابا لها أثرها في الاندفاع نحو "التخلي" عن المعتقدات/الماضي باعتبارها أمرا ملحا من جهة ويسيرا من جهة أخرى[20].

رابعا: مسالك العلموية والأدلة العقلية والاندفاع نحو التحول

تستلزم التغيرات مسوغات فكرية للاطمئنان إلى صحة الخطوات التي يتبعها الإنسان، ولذلك فإن الركون إلى الأدلة والنظريات البحتة المختلفة، ليس إلا غلافا/صورة مطمئنة لصوابية القرار، أي أن القلق المعرفي والأجوبة التي كونتها العينات ليست قرارا معرفيا بشكل محض، وإنما هو ركون إلى نظريات مختلفة كذريعة ومسوغ في حقيقة الأمر، وهذا مما لا يُلتفت إليه عادة، إذ إن الاندفاع نحو الصيغة العلمية على اختلافها يختلف في جوهره عن الاندفاع لاعتبار هذه الصيغ موقفا نهائيا يوازي الموقف النقيض، مما يدفعنا للقول بأن القناعات المبنية على الأدلة متشكلة في الأساس على الاندفاع النفسي، إذ إن العلم أداة وليس موقفا وجوديا، وما ينبني على المبادئ التجريبية يدخل في التأويل الفلسفي لا الوثوقية العلمية.

بطبيعة الحال فإن نزعة الالتفات والإيمان بالعلموية تشترك مع التدين التقليدي في مبدأ الاختزال المخل، كما أنها تشترك معها في أنها "تصديق أعمى" لما يقوله الآخرون، دون امتلاك القدرة على التثبت منه، أو دون فهم كامل حيثيات المقولات المقترحة وأبعادها، إضافة إلى أنها تدفع الناس للاختيار بين نقيضين لا ثالث لهما: الدين أو الإلحاد، ويتراوح المرء حينذاك بين درجات مختلفة من القوة والضعف في القول الاعتقادي الذي يتبناه سواء كان مع أو ضد.

إن السمة الأساس في مقولات الإلحاد أو اللادينية ليست في جوهرها الذاتي، وإنما في اقتباساتها واستناداتها، فهي تدخل في مواجهة النصوص الدينية بنصوص أخرى، وتحاجج الأطروحات الإيمانية بأطروحات مقتبسة بشكل كامل، أي أن جهدها الأبرز في عملية تشكيل القناعة يرتكز على غياب الإبداع الذاتيّ، وهكذا يتحوّل المتحوّل من باحث عن القناعة إلى عنصر تختزله قناعات الآخر.

خامسا: نمط الشك والمراجعة

تتشابه –بوجه ما- مقولات الشك ورفض التعاليم لدى الملحد، بمبدأ رفض التهاون لدى المؤمن النصي والظاهري في الالتزام بالنصوص.

يمكن القول: إن الاندفاع في الطرفين نحو رفض التعاليم أو قبولها مرده الانكسار/النرجسية، على حد سواء.

في لحظة الانكسار والتوجه نحو التطرف نجد أن الإنسان يتحول إلى وكيل عن الإله، ينطق باسمه ويتصرف عنه، أما النرجسية الإلحادية فإنها ترفض الإيمان بإله لتعلن إيمانها بتأليه الإنسان ذاته، فهي تدفع المرء لإنكار الإيمان الديني ومؤسساته، وتفرض نفسها دينا جديدا يستدعي رمزيات وأساليب تبشيرية مختلفة، بهدف الوصول إلى تأليه "مادة" ما، ومن ثم فإن تصاعد انتشار ظاهرة الإلحاد مرتبطة طردا باستمرار التطور الصناعي والتقني والعلمي والانفتاح الافتراضي.

فقد جاءت الثورة الصناعية في القرن السابع عشر والتطور العلمي بعد صراع عنيف مع الكنيسة، وعندها بدأت ظاهرة الإلحاد في البروز بشكل متصاعد وتعمقت مع ظهور النظرية الداروينية في التطور، وظهور فلاسفة يضعون الأسس النظرية للإلحاد ومحاربة القناعات العامة مثل شوبنهور وماركس ونيتشة وفرويد، حيث يلتقون على عدم حاجة البشرية للإله الغيبي أو الدين، بل إن وجود "الإله" يخلق أزمات متكررة، ولذا من الأفضل غيابه وغياب كل ما يرتبط به من أديان ورمزيات[21].


التحول ضد الجماعة كسياق انتقامي

رغم أن الإلحاد الفردي ظاهرة قديمة تاريخيا إلا أن النماذج التي عرضتها الدراسة ليست مصحوبة بضجيج المعرفة قدر انخراطها بقضايا المجال العام في السياق السوري الواقعي أو السياق العربي الافتراضي، وبالتالي فإنها –على التحقيق- ليست موقفا جذريا ضد الإيمان الغيبي، وإنما هو موقف انتقامي من الجماعة ونظامها الرمزي والأخلاقي[22].

بهذا المعنى فإنه من الأجدر قراءة عملية التحول على أنها ظاهرة احتجاجية لا شعورية، أي أنها الوجه الآخر لفقدان الانتماء وآثار الاستبداد والقمع وضياع البوصلة المعنوية.

في هذا السياق فإن التغيّر لا يكون مرتكزا على قناعات مضادة للدين، وإنما يكون الباعث للتغيّر هو الانتقام من العادات والتعاليم المفروضة والاستفادة- لأقصى حدّ ممكن- من المساحة المتاحة للتعبير عن الرأي والاستخدام الحر لوسائل الاتصال، ولذلك يرتفع الصوت في مهاجمة أفكار المجتمع الدينية من دون رحمة، مع غياب أي قيمة أخلاقية بديلة، ويساعد في ذلك أنه لا قيود مفروضة في المجتمعات الغربية على الأفكار أو الترويج لها في مختلف الوسائل ولهذا فإنه ليس من المفاجئ أن تتزايد أعداد المنتقدين والرافضين إلى أضعاف.

الملاحظة المباشرة لوسيلة الانتقام هذه تتجلى بالسخرية والرفض والدعوة للنقيض، وذلك يوضح عدم وجود منهجية علمية منظمة في معاينة الشأن الإلحادي، فتكتفي الصفحات بإطلاق النكات والصور المستهزئة بالشخصيات المتدينة والدينية، أو تأمين حجم هائل من الاقتباسات النصية من كتب دينية، وفتح باب الدعابة عليها، أو الترويج لكتب علمية بحثية رائجة تنتقد مسائل الدين، إلا أن هذه الاقتباسات عموما لا تكون حذرة، فالاقتباس من ريتشارد دوكنز أو ستيفن هوكينغ أو يوسف زيدان أو سيد القمني لا تعكس مدى ثقافة الفرد الإلحادية قدر انعكاس الرسائل المضمنة في تلك الاقتباسات، والتي يراد توجيهها ضد الظاهرة الدينية التي هي -في حقيقتها- هوية المجتمع السابق للشخص المتحول.


الخاتمة

ليس من قبيل المصادفة أن تتصاعد موجة التحولات في سياقات متحركة أصلا، كرحلة الهجرة واللجوء القسري، بالتوازي مع انفتاح العالم على وسائط الاتصال وبرامجه الافتراضيّة إضافة إلى انتشار نزعة العلموية والتبشير المختزل لمقولة رجال الإلحاد الجديد.

ههنا يتبادر السؤال الأهم، هل يمكن أن نعتبر التحولات عن القناعات الدينية الأساسية في أوساط الشباب السوريين ظاهرة جدية؟

لا تملك هذه الدراسة الإجابة بشكل إحصائي أو رياضي إلا أنها ترصد أنماطا أساسية وحججا متكررة لعينات مختلفة ممن انطبقت عليهم صفة التحول نحو الإلحاد أو اللادينية، حيث تراوحت هذه الأنماط بين التأكيد على مبدأ بشرية الأديان وتحولاتها وتطوراتها في التاريخ، والإيمان بمبدأ الحرية والخروج عن السياق المفروض، والواقع الاجتماعي في سوريا، إضافة إلى الوثوقية العلموية والتركيز على "تناقض ولا عقلانية" الإيمان بالغيبيات والنصوص الدينية، والتركيز على عبثية الوجود وانتشار الآلام في الحياة ومحدودية العقل وعدم قدرته على إثبات وجود إله أو نفيه، إضافة إلى أسباب أخرى كالتصالح مع الميول الجنسية الشاذة أو التألم من قسوة الأهل في إجبار أولادهم على العبادات، أو أعمال التنظيمات الإرهابية.

في سياق آخر تقدم الدراسة تحليلا لعملية التحول بناء على محددات متقاطعة، أبرزها كون التحول أشبه بعملية انتقام ضد هوية الجماعة السابقة، إضافة إلى دور البيئة الجديدة في التركيز على الاندماج، وتفضيل التخلي عن الدين لمواجهة الاشتباك بين الدين ومستجدات الحياة، إضافة إلى دور البحث عن التفرد في صياغة التحولات المختلفة.

تشكل الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي ملجأ للمتحولين الجدد إلا أنها في الوقت ذاته تسبغ على تحولاتهم سمة التهرب والتمرد، إضافة إلى التقوقع في المجال الافتراضي، وبالتالي فإنه من المرجح أن يبقوا متكتلين في هذا الواقع بعيدًا عن الخوض في تأثيرات الحياة اليومية للسوريين داخل سوريا بشكل خاص وجوارها الملاصق لها كتركيا والعراق والأردن ولبنان بشكل عام، مما يوسع من حجم الهوة بين مقولاتهم وبين المجتمعات التي ينتسبون إليها.


المصادر:
[1] ينظر: الدين، محمد عبد الله دراز، دار القلم، ص: 38-39.
[2] ينظر دراسات في الاجتماع الديني، د. سامية مصطفى الخشاب، دار المعارف، ط2، ص: 23- 28.
[3] ينظر: علم الاجتماع الديني، عبد الله الخريجي، دراسات في المجتمع السعودي، الكتاب التاسع، 1990، ط2، ص: 28- 33.
[4] ينظر: الخريجي، علم الاجتماع الديني، ص: 27.
[5] ينظر موسوعة لالاند الفلسفية، أندريه لالاند، منشورات عويدات، باريس، ط2، 2001، ج1/ ص: 107- 108.
[6] ينظر: المعجم الفلسفي، تقديم د. إبراهيم مدكور، دون بيانات، مادة إلحاد، ص: 20.
[7] ينظر المعجم الفلسفي، د. مراد وهبة، د. يوسف كرم، دون بيانات، مادة "إلحاد" ص: 19.
[8] ينظر: لسان العرب، جمال الدين ابن منظور، مادة: ل ح د.
[9] ينظر: كلمة الشيخ أسامة الرفاعي بخصوص ما نشر في مجلة "طلعنا على الحرية"، على الرابط الآتي: https://bit.ly/2UR8U6k
[10] هو مروان حفار من مواليد مدينة دمشق عام 1991، يقيم في السويد، وقد درس الحقوق في جامعة دمشق لسنتين ثم انتقل إلى لبنان فتركيا فالسويد، وهو يدرس الآن تخصص التمريض في إحدى الجامعات السويدية.
[11] مقابلة مع مروان حفار، مرّ ذكره، ومقابلة مع حسين مصطفى (اسم مستعار) من ريف حلب الشمالي، يقيم في ألمانيا، وهو خريج كلية الآداب، قسم اللغة العربية، من جامعة حلب عام 2010.
[12] مقابلة مع حنا يعقوب، وإلهام محسن. انظر الجدول رقم (1).
[13] ينظر الإلحاد في العالم العربي، لماذا تخلى البعض عن الدين، شبكة بي بي سي العربية، ينظر عبر الرابط: https://bbc.in/3effkUo
[14] ينظر: مناف زيتون، أين يقف الملحدون اليوم من المجتمع السوري، رصيف22، على الرابط الآتي:https://bit.ly/37z0cyJ
[15] سرد كامل تفاصيل المقابلات قد يصل إلى 30 ألف كلمة على الأقل.
[16] أحد عينات الدراسة، يراجع الشكل رقم 1.
[17] أحد عينات الدراسة، يراجع الشكل رقم 1.
[18] ينظَر: تفصيل هذه المعضلة وبعض الأجوبة التي قيلت فيها عبر الآتي: مشكلة الشر ووجود الإله، موقع السبيل، عرابي عبد الحي عرابي: 1. https://bit.ly/37GYifA 2. https://bit.ly/2BfDiAo وكتاب مشكلة الشر ووجود الإله، د. سامي عامري، مركز تكوين، ط1، 2016.
[19] ذكرت إلهام أنها رفضت الاستمرار مع زوجها رغم طيب أخلاقه لاختلافه عنها ولتزمّته –بحسب تعبيرها- وأنها تفضل العيش بحياتها بعيدًا عن تعقيد الشرائع والأديان.
[20] ينظر: في تصاعد رفض الخطاب الديني بين السوريين، شام العلي، عبر الرابط الآتي: https://bit.ly/313pjZp
[21] ينظر: الإلحاد غربًا، فلسفة وجود أم أمل طوباوي، د. شريف الدين بن دوبة، مجلة الاستغراب، ع: 7، 2017، ص: 154- 162.
[22] ينظر: شذرات منشورة لـ د. هاني عوّاد، عبر الرابط الآتي: https://bit.ly/30ObuOh
حمل الموضوع كاملاً بصيغة pdf

كلمات مفتاحية :

الإسلام الإلحاد سوريا