تقنين الإجهاض بالمغرب.. كيف تهدد الحريات الفردية إمارة المؤمنين؟

منذ 2019/10/09 11:10:00| 357 مشاهدة| Link | تقارير
مطالبات بإلغاء الفصل 490 من القانون المغربي الذي يعاقب بالسجن عن العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج
حجم الخط

منذ إلقاء القبض عليها، أثارت قضية الصحفية هاجر الريسوني جدلا في المغرب، وأعادت إلى الواجهة نقاش الحريات الفردية ومراجعة القوانين التي تجرم الإجهاض والعلاقات الرضائية بين الراشدين.

في 30 سبتمبر/ أيلول الماضي، أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط، حكما بسجن الريسوني سنة نافذة بتهمتي "الإجهاض" و"ممارسة الجنس خارج إطار الزواج".

على هامش القضية تأسست حركة باسم "خارجة عن القانون" ضمت حقوقيات وكاتبات ومثقفات من المجتمع المغربي، ثم انضم إلى الحركة إعلاميون ورجال من مختلف المجالات.

تدعو الحركة إلى إلغاء الفصل 490 من القانون المغربي، الذي يعاقب بالسجن عن العلاقات الجنسية التي تتم خارج إطار الزواج.

وقال مؤسسو الحركة في بلاغهم الأول: إنه في سنة 2018 تمت محاكمة أكثر من 14 ألفا و503 أشخاص طبقا لذات الفصل، وفي نفس السنة، تمت محاكمة 3 آلاف و48 شخصا بتهمة الخيانة الزوجية.

وأشار البلاغ إلى أنه في كل يوم تمارس في المغرب ما بين 600 و800 عملية إجهاض في اليوم وبشكل سري. متساءلا، "هل يجب أن نزج بكل هؤلاء في السجن كي تنتهي المهزلة؟".

ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا النقاش في المغرب، إذ يطفو على السطح مع كل حدث أو قضية، لكن المؤيدين لتشريع هذه القوانين ليسوا أكثر من المعارضين لها.

فهل يتقبل المجتمع المغربي هذه القوانين في حال قرار تطبيقها؟ وهل تمس هذه القوانين بنظام إمارة المؤمنين الذي يتبناه المغرب، ويقوم على الدين والسياسة؟.

إمارة المؤمنين

أستاذ العلوم السياسية بجامعة "القاضي عياض" عبدالرحيم العلام، قال: "مؤسسة إمارة المؤمنين هي ما جعل القوانين المغربية التي تتعلق بمجال الحريات الخاصة ذات مصدر ديني، هو الذي جعل التحريم والمنع المنصب عليها ذو مصدر ديني، صحيح أنه لا توجد عقوبات كالتي ينص عليها فقهاء الشريعة الإسلامية، كالجلد والرجم وقطع اليد، لكن يوجد ما هو أقل لكنه أيضا مقيد للحريات". 

مضيفا لـ"الاستقلال": "لا يوجد سوى المبرر الديني لمنع علاقة بين رجل وامرأة خارج إطار الزواج، وإذا كانت الدولة تتبنى المشروع الحداثي الديمقراطي أو الدولة المدنية، كما تدعي، فمن المفروض أن الحياة الخاصة للأشخاص وحرية التصرف في أجسادهم هي أمور لا يعاقب عليها القانون".

قبل أن يوضح العلام، أن: "التيار المحافظ عندما يرفض هذه الأمور فهو يبرر ذلك بأن الدولة إسلامية، وأنه لا يمكن لدولة تتبنى نظام إمارة المؤمنين أن تبيح قوانينها ما يدعو له الحداثيون من علاقات رضائية مثلا، وعدم اعتقال شاربي الخمر إلا إذا ارتبط بالعربدة أو قيادة السيارة".

في أحد خطاباته قال العاهل المغربي الملك محمد السادس: إنه أمير جميع المؤمنين على اختلاف دياناتهم، وقرأ العديدون في تصريح الملك محاولة لتوسيع مفهوم إمارة المؤمنين وجعله أكثر حداثة. وفي مناسبة أخرى قالت قناة (سي إن إن) الأمريكية: إن محمد السادس "ملك حداثي". مشيرة إلى أن دستور 2011 قائم على "تعزيز الحريات".

وعن ذلك يقول أستاذ العلوم السياسية، لـ"الاستقلال": "رئيس الدولة يمكنه أن يكون حداثيا ذو ميول للدولة المدنية والتشجيع على الحريات، لكن السؤال هو هل بإمكانه أن يتواجه مع تيار مجتمعي قوي محافظ. وقد يمارس هذا التيار المجتمعي هذه الحريات الخاصة لكن في السر، ومع ذلك تعتبر هذه الفئات أن هذه الممارسات محرمة ويجب على الدولة منعها، وبالتالي لا يكفي أن يكون رئيس الدولة حداثيا، بل على المجتمع أن يكون حداثيا أيضا".

هل تستجيب السلطة؟

من جانب آخر، تساءل العلام: "إن كانت وظيفة القاعدة القانونية أن تتبع المجتمع في محافظته أم ينبغي أن تقوده نحو الحداثة، والمثال هنا هو فصل القانون الجنائي الذي كان يجبر المغتصبة على الزواج من مغتصِبها، وكان هذا توجه عام لدى المجتمع مبني على اعتقاد الستر، لكن عندما جرت احتجاجات القانون استبق المجتمع وقال إنه ينبغي أن يزج به في السجن". 

"وبخصوص الإجهاض، دافع التيار المحافظ داخل المغرب بقوة عن تحريم الإجهاض بشكل مطلق، لكن مشروع القانون المطروح الآن، يجيزه في 3 حالات، وهي الاغتصاب أو الخطر على صحة الجنين وكذا صحة الأم. إذن فالقاعدة القانونية لا تكون بالضرورة رجع صدى لرغبات المجتمع، إنما ينبغي أن تقود المجتمع نحو التحضر"، حسب العلام.

وخلص المتحدث إلى أنه: "لا يكفي أن يكون رئيس الدولة حداثيا حتى يكون المجتمع كذلك، ولا يمكنه أن يفرض عليه الحداثة، ففي المغرب يحكم الملك بقبعتين واحدة حداثية والأخرى دينية".  

فيما اعتبر الباحث في الشأن الديني، منتصر حمادة، عبر تدوينة على فيسبوك، أن: "القوانين لن تتغير بمجرد الاحتجاج عليها عبر المشاركة في حركات منددة بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل عبر التعبير عن ذلك من خلال صناديق الاقتراع". 

معادلة صعبة

الحديث عن الحريات الفردية، يتداخل بين القانون الوضعي وبين ما نشير إليه في الدستور المغربي، أن "المغرب دولة إسلامية"، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه هو هذا التوافق بين القانون الوضعي المبني على الحريات الفردية وحقوق الإنسان والمفاهيم الليبرالية الحديثة، وما هو شرعي المبني على الفقه المالكي مما يتبناه الدستور.

المعادلة ليست على هذا المستوى، بل هي أكثر صعوبة حينما ننزل إلى الواقع المغربي، بحسب  الدكتور محسن بنزاكور الأستاذ الجامعي في علم النفس الاجتماعي، "فنحن نعلم بأننا نتحدث عن فسيفساء ثقافية، منها من هو مطلقا لا يفكر إلى بطريقة القيم التقليدية، أي هناك قراءة تقليدية للنص الشرعي وبالتالي هناك تحريم لكل ما يمكن أن يسمى علاقة، ومن هنا يصبح الجسد مِلك للمجتمع وليس لصاحبه فقط".

وأوضح المتحدث لصحيفة "الاستقلال" أن: "القانون المغربي كان حاسما في هذه المسألة وكان يتبع في هذا المعنى مدونة الأحوال الشخصية في إطارها الشرعي والفقهي، ومن هنا كان تصريح رئيس الحكومة السابق، أنه لا داعي لهذا النقاش وأن تحريم الإجهاض لا يناقش". 

الشق الليبرالي من المجتمع يعتبر أن الجسد هو ملك لصاحبه، وبالتالي على الدولة أن لا تتدخل في هذه الخصوصية، وهم ينادون بأن المغربي وصل إلى حدود كبرى من الوعي ليستطيع أن يسير حياته الخاصة والحميمية وأن تكون له علاقات خارج إطار الزواج، لأنه قادر على أن يميز بين ما هو حميمي وديني واجتماعي، وقادر على أن يختار ويتحمل مسؤوليته. وبالتالي، يضيف بنزاكور: "المنطلق القانوني بالنسبة لهؤلاء غير مبرر أن يستمر على أساس الاستناد على ما هو ديني وفقهي". 

المجتمع المحافظ

ورأى دكتور علم الاجتماع، أنه لا يمكن أن نحسم في كون المجتمع المغربي محافظا، لأن تصنيف المغرب في إطار بعد واحد؛ إما ليبرالي أو يساري أو محافظ، لم يكن أبدا من الناحية الأنثروبولوجية يخضع لسيرورة واحدة أو مفهوم واحد.

ربما يعود هذا إلى تاريخه القديم، إذ مرت كل الحضارات على المجتمع المغربي وتشبع بهذا الاختلاف، وبالتالي هذه القناعات جعلته يتجاوز الرأي الواحد أو الاتجاه الواحد. وحينما نقول المحافظ، هو بالدرجة الأولى مصطلح سياسي أكثر منه ديني، فهذا يزكي أننا نعيش ذاك الصراع الغربي بين المحافظ والعمالي أو الليبرالي أو المتحرر.

وقال بنزاكور: "المجتمع المغربي أعقد من ذلك، فقد تجد الشخص الواحد يحمل الصنفين معا، فتجده في بعض السلوكات محافظ وفي أخرى ليبرالي، وهذا لا يعني تناقضا، لكن يفسر بالدرجة الأولى المرحلة الانتقالية التي يمر بها المجتمع، فهو لم يحسم بعد أن يستمر فيما نسميه القيم التقليدية التي تنبني على الفكر الجماعي واحترام الغير والتشارك وامتدادا للمفهوم القبلي في سياق المجتمع الحالي".

هذا الشق حاضر في بعض سلوكيات من يدعون الليبرالية أيضا، وهناك من يؤمن بأن المجتمع المغربي يجب أم يمر للمرحلة الموالية، وهي القيم المعاصرة التي تستند على الاستمتاع والفردانية وحرية الفرد، وما نسميه العلاقات الرضائية، حسب بنزاكور.

رافضون ومؤيدون

بنزاكور أضاف: "لا يمكننا أن نقارب هذه المسألة من هذه الوجهة إما الشيء أو نقيضه، فكل رافض لهذا القانون، بمن فيهم الحكومة المغربية بها مفارقات ومقاربات أخرى، ربما قد تكون انتخابية أو دينية وربما فيها نوع من الحفاظ على استقرار الأمن الاجتماعي المغربي، لأننا لم نحسم بعد في مسألة الاستناد إلى ما هو ديني محض أو إلى ما هو ليبرالي صرف، قد تكون هذه سمات بعض المجتمعات السائرة في طريق النمو والمغرب من ضمنها".

"ولكن الذي يثير بعض التساؤلات، هو حينما يرفض الحداثي نفسه هذه القوانين التي قد تشكل بالنسبة له خطرا على مستوى معين، أي أن يرفض في الساحة السياسة وأن لا تقبل أفكاره، ومرت بنا هذه التجارب، فبعض الحداثيين الذين لم يحسبوا خطواتهم بالشكل المناسب وجدوا أنفسهم خارج اللعبة الانتخابية"، وفق بنزاكور.

وتساءل المتخصص في علم الاجتماع، إن كان ذلك يعني أن الأمر يتعلق باللعبة الانتخابية فقط؟ أم أن المغرب لم يصل بعد لمرحلة النضج ليطرح هذا النقاش؟ هل هو تخوف؟ أم أنه حفاظ على مصالح بعض الجهات؟.

قبل أن يزيد: "هذا ما سيثبته المستقبل، وقد تكون هذه الأحداث بشرى خير على المجتمع المغربي حتى يصل إلى مستوى معين من النضج، وليس بالضرورة الحسم لصالح هذا أو ذاك، وإنما أن يكون هناك وعي واحترام لاختيارات الغير، وأن نصل إلى مستوى من الدولة المدنية القادرة على أن تتقبل الاختلاف والتنوع في إطار احترام القوانين والمساواة بين المواطنين".


تحميل

المصادر:

  1. نحن خارجون عن القانون".. النص الكامل للمطالبة بإسقاط الفصل 490"
  2. سي ان ان : محمد السادس، ملك مصلح وحداثي

كلمات مفتاحية :

الحريات الفردية الفصل 490 المغرب محمد السادس هاجر الريسوني

تعليقات ونقاش

موضوعات متعلقة